English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

القوانين تخنق الحريات والحقوق...التشريعات العمّالية نموذجاً
القسم : عام

| |
2007-09-12 10:09:20


مرحلة أمن الدولة :

منذ ما قبل الاستقلال السياسي مروراً بمرحلة أمن الدولة في السبعينيات من القرن الماضي كان الحكم يمارس وينفذ سياسة أمنية وقمعية واضحة ضد أي مطلب حقوقي أو نقابي أو سياسي، فجهاز أمن الدولة كان يحكم البلاد وليس القانون العادل، وكان الاعتقال والتعذيب والنفي والاقصاء والتهميش ومنع المواطن من فرص العمل وغيرها من تدابير ماسة بالحقوق والحريات، كان كل ذلك هو سيد الموقف في البلاد، ولذلك كان القانون وتنفيذه واحترامه غائباً، هذا إذا كان هناك قانون يضمن الحقوق والحريات، بل إن جهاز أمن الدولة في كثير من الأحيان لم يلتزم حتى بقانون تدابير أمن الدولة سيء الصيت ويتجاوز مواده القمعية في استمرار الحبس أو الاعتقال والتعذيب !.

عمالياً ونقابياً كان الحكم رافضاً لأي شكل من أشكال العمل النقابي وحق تشكيل النقابات على أسس ومعايير صحيحة من استقلالية وديمقراطية وحرية العمل والانضمام لها وأخذ دورها في الدفاع عن حقوق العمال، ولذا مارس الحكم في الحقل العمالي ذات الوسائل القمعية التي مورست في الحقول الأخرى السياسية والأهلية لمؤسسات المجتمع المدني، من اعتقال للناشطين النقابيين ورفض التعامل أو التفاوض معهم، سواء قيادات اللجنة التاسيسية لاتحاد عمال البحرين أو النقابات التي تشكلت إبان المجلس الوطني عام 1974م، والعمل على فرض لجان عمالية شكلية كاللجان المشتركة في المنشآت واللجنة العامة لعمال البحرين باعتبارها أشكالاً نقابية، وهي التي رفضت بشكل كبير من قبل المنظمات العمالية العربية والعالمية، وذلك من جراء النضالات والمواقف المبدئية التي تمسّكت بها قيادات نقابية سواء في الخارج أو الداخل ممن قرروا الانخراط في تلك اللجان الصفراء لمنع وإفشال مخططات الحكم في الاعتراف بها كنقابات .

إذن كان الصراع السياسي والعمالي يحكمه الحقل الأمني والبوليسي القمعي في تلك المرحلة ولم يكن هناك أي منطق قانوني أو تفاوضي أو توافقي بين الحكم والشعب .

 

مرحلة ما بعد التصويت على الميثاق :

بانتقال البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة بعد التصويت على الميثاق والبدء في تنفيذ سلسلة من الاجراءات الانفراجية كتبييض السجون وعودة المنفيين والعفو العام وإلغاء قانون ومحكمة أمن الدولة والاعلان عن عودة الحياة النيابية بدستور جديد كان ولا يزال مثار خلاف وعدم اعتراف به بسبب طريقة إصداره والانتقاص الكبير الذي تضمنته مواده الدستورية في سلطة نواب الشعب التشريعية والرقابية .

هذه المرحلة وإن بدأت تفاؤلية ما لبثت وتراجعت تلك الخطوات السياسية والحقوقية ولكن على أرضية سياسية جديدة، فالحكم قد استوعب اللعبة السياسية، فبدلاً من القمع المباشر الذي كان يمارس في مرحلة أمن الدولة يمكنه الآن تحقيق نفس الأهداف عن طريق القانون، وهنا خطورة اللعبة !

دستورياً تحقق هذا الهدف، فدستور 2002م نص على أن الشعب مصدر السلطات جميعاً، في حين مواده انتقصت من هذا المبدأ، فعملياً أصبح لجلالة الملك والسلطة التنفيذية السلطة الأكبر والأقوى على حساب سلطة الشعب .

وعلى الصعيد القانوني استمر تنفيذ قوانين وإصدار قوانين جديدة في ظاهرها توحي بأنها تأتي تنفيذاً لما ورد من مباديء دستورية ثابتة كتعزيز للحريات العامة والحقوق مثل حق التنظيم وحق التجمع وحق حرية الراي والاعتقاد وغيرها، لكنها تحمل في مضمونها خنقاً للحريات والحقوق، وخذ على سبيل المثال المفاصل الرئيسية في قوانين العقوبات والتجمعات والجمعيات السياسية والصحافة والجمعيات الأهلية، وهي كلها قوانين تتضمن مواد تتعارض تماماً مع المبادئ الدستورية الخاصة بالحقوق والحريات العامة بل وتتعارض مع المواثيق العالمية ذات العلاقة .

وعمالياً ونقابياً مارس الحكم ذات اللعبة القانونية بعد انتقال الصراع من الحقل الأمني المباشر إلى الحقل القانوني لتحقيق ذات الاهداف !

ولنأخذ بعض الأمثلة على هذا الصعيد، فقانون العمل في القطاع الأهلي المزمع إصداره مارس الحكم لعبة ذكية بشأنه، حيث أعلنت وزارة العمل عن تشكيل لجنة ثلاثية الأطراف من ممثلي الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال للوصول إلى توافق في مواد القانون الجديد، والذي فعلاً تحقق عبر التفاوض الثلاثي هذا، لكن ماذا حدث بعد ذلك؟

قامت الوزارة بتحويل مسودة القانون المتوافق عليه إلى مجلس التنمية الاقتصادية لينسف أغلب المواد التي توافقت عليها أطراف الإنتاج لصالح سياسة اقتصادية ليبرالية لا تضع مصالح العمال في عين اعتبارها بالشكل المتوازن مع مصالح الاستثمارات الخارجية أو أصحاب الأعمال، ليبدأ بعد ذلك الصراع الجديد الذي يحقق الهدف القديم في انتقاص حقوق العمال، وهذا الصراع الجديد القديم يتمثل في أن على العمال ونقاباتهم واتحادهم النضال من أجل تعديل القانون بعد صدوره إن شاء الله، وذلك عبر الوسائل الدستورية والبرلمانية معروفة النتائج سلفاً في ظل هيمنة السلطة التنفيذية والموالين للحكم على المجلس النيابي ووجود مجلس شوري معين ينتظر إجهاض أي قانون قد يمرر من المجلس النيابي لا يخدم الحكم ومصالحه !

ولنتأمل مثالاً آخر، فقانون النقابات العمالية الذي صدر بتوافق أيضا بين طرفي الإنتاج الحكومة والعمال وتم تلغيمه بمواد ماسة بالحقوق الأصيلة للعمال كحق تشكيل النقابات في القطاع الحكومي وحق الإضراب، فماذا جرى بعد ذلك؟

الحكومة لعبت لعبتها من جديد فأمام العالم قامت الحكومة بترجمة القانون إلى اللغة الإنجليزية وحذفت من القانون المترجم الفقرة الخلافية التي فسرت من قبلها ومن قبل ديوان الخدمة المدنية بعدم أحقية تشكيل النقابات في القطاع الحكومي لتقول للمنظمات العمالية العالمية بأن قانونها ينسجم مع المعايير الدولية"، أما داخلياً فكلنا يتابع مدى المضايقات الحكومية التي تمارس بحق النقابيين في القطاع الحكومي وبالأخص النقابية نجية عبالغفار نائبة رئيس نقابة البريد التي تقف بشجاعة وبطولة أمام التهديدات الرسمية لها، وهاهي الحكومة عبر لسانها وزير العمل تكرر ذات الاسطوانة سواء إعلامياً للرأي العام المحلي أو رسمياً كخطابات لمنظمة العمل الدولية رداً على الشكوى المرفوعة ضد حكومة البحرين في هذه القضية من قبل الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، وهذه الاسطوانة هي بأن هناك قنوات دستورية هي التي تمتلك صلاحية تغيير وتعديل القوانين، وعلى العمال أن يتوجهوا إليها لتحقيق مطالبهم في تعديل مواد القانون حتى يسمح لهم بتشكيل النقابات في القطاع الحكومي !

ظاهرياً تبدو اللعبة غير مقصودة، لكن عند تتبع الخيوط تنكشف النوايا!، فلماذا حذفت الفقرة الخلافية في الترجمة الإنجليزية من القانون؟، ولماذا لم تحاول وزارة العمل إقناع ديوان الخدمة المدنية بأن ديباجة القانون وكل مواده تؤكد على حق التشكيل النقابي لجميع القطاعات دون تمييز،، ولماذا وافقت الحكومة على تعميم الديوان؟، ولماذا لم تعلن وزارة العمل قبل إصدار القانون عن هذه القضية الخلافية، فضلاً عن عشرات الأسئلة الأخرى التي تصب في التشكيك بنوايا الحكم؟

ولتأكيد هذا الطرح فلنتأمل ممارسةً حكوميةً ثالثةً تثبت صحة فرضياتنا بأن اللعبة الجديدة القديمة هي الملعب التي تحاول الحكومة جر الحركة العمالية إليه، فأساساً عبث نواب مجلس عام 2002م بهذا الحق كنوع من المزايدات التي كانوا يمارسونها، حيث بادر بعضهم بتقديم مشروع تعديل قانون النقابات التزاماً بما تقوله وزارة العمل بأن القنوات الدستورية هي الكفيلة بحل المختلف عليها من قوانين، لكن ماذا جرى عندما رفع مقترح التعديل للحكومة؟

الفقرة الخلافية بقيت كما هي في المادة العاشرة من القانون، وهي لبّ الخلاف وسبب تقديم مقترح تعديل القانون لدرجة أن البعض كان يقترح فقط إلغاء هذه الفقرة (( ويكون للعاملين بأنظمة الخدمة المدنية حق الانضمام إليها – أي إلى النقابات))، ورغم  تشكيك العمال واتحادهم في اللعبة التي نفذها هؤلاء النواب، وتحفّظهم على فكرة تعديل القانون من خلال مجلس نيابي لا حول له ولا قوة، وخوفهم من إقدام السلطة التنفيذية على تنفيذ تعديلات أخرى تنتقص من حقوق العمال، وهذا ما تحقق فعلاً، فالنواب رفعوا مقترحهم بحذف الفقرة الخلافية غير أن الحكومة أرسلت للنواب التعديل المقترح مرفقاً بخطاب ينصح بتأجيل هذا التعديل، فرضخ النواب للنصيحة وتنازلوا عن مقترحهم ،عجبي!!، وقامت الحكومة بخطوة استباقية حيث طرحت مشروعاً بتعديل قانون النقابات وبصفة الاستعجال دون أن يكون في المشروع أي حذف للفقرة وعمدت إلى تنفيذ تعديلات أخرى خطيرة تمسّ مستقبل الحركة النقابية وقوتها ووحدتها، حيث تم تعديل مسمى الاتحاد إلى الاتحاد النقابي وسمح للتعددية النقابية وحق تشكيل أكثر من اتحاد عمالي، والأخطر في التعديلات هذه بأن تم تعديل  المادة (21) من القانون والخاصة بحق الإضراب ليعطي رئيس الوزراء حق إصدار قرار بتحديد المرافق الحيوية التي تمنع فيها الإضراب، بعد أن كان في القانون الأصلي هذا التحديد منصوصاً عليه في القانون، الأمر الذي يعني انقضاض السلطة التنفيذية ورئيسها على صلاحيات السلطة التشريعية من جهة، وعلى حق العمال في الإضراب وفي المرافق التي حددت بقانون، فإذن بالتعديلات يتحول إلى قرار يُمكّن الحكومة من إضافة مرافق جديدة يمنع فيها الإضراب، وهذا ما تحقق فعلاً، حيث أضيفت مرافق جديدة يمنع فيها الإضراب كالصيدليات والمراكز الصحية ووسائل نقل الأشخاص والبضائع والمخابز والمؤسسات التعليمية ومنشآت النفط والغاز، إضافة إلى المرافق التي كانت موجودة في القانون قبل التعديل الحكومي، كالأمن والدفاع المدني والمطارات والموانيء والمستشفيات والاتصالات السلكية واللاسلكية والكهرباء والماء، فماذا بقى إذن غير أن يقوم العمال بالإضراب في البحر !

وهكذا تنكشف اللعبة مرة أخرى، فعبر القانون يواصل الحكم تقليص صلاحيات السلطة التشريعية رغم دستوره الذي قلّص أصلاً من هذه الصلاحيات ولكن يبدو أن الحكم  لم يكتف بذلك ويريد المزيد من احتكار السلطة .

ولنأخذ مثالاً أخيراً يؤكد فرضياتنا ويحولها إلى حقائق فاقعة؛ قانون التأمين ضد التعطل الذي أثير حوله الكثير من الحوار والنقد والاختلاف، وبالأخص  نسبة الاستقطاع من رواتب العمال، ودون الدخول في تلك الاختلافات نشير فقط إلى المادة الثامنة من القانون الفقرة (هـ) التي تعطي لمجلس الوزراء الحق بإصدار قرار بزيادة نسب الاشتراكات المنصوص عليها في المادة السادسة من القانون إذا تبين أن هناك عجزاً في الحساب، ووفقاً لتقرير الخبير الاكتواري وبناءً على طلب من الوزير .

تأملوا هذا النص القانوني الذي سحب صلاحيات التشريع من السلطة التشريعية في أحد أهم المواد القانونية بل المادة المفصلية فيه والخاصة بزيادة نسب الاشتراكات، حيث لمجلس الوزراء حق زيادتها دون الرجوع إلى مجلس إدارة الصندوق بل بطلب من الوزير وباقتراح الخبير الاكتواري، فأين دور مجلس النواب في مصير ومستقبل العاملين إذا ما تم إعطاء مجلس الوزراء حق زيادة النسب؟ ويبدو أن المواد القانونية الشكلية والاجرائية فقط من اختصاصات مجلس النواب، أما المفاصل فقد لعب الحكم لعبته القانونية بأن ضمّها لسلطته التنفيذية .

وكالعادة فإن لسان حال الحكومة عبر وزيرها يكرر ذات الاسطوانه بأن هناك قنوات دستورية على المحتجين والمعارضين للقانون اللجوء إليها لتعديل القانون، إنها اللعبة الجديدة، وإنه الملعب السياسي الجديد للحكم، ملعب القانون وترويضه لتحقيق ذات الأهداف القديمة التي نفذت إبان مرحلة أمن الدولة، أهداف خنق الحريات والتراجع عن الحقوق واحتكار السلطة وتقليص صلاحيات السلطة التشريعية .

 

نشرة الديمقراطي - العدد 40-أغسطس 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro