English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ثروة البترول وترسيخ ممارسة الثقافة الرفيعة
القسم : عام

| |
2007-09-18 12:36:33


ali fakhrow.jpg

 

مثل غيرها من دول العالم الثالث واجهت جمهورية فنزويلا الأمريكية الجنوبية تفاقم حيرة شبابها وضياعهم بين اللهو السلبي الضحل المسطح وبين التسكع في الشوارع والتعرض للإنغماس في عالم المخدرات والعربدة والرذيلة، ومثل غيرها ظنت أن تجييش الحماس الشبابي الفولكلوري للألعاب الشعبية الرياضية، وعلي رأسها بالطبع كرة القدم، ورعاية لعبة ولاءات الشباب للفرق الرياضية الوطنية والدولية سيمليء حياة شبابها ويبعدهم عن المخاطر المجتمعية.

 

لكن ذلك لم يحدث، إذ أن معضلة الشباب ليست قضية تسلية ولا قضية تجييش غوغائي للانتماءات الجمعية الرياضية، وإنما هي مسألة تعامل مع فقر متزايد في مشاعر الشباب الإنسانية ومع فوضي عارمة في أولويات فكرهم..

 

من هنا بدأت خطوات الالتفات إلي الامكانيات الهائلة التي تزخر بها مختلف النشاطات الثقافية لإخراج هؤلاء الشباب من عوالمهم الوجدانية والذهنية الفقيرة المتضادة إلي عوالم تحقق الذات وممارسة الابداع والشعور بالتالي بالكرامة الإنسانية والقيمة المعنوية.

 

من بين التجارب المتميزة التي خطتها فنزويلا هي تجربة إنشاء مراكز في مختلف المناطق، مجانية وجدية، لتعلم وممارسة الموسيقي بكل أنواعها الرفيعة من قبل الشباب الراغبين في ذلك.. لقد كانت المفاجأة هي نجاح هذه المراكز في اجتذاب أعداد كبيرة من الشباب الذين انضموا إليها بملء إرادتهم وبحماس كبير.

 

  وباعتراف الذين استجوبوا فإنهم أكدوا بأنهم قد اكتشفوا جمال ومذاق ذواتهم لأول مرة في حياتهم وانقلبت هذه الحياةمن رحلة وجودية مليئة بالملل والضياع والعبث إلي رحلة وجدانية ذهنية رفيعة وسعيدة ومبدعة.

 

عندما سئل هؤلاء الشباب عن السبب في اكتساب هذه المشاعر الإيجابية كان جواب بعضهم بأنهم لأول مرة شعروا بأنهم يعيشون و يمارسون الحياة بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها عن بعد والتفرج علي نهرها المتدفق. هناك فرق هائل بين أن يلمس الشباب الأدوات الموسيقية بيدهم ويحتضونها بحنان لتنطق ألحاناً تعبر عن أحاسيسهم وأشواقهم وبين أن يكونوا متلقين لألحان أفرزتها أرواح الآخرين.

 

قيمة هذه التجربة هي في دلالتين: الأولي هي أن فنزويلا بلد بترولي يحاول باصرار لافت أن يستعمل ثروته في خطوات ريادية تجعل مجتمعه ومواطنيه أكثر التصاقاً بمحاولات تحرير الإنسان من شتي أنواع العبوديات.

 

  من هذه المحاولات إخراج شبابه من نمطية الثقافة العولمية الاستهلاكية المكثفية بالتفرج البليد والتصفيق والنط الهستيري في حلبات الغناء والرياضة.. من هذا المنطلق تحتاج بلدان العرب النفطية، وعلي الأخص الخليجية، والتي ترفل في نعيم ثروة بترولية هائلة، أكبر بكثير مما لدي فنزويلا، أن تتعلم من كل تجربة تحول الثروة المادية إلي ثروة ثقافية تسمو بإنسانها.

 

أما الدلالة الثانية فهي أن نشر الثقافة الرفيعة بين المواطنين باهظة الكلفة.. ولذلك عندما تتوفر ثروة كبيرة، كما هو الحال في دول النفط، فإن اغتنام هذه الفرصة، التي قد لا تتكرر، للصرف بسخاء علي ترسيخ ممارسة الثقافة الرفيعة من قبل الشباب يصبح أولوية قصوي.

 

  ولن يكفي الاهتمام بثقافة المشاهدة في شكل مهرجانات ثقافية وسينمائية وغنائية ومسرحية يقدمها الفنانون الممارسون واختصاصيو الثقافة.. إذاً المطلوب هو ثقافة الممارسة، وهذه تحتاج أن تكون في شكل مراكز ثقافية يمارس فيها الشباب بأنفسهم، وبالطبع بدعم فني ومالي من قبل الدولة والمجتمع، أنشطة من مثل التمثيل والرسم والنحت والموسيقي والغناء والنقاشات والقراءات الأدبية والفكرية وغيرها.

 

منذ حوالي قرن كتبت الروائية الأمريكية إديث وارتون، وهي تشاهد بهلع التأثيرات السلبية للثروات الأمريكية المتزايدة علي حقوق الثقافة الرفيعة، هذا التنبيه: إن إغناء الحياة أهم بكثير من مجرد المحافظة عليها، وأن الثقافة هي أرفع بكثير من مجرد تنمية الكفاءة المالية .

 

  في دول الخليج البترولية علي الأخص هناك امكانية كارثية في أن تقود الثروة المالية الهائلة الحالية مجتمعاتنا إلي ثقافة استهلاكية حسية شهوانية بليدة.. وذلك علي حساب ثقافة السمو والشاعرية والخيال.. مقاومة هذه الإمكانية أصبحت في قلب الضرورات القصوي.

 

 

صحيفة الراية القطرية

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro