English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ليلة قدرك وحدك.. خاطرة صوفية لأحد رعايا ملوك الطوائف
القسم : عام

| |
2007-10-08 05:52:07


 

 

 

 

151karim.jpg

 

 

أين تذهب في ليلة القدر التي خير من ألف شهر؟ عرفتَ منذ صغرك أن الرب في هذه الليلة يترك أبوابه مشرعة للخطائين أمثالك، أولئك الذين ذهب عمرهم هدراً في الضياع واللايقين. عمركَ الذي أنفقته في البحث الوجودي عن ذاتك ولم تعثر عليها بعد، بينما أنفقه غيرك في الاطمئنان المبكر والبحث عما يملأ الجيب ويخفي العيب. مع ذلك يقبلك هذا الرب بعلاتك وزلاتك إذا طردتك طوائف يزعم كل منها أنه الناجي الوحيد وغيره إلى الهلاك. يزعم كل زعيم أن الرب اختار طائفته من دون غيرها لأن الرحمة على سعتها لا مكان فيها سوى لهذه الطائفة. تسأل نفسك إذا لم تكن ليلة القدر هي الموعد المناسب ليغادر كل منا طائفته إلى طائفة الله فمتى إذاً؟ إذا لم تكن ليلة القدر هي الساعة المناسبة ليصنع فيها الإنسان تاريخاً جديداً لنفسه ولقومه، تاريخاً خالياً من ترات الماضي وثاراته فأي ليلة يا ترى إذاً؟ كيف للجنّة التي عرضها السموات والأرض أن تضيق بقوم وتنحصر لقوم؟

كانت ليلة القدر في طفولتك أجمل في مخيالك الذي خربه ملوك الطوائف وسدنتها. كنتَ تؤمن أنها ليلة ينزل فيها الحلوى من الجنة في علب فضية من النور فيحصل كل فرد في هذا الكون على قطعته من الحلوى. الناس كل الناس. من كل الملل والنحل. كان هذا قبل أن تكبُرَ فيقال لك تلك خرافة طفولة قلناها لك حتى تحب ليلة القدر. الآن كبرتَ بما تكفي لتعرف أن الله خص طائفتك من دون غيرها بفضل ليلة القدر وحلواها. لا، لأن الرب حاشاه ليس لديه ما يكفي من الهدايا، لكن لأن طائفتك هي المستحق الوحيد لهذه الهدايا وحتى إذا فاضت يرتفع نصيبك ونصيب أفراد طائفتك من دون أن يذهب شيء للآخرين. طائفتك وحدها تملك الحق والحقيقة وما سواها إلا الضلال المبين. طائفتك وحدها الخير والعدل وسواها الشر والبدع. طائفتك وحدها تؤول إلى الملكوت وسواها يؤول إلى الجحيم.

لكن الآن، دع عنكَ غل الطوائف وأغلالها وقم، الآن. هذا رب يملك الكون بأسره لكنك لست بحاجة لأن تضرب موعداً مسبقاً لزيارته. لست بحاجة لأن تمر بحواجز التفتيش وتبلغ عما في جيوبك من المتاع وأن تتأنق فتلبس أفضل ما لديك وتتعلم كيف تتنحنح وكيف تأكل وتشرب وكيف تمشي وكيف تقف وكيف تتفادى الشك في أنك إرهابي جاء يزور بيت السلطان وكيف تتملق ثم كيف تغادر. فقط زره الآن أو في أي وقت. فحتى ليلته هذه، تركها غامضة ليسهل عليك الخطأ في المواعيد فتصبح كل المواعيد صحيحة. لا تخش من نسيان الموعد فهناك كثير من الأوقات التي هو متفرغ فيها لك وحدك فقط، مع أن هذا لن يشغله عن التفرغ لغيرك، ولكل فرد على حدة. ما يميز هذه الليلة ليس الكثرة فقط (خير من ألف خير شهر)، بل الكرم المباح من هذه الكثرة. كرم للجميع ومع الجميع حتى أنك لتستغرب من هذا الهلع الطائفي وكأن القوم يخشون خسارة آخر قطعة في مخطط عقاري. حتى إنك لتتساءل لمَ ترتفع ذبذبات الصوت المكبر آلاف المرات بدعاء هذا الرب العظيم أن يتأكد من خلو الجنة من الطائفة الأخرى؟ حتى إنك لتندهش من إصرار كل قبيلة على أن لديهم النسخة الوحيدة من «الماستر كي» لغرف الجنة. هو ربٌ مفتاح الدخول إلى ملكوته طهارة قلبك، صفاء ضميرك ونظافة بدنك. فقط توجه نحوه بسيطا فهو بسيط. اطرق بابه من دون خجل وبالغ في طرق الباب فهو يستلذ بقضاء حوائجك.

لكن أين تجد مسجداً لا يخص طائفة وديناً لا يخص جماعة وصلاة لا تخص حزباً وإحياء لا يزعم نشطاؤه أن الجنة لهم وحدهم من دون غيرهم؟ أين تجد قوماً في هذه الليلة الكريمة لا يعتقدون أن الله ليس لديه كثير من المساحة في الجنة ليعطيها للجميع؟ أين تجد طائفة لا تعتبر ليلة القدر تنافساً على مساحة الكيلومترات المحجوزة في الجنة وعلى إقصاء الطائفة الأخرى منها؟ أين تجد ذكراً لا يعتبر الآخر دنساً ووِرداً لا يرى الآخر خطيئة وانحرافاً وضلالاً؟

ليتــــك تجــــد ما كنت تقرأ عنه في قصص الأنبياء وأساطير العارفين من معتكفات في الخلاء يحيط بها العشب والماء وتظلها سماء زرقاء. يجلس فيها العابد العجوز يناجي ربه فيما حماره الكسول يمضغ أيامه. ليتك تجد ما تذكره قصص الرحالين من أديرة ومساجد ومعابد بعيدة مهجورة يجد فيها الفرد ذاته فيجد ربه حاضراً معه. هل لفت انتباهك أن هذه المعابد، إذ تأتي في هذه القصص تكون في الغالب خلوا من الإشارة لطائفة صاحبها وهويــــة دينه؟ هل الطائفية إلى العمران أقرب منها إلى الخلاء وفراغ المكان؟ هــل لاحظتَ أن التعصب الطائفي والجماعتي والمذهبي يزداد مع كل تجديد لمأتم أو مسجد أو معبد حين يأتي قيموه بعد تعميره بخططهم الجديدة، بينما يخبو التعصب كلما كان المكان أكثر تواضعاً وتقشفاً في العمران؟

تحلم من دون جدوى بليلة قدر لكل الطوائف، تتطهر فيها القلوب من أدران الحقد الأسود وتدعو كل طائفة أختها لتشاركها نزل الجنة ونعيمها. هم يفعلون ذلك في الإفطار ووجبات المجاملات السياسية والاجتماعية. لكنهم عاجزون عن أن يفعلوا ذلك في العبادة. عاجزون عن أن يقولوا عبارة بسيطة في ألفاظها كبيرة في اعتناقها «كل مذهب يتعبد به المرء مجز وموصل إلى رضوان الله» لن يقولها أي منهم، ولذا فحفلات «الوحدة» وبرامجها وخطابها وبروباغنداها ليست سوى للاستهلاك المذهبي.

تحلم بليلة قدر مبتكرة قبل أن تنهمك الطوائف في قراءة الدعاء وتصنع البكاء أن تنهمك في صناعة الحب وقبول الآخر. تحلم بخطباء ينفقون ولو دقائق معدودات قبل إطلاق حفل الدعاء والدموع في القول إلى الناس أنتم على خير وغيركم على خير وإلى خير والجنة أكبر من خيالكم المحدود والذي لا يتجاوز صورة القسائم السكنية.

تحلم بأدعية مستحدثة ابتكرها خارجون على فقه الطوائف مثل علي شريعتي، يصنعون فيها نصهم الجديد الذي تسع فيه رحمة الله كل بني الإنسان. تحلم بطائفة جديدة وليلة قدر جديدة يكون فيها الإنسان حقاً صانع قدره كما أراده الله في ليلة القدر. الإنسان الذي رفض أن يرث من أسلافه خرافة أن جماعته وحدها إلى النجاة وغيرها إلى الهلاك.

الإنسان الذي يملك حريته في ألا يتمذهب وألا يكون ماركة مسجلة لطائفة من الطوائف. تحلم بليلة قدرك وحدك. ثمة آخرون يحلمون معك. ليسوا قلة لكنهم أسرى صمتهم المفروض. تلك طائفة جديدة الآن تتشكل في رحم الغيب. طائفة الذين لا طائفة لهم. لعلهم قادمون ولو بعد حين.

 

 صحيفة الوقت

‏07 ‏اكتوبر, ‏2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro