English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

السفير الباليوز أيضا
القسم : عام

| |
2007-09-25 03:14:47


 

 29blog_author100crop.jpg

 

يتعجب قارئ التقارير التي كان يرسلها السفير البريطاني روبرت تيش طوال فترة خدمته في البحرين (1972- 1975) إلى رؤسائه في لندن عن تطورات الوضع السياسي في البحرين من أمريْن. أولهما مقدار التفاصيل التي تتضمنها تقاريره بما في ذلك الأمور الشخصية الحميمية المتعلقة بالمسؤولين الذين يتعامل معهم. وثانيهما هو عدم دقة الكثير مما تحتويه تقاريره من معلومات حول الشؤون العامة بل وما فيها من أخطاء ومعلومات مفبركة.

لا أرغب في تناول ما لا يخص الشأن العام في تقارير السفير البريطاني. إلا أن الأمور تتداخل أحيانا كما هو الحال حين يصف السفير في عدد من الرسائل والتقارير نظرة الازدراء التي ينظر بها كبار المسؤولين في النظام إلى من سماهم بـ ‘’الثوريين المدجنين’’

(أو ‘’الثوريين الأليفين’’). فهؤلاء، حسبما ينقل السفير عن مسؤولٍ كبير ‘’لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية ومن دون إحساس بالمسؤولية’’. وهنا يشدد السفير على نبرة الازدراء في حديث المسؤول الكبير عن أحد ‘’المدجنين’’ من قيادي هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات ممن تصالحوا مع النظام بعد الاستقلال[1].

في رسالة إلى وزير الخارجية البريطانية آنذاك، السير أليك دوجلاس-هيوم حول انتخابات 1973 للمجلس الوطني كتب السفير تيش ‘’جاءت الانتخابات مفاجئة وسببت قلقاً لدى المحافظين في البحرين ولدى الأنظمة التقليدية المجاورة.. ولم تتم إعادة انتخاب ثلث أعضاء المجلس التأسيسي..[2]. ويستخدم السفير تيش كلمة ‘’الصدمة’’ في تقارير سابقة ولاحقة حين يصف ‘’المفاجأة التي حملتها نتائج تلك الانتخابات. فلم يتوقع أحدٌ، سوى الواثقين بالناس، أن يُسقط الناخبون أسماء كبيرة في حجم المرحوميْن عبدالعزيز الشملان وإبراهيم العريض أو أصحاب صحف وحظوة مثل المرحوم محمود المردي والأستاذ علي سيار، ليختاروا وجوهاً ‘’جديدة’’ على الساحة السياسية العلنية. إلا أن ما فات السفير والمصدومين وبقية من فاجأتهم تلك النتائج أن الناس كانوا يستخدمون بطاقة التصويت لمعاقبة الذين تدجنوا. فالناسُ كانت تريد من يمثلها في مواجهة السلطة وليس من يمثلها لدى السلطة.

يشير السفير في الرسالة نفسها إلى إعادة انتخاب أربعة من كتلة الوطنيين ممن سماهم بغلاة معارضي الحكومة في المجلس التأسيسي. ومن بين هؤلاء يركز السفير على أخينا جاسم مراد الذي يصفه في سلسلة من تقاريره بـ’’البعثي’’ وبـ’’المعادي’’ للغرب وللشيوعية.

لا شك ان السفير يعرف أن جاسم مراد لم يكن وجهاً جديداً في الساحة السياسية. فلأبي صلاح حضوره الملموس اجتماعيا وتجارياً، وله تاريخه السياسي الممتد منذ الخمسينات ضمن هيئة الاتحاد الوطني. وفوق ذلك فهو ممن لم يُدَّجَنوا ولا ينطبق عليهم التوصيف الرسمي لـ’’الثوريين الأليفين’’ الذين لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية ومن دون إحساس بالمسؤولية، حسب ما نقل لنا السفير عن المسؤول الكبير. قد يمكن تبرير الخطأ لمرة واحدة إلا أننا نلاحظ تكرار التوصيف الخاطئ في تقارير متتالية. والكاتبُ ليس مراسلاً صحافيا عابراً بل سفيرٌ مقيمٌ له مصادر معلومات مباشرة تتمثل في أربعة وزراء ناهيك عن مواطنه هندرسون، المسؤول عن مباحث أمن الدولة والمصدر الأول لهذا النوع من المعلومات فيها.

طوال فترة خدمته في البحرين كان السفير تيش يرسل إلى وزارة الخارجية في لندن ‘’معلومات’’ عن فلان الشيوعي وعن علاَّن البعثي. ولعله لو كتب تقاريره هذه الأيام لكتب أن هذا مناصرٌ لحزب الله وذاك مناصرٌ للطالبان. ولهذا أميلُ إلى الاعتقاد بأن ما كتبه السفير تيش عن أخينا جاسم مراد لم يكن نتيجة معلومات خاطئة بل هو فبركة مقصودة تصب في جهود مبذولة لإجهاض التجربة البرلمانية منذ أن تبّدّت ملامحها عبر ‘’الصدمة’’ التي مثلتها نتائج الانتخابات في 7 ديسمبر/ كانون الاول .1973 فنحن أمام ‘’معلومات’’ يفبركها هندرسون أو أحد الوزراء المعنيين وتُرسل إلى لندن عبر السفير تيش ثم تعود من هناك لتوضع على مكاتب المسؤولين البحرينيين بمصداقية إضافية. لقد كانت تقارير السفير تيش تُضفي مصداقية الخارجية البريطانية على فبركات هندرسون وجهازه. ولهذا لم يكن صعباً تصديق ما كان يختلقه هندرسون من ‘’مؤامرات’’.

لا تخلو تقارير السفير تيش من الحكايات الظريفة. إلا أنه نوع خاص من الظرف السمج الذي يعرفه من قرأ رواية ‘’روبنسون كروزو’’ لدانيال دوفو أو غيرها من الروايات العنصرية. يستظرف السفير تيش كثيراً حين يعرض مجريات الجلسة البرلمانية الأولى التي انعقدت في 16 ديسمبر/ كانون الاول ,1973 فنراه يصف أماكن جلوس النواب ليستخلص استنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان حول توازنات المجلس وتحالفاته المستقبلية[3]. وسأعود إلى ذلك فيما بعد. إلا أنني لا أريد تفويت إحدى ملاحظاته السمجة حول ‘’شكل’’ النواب الثمانية أعضاء كتلة الشعب البرلمانية.

نعرف الآن أن كتلة الشعب، في نظر السفير تيش، هي مجموعة من المتآمرين، شديدي الذكاء، من ذوي الأهواء الماركسية ومناصري الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل والعراق. ونعرف أن بعضهم تلقى دورات تدريب على التخريب وزعزعة الأنظمة. وفوق ذلك فهو يُؤكد لرؤسائه في لندن أن ‘’ثمة فرق واضح في الشخصية بين اليساريين وبقية النواب’’. فمعظم أعضاء كتلة الشعب حسب قوله ‘’هم في أوائل الثلاثينات من أعمارهم، محامون وموظفون، يلبسون البدلات الداكنة ولهم وجوه يعلوها غرور المثقفين’’. وفوق ذلك فهم يختلفون شكلاً عن بقية أعضاء المجلس. لا، لم يقل السفير تيش، والحمد لله، إن لكل عضو في كتلة الشعب ثلاثة رؤوس وأربع أعين. إلا أنه شَدَّد على أن سيماء أعضاء كتلة الشعب لا تشبه سيماء البحرينيين الاعتياديين[4]. يقول السفير، بعبارة أخرى، حتى شكلهم كان مختلفاً وليست أفكارهم وحدها. حين قرأتُ هذه العبارة، ونحن في قاعة القراءة في مبنى الأرشيف الوطني البريطاني، ضحكتُ ضحكة عالية أزعجت آخرين. ولولا نظرة تنبيهٍ لائمة من الأخ علي ربيعة لجاء من يدعوني إلى التزام الصمت.

حين أتفكر في عبارة السفير البريطاني تلك، أرى نفسي عاجزاً عن معرفة ماذا كان يقصد بـ’’البحريني الاعتيادي’’ الذي لم نكن نشبهه. لكنني أعرف إن ‘’الاعتيادي’’ الذي يحبه العنصريون والطغاة هو كل من يرضى بنصيبه وبما يُرمى إليه من الفتات. أما من يحامي عن عزة نفسه ويرى أن من حقه أن يطالب بحقوقه وحقوق الناس فهو مغرور ومتجاوز للأصول والحدود.

 

[1] انظر على سبيل المثال الرسالة السرية الموجهة إلى بي. آر. إتش. رايت، مكتب الشرق الأوسط، وزارة الخارجية البريطانية، لندن، بتاريخ 18 نوفمبر/ تشرين الثاني .1973

[2] رسالة سرية موجهة إلى السير أليك دوغلاس-هيوم، وزير الخارجية البريطانية، لندن، بتاريخ 28/12/1973

[3]، [4] انظر الرسالة السرية الموجهة إلى بي. آر. إتش. رايت ، مكتب الشرق الأوسط ، وزارة الخارجية البريطانية في لندن ، بتاريخ 17 ديسمبر .1973

 

 صحيفة الوقت

‏25 ‏سبتمبر, ‏2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro