English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كـــــيف وثـــَّـق التـــــاريخ الإســــلامي
القسم : عام

| |
2007-11-03 11:33:48






يتفق معظم المفكرين وبعض الفقهاء ورجال الدين بأن أحد أهم أسباب استمرارية الخلاف المجتمعي فكريا وسياسيا ودينيا هو وجود قراءات عديدة لأحداث التاريخ العربي الإسلامي، وبالأخص سيطرة قراءتين رئيسيتين منذ وفاة الرسول الكريم (ص) بعد نتيجة اجتماع السقيفة عندما تم اختيار أبوبكر الصديق خليفة للمسلمين بعد الرسول.
ولغاية الآن ونحن في القرن الحادي والعشرين فإن صراعات الماضي حاضرة فينا وبيننا، ولم يصبح التاريخ ملكا للجميع، وصراعاته وخلافاته يجب أن تكون وراء الجميع لا معهم ولا أمامهم، بل بالعكس الذي حدث أن لكل طائفة تاريخها تختار من أحداثه ما تعزز تمايزها وصحة مواقف حكامها أو مرجعياتها الدينية.
لماذا إذن لم يتمكن أبناء الحضارة العربية الواحدة وتياراتها أن تقرأ تاريخها وتتفق على أحداثه الكبرى كما حدثت في الحضارات الأخرى نسبيا، لينتقل الجميع مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة، وغيرهم إلى مشكلات الحاضر وتحدياته والتفكير في المستقبل، بدلا من الحضور الدائم للماضي الخلافي الذي يقود الحاضر ويشقه ويشظيه إلى طوائف ومذاهب وقبائل وأصول لتختفي المواطنة وتتراجع إلى الخلف؟
بالطبع هناك جملة من الأسباب والعوامل التاريخية التي أدت إلى هذا الطلاق وخلق الجزر المنفصلة بين أبناء الحضارة الواحدة، ولا مجالها في هذا المقال القصير، بيد أن ما يهمني في هذا المقام ما يمكن أن تكون نافذة أمل للمستقبل إذا ما تتبعنا أحد أهم تلك الأسباب والعوامل، وتقبلنا صحة التحليل الآتي واقتنعنا بأن الحل التصالحي هو نقيض ما مورس في تاريخنا الماضي!!.
يكشف المفكر العربي محمد عابد الجابري في كتابه (تكوين العقل العربي) بأن بداية تاريخ التدوين في الإسلام كانت في عام ٣٤١هـ بزيادة بضع سنين أو نقصانها، وبإشراف الدولة آنذاك في عهد المنصور العباسي، وسمي بعصر التدوين، ويميز الجابري بين التدوين كمجرد تسجيل وتحرير بعض المسائل كما حدث في عصر الرسول والخلفاء وبجهود فردية وشخصية وبين عمل جماعي وواع يخص الأمة بأسرها.
كما يوضح بأن ما حدث في بداية عصر التدوين هو تدوين العلوم من تفسير وفقه ولغة وتاريخ وتبويبها وليس إنتاج هذه العلوم، أي كان الهدف هو تجميع الموروث الفكري العربي الإسلامي وتصنيفه إلى فروع.
غير أن المهم هنا أن هذا التجميع لم يكن يتم بدون إقحام زالرأيس لمن يعمل على تدوينه، ولذلك فان العملية الفعلية كانت بمثابة إعادة بناء ذلك الموروث الثقافي بالشكل الذي يجعل منه زتراثاس،أي إطارا مرجعيا لنظرة العربي إلى الأشياء، إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، حسب تحليل الجابري.
والنتيجة من كل هذا الخلط بين التجميع وإقحام الرأي في الموروث الفكري هي أن ما تناقلته الأجيال منذ عصر التدوين إلى زماننا هذا ليس صحيحا »على وجه القطع« بل هو صحيح فقط على شروط »أهل العلم«، الشروط التي وضعها وخضع لها المحدثون والفقهاء والمفسرون والنحاة واللغويون الذين عاشوا في عصر التدوين، أي الذين جمعوا هذا الموروث بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث للهجرة.
لقد اعتمد الجابري على نص قديم للذهبي أشار إليه جلال الدين السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء) ليصل إلى ما تقدم ذكرها من رؤية لمعنى التدوين وتاريخه ومجالاته وطرائق تجميعه والأماكن التي تم فيها التجميع والمشرفين عليه، وعندما وصل إلى النتيجة المتمثلة بخلط التجميع مع الرأي من جهة، وسكوت النص عن تدوين آخر كان يجري على قدم وساق ولكنه أهمل رسميا ولم يذكره الذهبي من جهة ثانية، ليفضح عند هذا المفصل المأساة التي نعيشها في وقتنا الراهن!.
لقد سكت المرجع التاريخي بان التدوين الآخر للعلوم المتعارف عليها في تلك المرحلة كان من قبل الشيعة، فالإمام جعفر الصادق قد تم في عهده أيضا تدوين الحديث والفقه والتفسير من وجهة نظر الشيعة، أي تم تنظيم الفكر الشيعي وصياغة قضاياه الأساسية، تماما كما حدث في الضفة الأخرى الرسمية من تدوين للعلوم من وجهة نظر أهل السنة والذي سكت عن تدوين والإشارة التاريخية والموضوعية ومشاركة أهل الاختصاص في الفكر الشيعي معه في تدوين ثقافة وفكر الأمة كلها، وهنا برزت خطورة هذا السكوت على الأجيال اللاحقة.
يقول الجابري »أن جانبا أساسيا من تاريخ الفكر العربي الإسلامي سيغيب عن الأفق السني، وهو الأفق الذي ظل يشكل المنظور الرسمي لمعظم البلاد العربية، وإذا عرفنا أن (التأريخ) لتدوين العلم وتبويبه عند الشيعة قد فعل هو الآخر نفس الشيء فسكت عن (العلم) السني، أدركنا أن عملية التأطير- بمعنى التطويق - كانت متبادلة: لقد كان المسكوت عن (العلم) الشيعي جزءاً من (الشروط الموضوعية) التي حددت وأطرت شروط صحة (العلم) السني، والعكس صحيح كذلك«.
وهكذا فان التجميع الذي حصل للتراث الاسلامي بين فريقين لم يلتقيا لتحقيق هدف توثيق التاريخ بخلافاته ومحطاته، بل قام كل فريق باقحام مرئياته ومواقفه من الآخر وهو يجمع التراث ويؤرخ فترة الرسول والخلفاء بعد مرور أكثر من قرن ونصف من انتهاء تلك المرحلة، ولذا تأسست قرائتين لنفس التاريخ ومن ثم تعززت أيديولوجيتين لنفس الدين. بل تسابق كل فريق ليؤكد بانه كان الاسبق من جمع الاحاديث وتصنيف علوم ذلك الزمان.
ولذا لم يكن الهدف الاساس هو توثيق التاريخ المشترك بصراعاته وتجميع موروث الماضي بخلافاته، وإنما تحولت هذه المهمة إلى غرض ديني ومذهبي وأيديولوجي، فتم بالتالي (تسييس) التراث و(تجييره) لصالح الصراع السياسي بدلا من الجلوس معا لخلق التصالح بين الفرقاء والمذاهب الفقهية والاعتراف المتبادل، تماما كما حدث نسبيا بين المذاهب السنية الاربعة!.
والاسباب لهذا المآل عديدة ولكن الاساس منها هو انحياز الدولة في دعم هذه الحركة العلمية الواسعة التي كانت تستهدف (ترسيم) الدين حسب تعبير الجابري، أي جعله جزءا من الدولة وفي خدمتها، وليس توثيق وتجميع التراث لهدف علمي وموضوعي وتعليمي بحت، ولذا استبعدت الدولة وهي تقوم بهذه المهمة التجميع الشيعي باعتباره منحازا للمعارضة السياسية للحكم العباسي. وعليه قام الفريق الشيعي بنفس الدور حيث هدف أيضا بالمقابل (ترسيم) المعارضة السياسية، أي اضفاء المشروعية الدينية عليها!.
الخطورة في هذا التنافس هي أن أبناء الحضارة الواحدة قد انقسموا إلى عقلين ونظامين معرفيين يقرءان نفس العقيدة قراءتين مختلفتين، والنتيجة والمحصلة بروز ثوابت حضارية ووطنية مختلفة لكل فريق بتداعياتها التي ما زالت تلاحقنا نحن أبناء القرن الحادي والعشرين.
إن ما يهمنا هنا أن نتائج تلك المرحلة التاريخية التي حققت وظيفتها التاريخية والسياسية والعقائدية واستغلت في الصراعات بكافة أشكالها بحاجة إلى وقفة جادة أمامها من قبل الفريقين، وقفة نقدية ومراجعة نفسية بأن الماضي التراثي والتاريخي ليس من صنع سواعد أبناء الحاضر وعليه أن يبقى ورائنا إذا لم يتمكن الفريقين من خلق التصالح بين القراءتين للتاريخ الواحد، وليبقى الحاضر ملكا للجميع لا يتم اسقاط الماضي عليه من الفريقين، بل ليتم حل مشكلاته ومناقشة قضاياه المعاصرة بعيدة عن صراعات واسقاطات الماضي.
وفي هذا الشان على الدولة المعاصرة أن تتعظ من أخطاء الدولة الاسلامية السابقة وهي تعمل في كتابة التاريخ الوطني للبلاد، حيث إن تكرار التاريخ جلي أمامنا وبالتالي نتائج ذلك ستكون واضحة، فبدلا من تجميع الاجيال اللاحقة من أبناء الوطن تحت سقف معرفي واحد وتاريخ وطني واحد، سوف يتأسس تاريخين وقراءتين، وهو الحاصل راهنا بين أطياف وتيارات المجتمع الصغيرفي قراءة تاريخنا الذي اهملت محطاته الشعبية الكبرى من قبل الدولة، وتتحول حركة التاريخ إلى مجرد ابراز لادوار فردية وتصبح مراحل التاريخ مرتبطة بهم وليس بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسي.


جريدة الأيام، Saturday, November 03, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro