English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نحو المصالحة المذهبية...عصر تدوين جديد
القسم : عام

| |
2007-10-12 04:55:45


 

 janahi.jpg

يتفق معظم المفكرين وبعض الفقهاء ورجال الدين بأن أحد أهم أسباب استمرارية الخلاف المجتمعي فكرياً وسياسياً ودينياً هو وجود قراءات عديدة لأحداث التاريخ العربي الإسلامي، وبالأخص سيطرة قراءتين رئيسيتين منذ وفاة الرسول الكريم (صلعم) بعد اجتماع السقيفة عندما تم اختيار أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين بعد الرسول.

ولغاية الآن ونحن في القرن الحادي والعشرين فإن صراعات الماضي حاضرة فينا وبيننا، ولم يصبح التاريخ ملكاً للجميع، وصراعاته وخلافاته يجب أن تكون وراء الجميع لا معهم ولا أمامهم، بل بالعكس الذي حدث أن لكل طائفة تاريخها تختار من أحداثه ما تعزز تمايزها وصحة مواقف حكامها أو مرجعياتها الدينية.

لماذا إذن لم يتمكن أبناء الحضارة العربية الواحدة وتياراتها أن تقرأ تاريخها وتتفق على أحداثه الكبرى كما حدث في الحضارات الأخرى نسبياً، لينتقل الجميع مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة، وغيرهم إلى مشكلات الحاضر وتحدياته والتفكير في المستقبل، بدلاً من الحضور الدائم للماضي الخلافي الذي يقود الحاضر ويشقه ويشظيه إلى طوائف ومذاهب وقبائل وأصول لتختفي المواطنة وتتراجع إلى الخلف؟

بالطبع هناك جملة من الأسباب والعوامل التاريخية التي أدت إلى هذا الطلاق وخلق الجزر المنفصلة بين أبناء الحضارة الواحدة، ولا مجال لها في هذا المقال القصير، بيد أن ما يهمني في هذا المقام هو ما يمكن أن تكون نافذة أمل للمستقبل إذا ما تتبعنا أحد أهم تلك الأسباب والعوامل، وتقبلنا صحة التحليل الآتي واقتنعنا بأن الحل التصالحي هو نقيض ما مورس في تاريخنا الماضي!!.

يكشف المفكر العربي محمد عابد الجابري في كتابه (تكوين العقل العربي) بأن بداية تاريخ التدوين في الإسلام كانت في عام 143هـ بزيادة بضع سنين أو نقصانها، وبإشراف الدولة آنذاك في عهد المنصور العباسي، وسمّي بعصر التدوين، ويميز الجابري بين التدوين كمجرد تسجيل وتحرير بعض المسائل كما حدث في عصر الرسول والخلفاء وبجهود فردية وشخصية، وبين عمل جماعي وواع يخص الأمة بأسرها.

كما يوضح بأن ما حدث في بداية عصر التدوين هو تدوين العلوم من تفسير وفقه ولغة وتاريخ وتبويبها وليس إنتاج هذه العلوم، أي كان الهدف هو تجميع الموروث الفكري العربي الإسلامي وتصنيفه إلى فروع.

غير أن المهم هنا أن هذا التجميع لم يكن يتم دون إقحام "الرأي" لمن يعمل على تدوينه، ولذلك فإن العملية الفعلية كانت بمثابة إعادة بناء ذلك الموروث الثقافي بالشكل الذي يجعل منه "تراثاً"،أي إطاراً مرجعياً لنظرة العربي إلى الأشياء، إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ، حسب تحليل الجابري.

والنتيجة من كل هذا الخلط بين التجميع وإقحام الرأي في الموروث الفكري هي أن ما تناقلته الأجيال منذ عصر التدوين إلى زماننا هذا ليس صحيحاً "على وجه القطع" بل هو صحيح فقط على شروط "أهل العلم"، الشروط التي وضعها وخضع لها المحدثون والفقهاء والمفسرون والنحاة واللغويون الذين عاشوا في عصر التدوين، أي الذين جمعوا هذا الموروث بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث للهجرة.

ويؤكد الجابري بأن الهدف من هذا التفكيك ليس التشكيك في تراثنا وإنما التوضيح والكشف بأن تدوين تاريخنا السابق الحاضر فينا إلى اليوم قد اختلطت فيه آراء من دوّنه وجمّعه، فأضاف أشياء وأهمل أشياء أخرى وحرّف أشياء وضخّم أشياء أخرى.

لقد اعتمد الجابري على نص قديم للذهبي أشار إليه جلال الدين السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء) ليصل إلى ما تقدم ذكره من رؤية لمعنى التدوين وتاريخه ومجالاته وطرائق تجميعه والأماكن التي تم فيها التجميع والمشرفين عليه، وعندما وصل إلى النتيجة المتمثلة بخلط التجميع مع الرأي من جهة، وسكوت النص عن تدوين آخر كان يجري على قدم وساق ولكنه أهمل رسمياً ولم يذكره الذهبي من جهة ثانية، ليفضح عند هذا المفصل المأساة التي نعيشها في وقتنا الراهن!.

لقد سكت المرجع التاريخي بأن التدوين الآخر للعلوم المتعارف عليها في تلك المرحلة كان من قبل الشيعة، فالإمام جعفر الصادق قد تم في عهده أيضا تدوين الحديث والفقه والتفسير من وجهة نظر الشيعة، أي تم تنظيم الفكر الشيعي وصياغة قضاياه الأساسية، تماما كما حدث في الضفة الأخرى الرسمية من تدوين للعلوم من وجهة نظر أهل السنة، والذي سكت عن التدوين والإشارة التاريخية والموضوعية ومشاركة أهل الاختصاص في الفكر الشيعي معه في تدوين ثقافة وفكر الأمة كلها، وهنا برزت خطورة هذا السكوت على الأجيال اللاحقة.

يقول الجابري " إن جانباً أساسياً من تاريخ الفكر العربي الإسلامي سيغيب عن الأفق السني، وهو الأفق الذي ظل يشكّل المنظور الرسمي لمعظم البلاد العربية، وإذا عرفنا أن (التأريخ) لتدوين العلم وتبويبه عند الشيعة قد فعل هو الآخر نفس الشيء فسكت عن (العلم) السني، أدركنا أن عملية التأطير- بمعنى التطويق – كانت متبادلة: لقد كان المسكوت عن (العلم) الشيعي جزءاً من (الشروط الموضوعية) التي حدًدت وأطًرت شروط صحة (العلم) السني، والعكس صحيح كذلك".

وهكذا فإن التجميع الذي حصل للتراث الإسلامي بين فريقين لم يلتقيا لتحقيق هدف توثيق التاريخ بخلافاته ومحطّاته، بل قام كل فريق بإقحام مرئياته ومواقفه من الآخر وهو يجمع التراث ويؤرخ فترة الرسول والخلفاء بعد مرور أكثر من قرن ونصف من انتهاء تلك المرحلة، ولذا تأسست قراءتان لنفس التاريخ، ومن ثم تعززت أيديولوجيتان لنفس الدين، بل تسابق كل فريق ليؤكد بأنه كان الأسبق في جمع الأحاديث وتصنيف علوم ذلك الزمان.

ولذا لم يكن الهدف الأساس هو توثيق التاريخ المشترك بصراعاته وتجميع موروث الماضي بخلافاته، وإنما تحولت هذه المهمة إلى غرض ديني ومذهبي وأيديولوجي، فتم بالتالي (تسييس) التراث و(تجييره) لصالح الصراع السياسي بدلاً من الجلوس معاً لخلق التصالح بين الفرقاء والمذاهب الفقهية والاعتراف المتبادل، تماما كما حدث نسبياً بين المذاهب السنية الأربعة!.

والأسباب لهذا المآل عديدة ولكن الأساس منها هو انحياز الدولة في دعم هذه الحركة العلمية الواسعة التي كانت تستهدف (ترسيم) الدين حسب تعبير الجابري، أي جعله جزءاً من الدولة وفي خدمتها، وليس توثيق وتجميع التراث لهدف علمي وموضوعي وتعليمي بحت، ولذا استبعدت الدولة وهي تقوم بهذه المهمة التجميع الشيعي باعتباره منحازاً للمعارضة السياسية للحكم العباسي، وعليه قام الفريق الشيعي بنفس الدور حيث هدف أيضا بالمقابل (ترسيم) المعارضة السياسية، أي إضفاء المشروعية الدينية عليها!.

يكشف في هذا المقام الجابري عن التحولات السياسية للحركة الشيعية من مواجهتها للدولة سياسياً وعسكرياً إلى العمل الثقافي الديني في عصر الإمام جعفر الصادق بهدف إعداد جيل جديد من الثوار؛ الأمر الذي أدى إلى أن يهدف التنافس بين الفريقين وهما يعيدان بناء الموروث العربي الإسلامي في أن يجعلا الماضي في خدمة (الحاضر)، حاضر أهل السنة وحاضر الشيعة، وبالتالي مستقبل كل منهما.

الخطورة في هذا التنافس هي أن أبناء الحضارة الواحدة قد انقسموا إلى عقلين ونظامين معرفيين يقرءان نفس العقيدة قراءتين مختلفتين، والنتيجة والمحصّلة بروز ثوابت حضارية ووطنية مختلفة لكل فريق بتداعياتها التي ما زالت تلاحقنا نحن أبناء القرن الحادي والعشرين.

إن ما يهمنا هنا أن نتائج تلك المرحلة التاريخية التي حققت وظيفتها التاريخية والسياسية والعقائدية واستغلت في الصراعات بكافة أشكالها بحاجة إلى وقفة جادة أمامها من قبل الفريقين، وقفة نقدية ومراجعة نفسية بأن الماضي التراثي والتاريخي ليس من صنع سواعد أبناء الحاضر وعليه أن يبقى وراءنا إذا لم يتمكن الفريقان من خلق التصالح بين القراءتين للتاريخ الواحد، وليبقى الحاضر ملكاً للجميع لا يتم إسقاط الماضي عليه من الفريقين، بل ليتم حل مشكلاته ومناقشة قضاياه المعاصرة بعيداً عن صراعات وإسقاطات الماضي.

وفي هذا الشأن، على الدولة المعاصرة أن تتًعظ من أخطاء الدولة الإسلامية السابقة وهي تعمل في كتابة التاريخ الوطني للبلاد، حيث أن تكرار التاريخ جليّ أمامنا وبالتالي نتائج ذلك ستكون واضحة، فبدلاً من تجميع الأجيال اللاحقة من أبناء الوطن تحت سقف معرفي واحد وتاريخ وطني واحد، سوف يتأسس تاريخان وقراءتان، وهو الحاصل راهناً بين أطياف وتيارات المجتمع الصغيرفي قراءة تاريخنا الذي أهملت محطاته الشعبية الكبرى من قبل الدولة، وتتحول حركة التاريخ إلى مجرد إبراز أدوار فردية، وتصبح مراحل التاريخ مرتبطة بهم وليس بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية

 

نشرة الديمقراطي - العدد 41- سبتمبر /أكتوبر 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro