English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تغير الأفكار أم تغير الأخلاق؟
القسم : عام

| |
2007-09-27 10:50:26


 ali fakhrow.jpg

 

في عزلته التأملية الشهيرة عن العالم كتب الكاتب الأمريكي ثورو: «بأن الأشياء لا تتغير وإنما نحن الذين نتغير«. وهذا ما يصدق على وزير خارجية فرنسا. فهذا الرجل قد خرج في المظاهرات الطلابية الفرنسية عام 1968 وهو يهتف بسقوط الأنظمة الظالمة ويطالب بالمساواة بين البشر والشعوب. وبعد بضع سنين ساهم بحيوية الإنساني المثالي في تكوين جماعة «الأطباء بلا حدود« التي تذهب إلى كل بقاع العالم لتداوي ضحايا الحروب والنزاعات والنكبات. فهل تغيرت الأشياء حتى تتغير ثوابت الوزير ونزعات جوارحه من أجل العدل والحرية والرحمة؟

 

إذا كان النظام السياسي الذي كان يحكم فرنسا عام 1968 ظالما ومستبدا، كما هتف هو وإخوة له آنذاك، فهل النظام الذي يحكم العالم بأسره اليوم أصبح أكثر عدالة وأقل وحشية؟ هل أصبحت أنياب الحكم اليميني الأصولي المتطرف في واشنطن أصغر وأقل قدرة على العض والتمزيق من أنياب حكومة ديجول أيام شباب الوزير الفرنسي؟ وآلام وأوجاع الملايين من ضحايا سطوة الاحتلال الأمريكي للعراق وعهر استباحة الأرض الفلسطينية ومن عليها من قبل الاستعمار الصهيوني، ومن ضحايا النزاعات التي تؤججها قوى بالغة القسوة في كل مكان.. هل هذه الآلام والأوجاع أقل من آلام البشر عندما تكوّنت جماعة الأطباء بلا حدود؟ إذاً ما الذي تغير في هذا العالم حتى يغير وزير خارجية فرنسا أفكاره ومبادئه وثوابته؟ والجواب هو: لا شيء، فالنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الظالم المجنون لم يتغير، بل ازداد سوءا وتيها وخطرا. الأشياء لم تتغير وإنما الرجل إياه قد تغيّر. وها هو منذ أسبوعين يحمل السيف الأمريكي في يده ويلوّح به، لا في وجه القوى الدولية التي تمارس احتلال بلدان العالم ونهب ثرواتها، وإنما يلوّح به في وجه إيران المسلمة، ويعدها بشّن الحــرب إن لم تنصع للإرادة الدولية (الدولية أم الأمريكية؟). كذا، انقلب الشاب الثوري المفعم برغبة تغيير العالم والرجل الإنساني المملوء حناناً ورقة إلى أداة حرب استعمارية يعرف هو قبل غيره الأهداف الأمريكية الصهيونية الخفية من وراء التلويح بها ويعرف بوضوح الأهوال التي ستأتي بها تلك الحرب على الشعب الإيراني وعلى شعوب منطقة الخليج العربية، بل على العالم كله. بغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع بعض السياسات الإيرانية في منطقتنا، وبعيداً عن الجانب السياسي في تصريحات وزير خارجية فرنسا فان الذي يهمنا هو ظاهرة تغيّر البشر. التغير ليس عيبا، بل إن الكاتب الألماني وولف بيرمان يصر على «ان الذي يتغير هو وحده الذي يبقى أميناً مع نفسه«. والواقع أن الإنسان يستطيع أن يجد مبرراً لمن يغيّرون أفكارهم تغييراً جذرياً بسبب تغيّر الأحوال في محيطهم وبالتالي انتقالهم لتبنّي قناعات جديدة تستوجب الانقلاب على ماضيهم. لكن أن ينقلب الفرد على ثوابت أخلاقية وإنسانية كانت تحكم حياته ويتبنّى نقيضها فهذا أمر لا يندرج إلا تحت ممارسة الانتهازية وبيع الذات أو الانخراط في لعبة النفاق المذمومة. هؤلاء ينطبق عليهم قول أحد القائلين: يضعون في سلة الفقراء فلساً بيد ليأخذوا باليد الأخرى ديناراً. وزير خارجية فرنسا ليس الوحيد الذي يفعل ذلك، إذ هناك الألوف المؤلفة من مفكري ومثقفي وسياسيّي العرب الذين فعلوا ويفعلون ذلك. لقد كانوا مناضلين ومحاربين في سبيل الحرية والعدالة واجتثاث العفونة من عالمهم. واليوم يقفون مع الاستعمار والاحتلال والظلم وغول العولمة بانتهازية قلّ مثيلها. كل هؤلاء وأمثالهم أعطوا فيما مضى لأممهم وللبشرية القليل من نقاء ضميرهم ليعودوا اليوم فيساهموا في عملية نهب وسفك دم تلك الأمم والمسحوقين من البشر. هؤلاء ينخرطون في عدمية فلسفة ما بعد الحداثة: كل شيء نسبي، الحقوق والأخلاق والمبادئ والقيم والالتزامات الإنسانية. في سوق نخاسة الضمير كل شيء جائز الانقلاب عليه .

 

 صحيفة أخبار الخليج

Thursday, September 27, 2007

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro