English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الخلايــــــــا الجهاديـــــــة و»الجنــــــــة الآن«
القسم : عام

| |
2007-09-30 10:02:24


 

janahi.jpg

 

اقتراحاتنا المذكورة في الحلقة السابقة والموجهة للجهات الرسمية والمتعلقة بمشاهدة فيلم SICKO الذي يناقش موضوع الفساد في القطاع الصحي الامريكي  لها علاقة بأهمية اعادة النظر في السياسات الاقتصادية التي تؤدي الى المزيد من الفقر والقهر والتمايز الطبقي، وبالتالي المزيد من الاحقاد وبروز حركات متطرفة تنخرط فيها شرائح اجتماعية مهمشة وأفراد وصلوا الى مرحلة اليأس من اصلاح الوضع بالطرق السياسية السلمية والشرعية والقانونية، وتيقنوا بان الحل الأمثل في تدمير البنية الحاكمة المفسدة والمستغلة وغير العادلة والمنحازة للطبقات الغنية على حساب الفقيرة، وهي حركات موجودة في جميع انحاء العالم ما دامت العدالة في توزيع الثروة الوطنية غائبة أو ضعيفة أو مشوهة، وهي حركات قادرة على تعبئة صفوفها المغلقة فكريا ومعنويا بانها على طريق الحق تسير.

اسلاميا وعربيا ومحليا فان نمو هذه الحركات اكثر وضوحا لوجود تربة اجتماعية وسياسية ناضجة، خاصة أن عوامل دولية تساهم في بقاء جذوة المقاومة ضد احتلالاتها غير المشروعة للاراضي الاسلامية أو العربية، سواء في افغانستان أو العراق أو فلسطين، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني كتوأمين لديهما مخططات مكشوفة للهيمنة والاحتلال وممارسة الارهاب تحت حجة محاربة الارهاب!

ومثلما يهز الفيلم الامريكي المتقدم ذكره مشاعر المتلقي - اذا كانت لديه مشاعر واحاسيس انسانية - فان الفيلم الفلسطيني (الجنة الآن) سوف يهز الاستقرار النفسي المزيف للجهاديين وللمتعاطفين معهم! مع تأكيدنا بان الكلام هذا لا يحمل ادانات للعمليات الجهادية أو الفدائية التي تقوم بها الحركات الوطنية المقاومة للاحتلال كوسيلة مشروعة، ولكن يدعو هذا الكلام مثلما دعا الكلام السابق للجهات الرسمية بمشاهدة الافلام وقراءة الآداب والفنون الانسانية الراقية للاقتراب أكثر من مكنونات الانسان ومشاعره واحاسيسه، وعدم التحجر في الكتب القديمة والتعامل معها كمقدسات باعتبارها نتاج بشر عباقرة وفقهاء انتجوا فكرا من مصنع واقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي آنذاك، تماما كدعوتنا بعدم تحجر أصحاب القرار الرسمي في التقليد لتجارب رأسمالية غربية والانغراق في المال والثروة والفساد المرافق لهما ونسيان كينونة الانسان ، والفقير منهم على وجه الخصوص!

(الجنة الآن) فيلم فلسطيني للمخرج والمؤلف والمنتج هاني أبو أسعد، عرض في البحرين في أكثر من مكان، وطاف في معظم القارة الاوربية والامريكية واستراليا، وحصل على جوائز عديدة منها جائزة الغولدن غلوب، وأفضل فيلم أوروبي (بلو انجيل) في مهرجان برلين الدولي لعام ٥٠٠٢، وترشح للأوسكار كأفضل فيلم أجنبي، وحورب من اللوبي الصهيوني باعتباره يشجع على الارهاب.

ورغم أنه كتب عنه الكثير الا أن من المفيد تلخيص أحداثه ومشاهده للقارئ المتعاطف مع الجهاديين، وخاصة هذه الايام في بلادنا بعد انكشاف الخلية المتهمة بارتباطها بالخارج وبالحركات الجهادية.

فلسطينيان مكلفان بعملية انتحارية داخل العمق الاسرائيلي هما سعيد وخالد وخلفهما منظمة ومشرفون على تهيئتهما نفسيا ومعنويا ولوجستيا منهم المؤمنون حقا بالقضية ومنهم الانتهازيون والمنافقون والمتسلقون على النضال الوطني من أجل مصالحهم يستغلون هؤلاء تحت شعارات وخطابات رنانة!، مع تأكيد زعيم المنظمة لهما بان ما أن ينجحا في تفجير جسديهما في وسط الصهاينة فاذا بروحيهما تنتقلان مباشرة لجنة الخلد، مع ضمان رعاية أسرتيهما ماديا وحياتيا وعرض صورهما وكلمات الوداع المصورة بالفيديو على الناس وهما يحملان البندقية وجسديهما ملغمان بالمتفجرات. والمشاهد الأخرى تكشف مشاعرهما وحماس أحدهما للعملية الانتحارية وتردد الآخر، وبعد فشل الوصول إلى العمق الاسرائيلي تبدأ التحولات في المشاعر والقناعات فإذا بالمتحمس يتراجع وإذا بالمتردد يتقدم ويصر في مواصلة الخطة وتنفيذ العملية.

وهناك مشاهد تكشف أسباب كل هذه التحولات الذاتية والموضوعية، النفسية والمادية، فصديقة المتردد الفتاة الفلسطينية الثرية القادمة من المغرب ابنة مناضل صلب لا تؤمن بالوسائل العنيفة وتدعو إلى الوسائل الحقوقية والسلمية مقابل صديقها الفلسطيني المتردد ابن فلسطيني عميل للكيان الصهيوني تعاون معه وأصبح تاريخا موسوما بوصمة العار تلاحق ابنه الذي يبحث عن تطهير الذات من هذا العار بممارسة نقيض والده وعمالته ضد شعبه.

المشاهد توضح أن العمليات الانتحارية معقدة ومركبة فهي من جانب عمليات تندرج ضمن الارهاب لدى البعض ولكنها ثمرة ايمان مطلق لمنفذيها، ايمان بأن الحل للخلاص من المحتل لن يتحقق الا بالتضحية والموت والاستشهاد ، ولأن الدوافع الاساسية موجودة ومشروعة كاستمرار الاحتلال كعامل سياسي، وممارسة الاغتيالات وتدمير المدن والقرى وقتل الابرياء كعامل عسكري، وصراع داخلي كعامل شخصي فان الايمان يصبح أكثر مطلقية في صحة هذا الخيار.

ورغم أن المخرج قد أكد بان فيلمه هذا حاول أن يخلق فيه جدلا مثيرا ليبقيه حيا مع مرور الزمن ولا تنتهي لذته بانتهاء المرحلة التاريخية ، ولذا كانت الاسئلة المطروحة في مشاهده أكثر من الاجوبة، وهذه هي سمة الافلام التي تركز على النفس والمشاعر والاحاسيس، خاصة لفدائيين معظم الشعب العربي قريبون منهم روحيا وعاطفيا ولكننا بعيدون عنهم جسديا، فاذا بالفيلم يقربنا بشكل مبهر منهم، لدرجة أن روحك تتسرب في أجسادهم وتحس بصراعاتهم النفسية وهم ملغمون بالمتفجرات وتتحسس اعضاءك وتتخيل شظايا جسدك المتناثر بعد التفجير، وهذا ما نجح المخرج في خلقه في المشهد الأخير من الفيلم حينما ركزت عين الكاميرا على وجه الفلسطيني وهو قابع في باص ممتليء بالاسرائيليين منتظرا سحب مفتاح التفجير، وكلما اقتربت عين الكاميرا ببؤبؤ الانتحاري كلما اقتربتَ أنت المشاهد من الجنة المنتظرة لروحه أو أحسست بوهم هذا الايمان وعبثيته، ولذا فان لاسم الفيلم دلالات تنكشف أمامك بعد انتهاء الفيلم عند لحظة التصاق عدسة الكاميرا ببؤبؤ العين، فهل الجنة الموعودة هي اللحظة الآنية التي يعيشها الفلسطيني وعليه أن يقتنع بها كما تبشر بذلك الفتاة الفلسطينية التي اقنعت الفلسطيني المتحمس ليتراجع عن ايمانه بدخول الجنة، أم هي اللحظة التي يتشظى فيها جسده وتدخل روحه للجنة مباشرة كما أصر الآخر تحقيقها؟.

 

  صحيفة الأيام

 September 29, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro