English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم والمراسيم!
القسم : عام

| |
2007-11-02 11:43:42







أدب السجون يروي حكايات ويكشف فظاعات ارتكبتها الأنظمة العربية على امتداد جغرافية الوطن العربي رغم اختلاف طبيعة هذه الأنظمة. الجمهوريون والملكيون مارسوا أساليب وحشية متشابهة لقمع معارضيهم وكسر إرادتهم وتطويعهم للدخول إلى حظيرة النظام القائم.

والكاتب محمود الورداني في كتابه حدتو – سيرة ذاتية لمنظمة شيوعية الصادر ضمن سلسلة كتاب الهلال – العدد 679 (يوليو – تموز 2007) يرصد مجموعة كبيرة من أساليب القمع والتعذيب التي مارسها رجال النظام الوطني الناصري بحق تلك التنظيمات التي رفضت دعوات الحل والذوبان في النظام. الكتاب يروي بدايات نشوء التنظيمات اليسارية والشيوعية في مصر وعلاقاتها بالنظام الناصري والحملة الدموية التي تعرضت لها في الفترة من 59 لغاية 1964 لحين قبول الكثيرين من الكوادر حل تنظيماتهم والدخول فرادى في الإتحاد القومي الذي أنشأه النظام تحت مسمى إتحاد قوى الشعب العامل.

ونحن نقرأ هذه السيرة الذاتية ونتعرف على حقبة هامة من تاريخ مصر والأمة العربية.. نتذكر بكل إعتزاز وفخر ما قدمه كثرة من المناضلين في البحرين الذين تعرضوا لقمع الإنجليز ثم إستمروا يدفعون الثمن بعد الاستقلال حتى إخلاء السجون في 2001. الجلادون والقتلة متشابهون في كل مكان فهدفهم الأول والأخير الدفاع عن النظام القائم ولا يتورعون عن القيام بأي فعل وحشي. يعتقلون، يُعذبون، يقتلون بدم بارد ويروجون الأباطيل والدعايات ويلصقون التهم بخصومهم.. ثم يقولون عفا الله عما سلف!.

يقول محمود الورداني في كتابه الثري "لم تنهار التنظيمات الشيوعية في مصر بسبب سنوات الاعتقال الدامي التي تحملوها ببطولة وشرف ونبل وقدموا عدداً من الشهداء داخل معسكرات الاعتقال، إنما انهارت بسبب العجز الفكري والسياسي الذي لم يميز بين إجراءات وشخص جمال عبد الناصر كوطني معادٍ للإستعمار، وبين إصراره على تصفية الحياة السياسية بالكامل، أحزاب علنية وسرية ونقابات وصحف ومنظمات جماهيرية.. الخ (ص313).

ويقول "إن خطأ عبدالناصر القاتل والذي ما لبث أن أودى بثورة يوليو ذاتها بعد ذلك, هو رفضه التعامل مع القوة الأساسية التي دعت للتحالف معه والوقوف بجانبه وآمنت بقيادته للتحالف سواء من حدتو أو غيرهم" (ص 319).

ونورد المقتطفين السابقين لنسأل هل تغيرت عقلية الأنظمة العربية الجمهورية أو الملكية بعد كل تلك المواجهات الدامية مع شعوبها وتنظيماتها السياسية العلنية والسرية؟

وفي سياق رصده حملة القمع الشرسة التي تعرضت لها التنظيمات اليسارية المصرية يقول الورداني " لم تقتصر الحملة على الاعتقال فحسب, بل إن الصحافة أصابها نوع من السعار, وصدرت الأوامر لخطباء المساجد بالهجوم على اليساريين الكفرة وفي المدارس انتشرت لوحات مرسوم عليها مساجد وكنائس تحترق بالنيران وتعلق على واجهات تلك المدارس وتحتها تقرأ "هذا من فعل الشيوعيين"!! (ص321).

إلا يذكرنا ذلك بما فعلته الصحافة هنا إبان حل المجلس الوطني في 1975 وتطبيق قانون أمن الدولة والحملة الشرسة ضد المناضلين عبدالله مطيويع ومحمد غلوم وشوقي العلوي وفؤاد سيادي وعبدالأمير منصور والترويج لرواية أجهزة الأمن بإلصاق تهمة قتل المرحوم الصحفي عبدالله المدني بأولئك المناضلين في 1976م ضمن إدعاءات النظام آنذاك بمسئولية الجبهة الشعبية عن جريمة القتل؟. ألا يذكرنا ما قاله الكاتب بما فعلته الصحافة و"السياسيون" الطارئون وخطباء المساجد ورسائل التلفونات المحمولة أثناء حملة الانتخابات الأخيرة؟؟؟

ويقول الورداني" جريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم, بل جريمة حية ودائمة, وإذا كان المجرمون قد أفلتوا من العقاب القانوني, فلا أقل من إدانتهم هنا, وهذا هو بالتحديد الواجب الذي أجدني مصراً على الوفاء به" (ص 325 ـ 326).

ونحن أيضاًَ نقول إن المراسيم لا تلغي حق الضحايا وأهاليهم بالمطالبة بالقصاص من أولئك الذين مارسوا التعذيب والقتل بحق العشرات من أبناء شعب البحرين في حقبة الإستعمار البريطاني ثم في مرحلة الإستقلال وقيام الدولة حيث يفخر المسئولون بإنجازاتهم لكنهم يتنكرون لأولئك الذين سقطوا ضحايا السياسات الخاطئة للحقبة السابقة.

وفي مكان أخر يقول الورداني "إن من كانت تثبت براءته (يقصد المعتقلين) حتى وفق محاكمات جنرالات الجيش رؤوساء المحاكم الاستثنائية، أو من يقضي فترة العقوبة المنصوص عليها قانوناً، فكان يصدر أمرا أخر باعتقاله بمقتضى قانون الطوارئ، وقبل أن يغادر القضبان".

ألم يستنسخوا هنا نفس النهج بإبقاء المناضل إبراهيم سند في سجن القلعة سنوات بعد انقضاء فترة حكمه، وإعادة اعتقال المناضلين أحمد مكي وعبد الأمير منصور بعد تبرأتهما من تهمة قتل المدني، بمقتضى قانون أمن الدولة الذي تمت صياغته وتطبيق نصوصه كما كان قانون الطوارئ المصري؟.

لاحظوا ثقافة السجانين في المقطع التالي:

عندما سأل شاويش آخر الدكتور لويس عوض عن مهنته أجابه:

ـ دكتور

فقال الشاويش:

دكتور إيه؟

أجابه: في الأدب.

فصرخ فيه الشاويش:

يعني إيه في الأدب.

أجابه: في القصص.

فأنهال عليه بالضرب صارخاً.

يعني دكتور في الحواديت يا أبن الكلب! (ص333)

وهل يمكن نسيان جريمة إذابة جثة القائد فرج الله الحلو في الشطر الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة، بالحمض (الأسيد) بعد قتله تحت التعذيب. أخرجوا الجثة من القبر وقطعوها بالمنشار ووضعوها في المغطس (البانيو) وصبوا عليها الحمض الكيماوي ونقعوها ثلاثة أيام وبعد أن ذابت عظام الشهيد صبوا الماء في النهر الذي يجري بالقرب من مكان الجريمة.

لقد تفننوا في عمليات القمع والتعذيب وأستبدلوها حسبما كتب صنع الله إبراهيم في كتابه "يوميات الواحة" بشكل جديد على يد متخصصين تربوا في الولايات المتحدة، فلقد تلقى ـ البعض من المعتقلين ـ خطابات من أهاليهم تطالبهم بالخروج وسماع الكلام. وهددت زوجات بطلب الطلاق، وكتبت طفلة إلى أبيها:

إخرج من أجلي ومن أجل ماما، قالوا لي إنك لا تريد أن تخرج لأنك تكرهنا.. أنا أكرهك..   (ص375).

هنا أيضاً كانوا يمارسون الإرهاب على أهالي المعتقلين لكسر إرادتهم وكانوا أيضاً يطالبون أسر الطلاب بالضغط على أبنائهم للتخلي عن أنشطتهم الوطنية والطلابية. وتصوروا ما ورد في المقطع السابق بأن أولئك المتخصصين تربوا في الولايات المتحدة (والمرحلة المقصودة مرحلة الستينات من القرن العشرين) ويستغرب البعض ما فعله الأمريكان في سجون العراق وفضائح أبو غريب بعد إحتلال العراق في 2003، ناهيك عما ارتكبوه من جرائم في معتقل جوانتنامو.

ويقول الورداني "لم يرحموا أحد.. الجميع ضربوا دون رحمة لتحقيق ذلك التأثير المرعب، فالمطلوب أن يشعروا أن أرواحهم رخيصة، والتعذيب يستهدف قبل كل شيء كسر الإرادة وإلانتقال إلى مرحلة سابقة على المرحلة الإنسانية، أي يتحول الإنسان إلى حيوان خائف مرعوب يبحث عن أي منفذ يقلل جرعات الضرب المتوالي" (ص380).

ألم يفعلوا كل ذلك وبامتياز هنا.. ألم يحاصروا الشعب بالذل والهوان حتى جاء الانفراج الأمني في 2001 ليتوقف قمع السجون ويبدأ قمع الدستور الجديد وحزمة المراسيم والممنوعات من كل نوع وشكل؟.

لاحظوا كيف كانوا يستفيدون من الرياضيين في تعذيب المعتقلين حيث يقول الورداني "الملازم أول يونس مرعي لاعب في الفريق القومي لكرة القدم، والنقيب سيد منصور ملاكم وكثيراً ما كان يأتي بقفاز الملاكمة ليتسلى ويتدرب في المعتقلين العزل" ص391.

هنا أيضاً ساهم رياضيون في حملات القمع والضرب والاعتقالات, وهذا ما يؤكد إن الأنظمة القمعية تتبادل المنافع والخبرات والتجارب.

وفي مجال آخر يقول الورداني " طبقاً لحسن المناويشي في كتابة البالغ الصدق "أوردي ليمان أبو زعبل "فأن مأمور الأوردي سأل سعد زهران (أحد المعتقلين) في الطابور....

- لماذا لا تهتف لجمال عبدالناصر؟؟؟

أجابه :ـ

لن أهتف له وأنا في السجن مهما عمل من إنجازات ـ قد أهتف له خارج الأسوار بإرادتي وليس تحت السياط والشوم والكرابيج". (ص398)

ويقول "والحقيقة إن السجانة لم يكونوا كلهم على نفس الدرجة من الوحشية والقسوة، كما أنهم كانوا يحترمون من يصمد ويعتبرونه رجلاً". (ص402)

إن تجارب المناضلين في سجون البحرين تؤكد أيضاً وجود ذات النوعية من السجانين الذين كانوا يحترمونهم ويحاولون قدر إستطاعتهم التخفيف من معاناتهم.

أما لماذا كان النظام الناصري مصراً على إخضاع إرادة الآخرين، فالورداني يقول "النظام والزعيم كان مطلبهم واضحاً: القضاء التام والنهائي على أي تنظيم مستقل والإجبار على التخلي عن حق التنظيم المستقل والدخول فرادى بعد الإنصياع وخلع الأحذية والسراويل الداخلية إلى الاتحاد القومي". (ص406)

ترى هل تخلى أي زعيم وأي نظام عربي قديماً وحديثاً عن إصراره على إخضاع الناس وإدخالهم في بيت الطاعة رغم تغير الأساليب وبرامج الترغيب والشعارات؟

لاحظوا الحكاية التالية:

"بعد منتصف إحدى الليالي فتح فريد شنشن المأمور أبواب العنبر ودخل على الزنازين مشرفاً على البكاء وصوته يتهدج طالباً طبيباً من المعتقلين وخرج له حمزة البسيوني وصلاح حافظ، ويروي حمزة البسيوني ما جرى. دخلنا فيلا المأمور، كان لديه ولدان ثلاث سنوات وأربع سنوات. كان لديه أقراص درن لونها جميل أسمها (ستيازيل) الأولاد تناولوها وكانوا يحتضرون. سرت أنا وصلاح حافظ وصارعنا موت الأولاد والمعتقل كله إستيقظ. لم يمت الولدان وأنقذا.أعطيناهما منبهات وغسيل معدة، ويضيف، فريد شنشن تحول بعدها إلى إنسان يحكي ويبكي، كل القشرة الفظيعة نزعت وظهر الإنسان داخله. فمثلاً يوم انفصال سوريا عقدنا مؤتمراً ووجد إننا ناس وطنيين، فكان يبكي متأثراً بموقفنا وأنهى سنته وصمم أن يعود سنة أخرى ليعطينا شيئاً كإنسان". (ص429)    

ترى متى تستيقظ "ضمائر" و"إنسانية" أولئك القتلة والجلادين الذين أزهقوا أرواح العشرات من الشباب والمعتقلين على إمتداد الحقبة السوداء التي عاشها الوطن. هل يتقدم أحد طالباً المغفرة لقتله شهداء إنتفاضة مارس 65 والشهداء محمد بونفور ومحمد غلوم وسعيد العويناتي ود. هاشم العلوي والعشرات من أبناء الوطن في الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم والشهيد محمد جمعة الشاخوري أمام السفارة الأمريكية في 2002؟. تذكروا إن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم والمراسيم، وإن الشعوب يمكن أن تغفر لكنها لا تنسى جرائم جلاديها.

 

معتقل سابق


 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro