English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أولمبياد الرياضيات في فيتنام يكشف عورة التعليم في البلاد العربية
القسم : عام

| |
2007-09-06 10:37:20


 

 

 

نظمت فيتنام مسابقة الأولمبياد الثامن والأربعون بمشاركة ثلاث وتسعون دولة، ضمنها دولتين عربيتين فقط، المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية .

 

فازت بهذه المسابقة ، حاصدة الميداليات الذهبية، جمهورية روسيا الاتحادية بـ 184 نقطة من أصل  252 نقطة تاركة كل من أمريكا واليابان وألمانيا خلفها بفارق كبير، وتحتل المرتبة الثانية والثالثة كل من الصين وفيتنام .

 

نعلم بأن هذه المسابقة لها مجموعة من الأهداف والغايات لتحققها أهمها الوقوف على مستوى وقدرات طلاب البلاد مقارنة بباقي الدول، ولقياس، أو لنقل لإعطاء مؤشر، قوة ومتانة النظام التربوي في كل بلد من البلدان المشاركة في هذه المسابقة في مادة الرياضيات، خاصة حين نعلم بأن هذه المادة يمكن أن تترك أثراً ذات دلالة واضحة لقوة الطلبة وتمكنهم واستعدادهم في المستقبل للخوض في غمار الحياة .

 

على الرغم من تواضع نتيجة العرب (المغرب والسعودية) إلا إنه يحسب لهما أن شاركتا في هذه المسابقة الدولية من أجل تقويم الوضع التعليمي ودراسته بشكل مستفيض للمضي في التجديد والتطوير، من أجل مقارعة الغرب في جميع جوانبه بعقول شبابنا وبقدرات وطاقاتهم، ولكن لا يتأتى ذلك إلا من خلال الجهد الكبير الذي يقوم به الشباب ودورنا كتربويين وأصحاب قرار وراسمين ومخططين لهم مستقبلهم لنمدهم بالقدرات ونوجههم ونؤهلهم لذلك فإننا نتحمل العبء الكبير في هذا الإخفاق .

 

لا نجد مبرراً يعيق عشرون دولة عربية من المشاركة في هذه المسابقة الدولية، التي لا تحتاج إلى تصفيات أولية للدخول فيها كما هو حاصل في لعبة كرة القدم التي يصرف عليها الشيء الكثير، فلماذا لم تشارك دول مجلس التعاون، ألا تعتبر نفسها (دول مجلس التعاون) من الدول التي ركبت قطار التطور في التعليم، وتهتم بجودة الخدمات التعليمية؟ لماذا لم تشارك مملكة البحرين في هذا المسابقة؟ خاصة حين نعلم بأن البحرين سباقة في هذا المضمار. سؤال نوجهه إلى وزارة التربية والتعليم في البحرين نأمل أن يكون لديها المبررات التي حالت دون المشاركة .

 

لقد أثارت إذاعة بي بي سي (B.B.C) الموضوع ذاته وبكل شجونه الكبيرة، ألا وهو مستوى التعليم في البلاد العربية، ليصب المشاركين غضبهم على المناهج، الكتاب، المعلم، طرائق التدريس والبيئة التعليمية؛ وهذه كلها أمور مهمة بالتأكيد يعاني منها نظامنا التعليمية بشكل كبير ومؤثر، ونحن بحاجة ملحة للتصدي لها بشكل علمي ومدروس .

ولكن هل المجتمع بريء من مما هو حاصل لتعليمنا. تدني مستوى التعليم في البلاد العربية؟

 

نتائج أولمبياد الرياضيات الأخيرة (يوليو 2007م) لها دلالتها الواقعية لتعكس لنا حقيقة مستوى التعليم، نتائج متدهورة متأخرة كثيراً عن الركب العالمي (روسيا 184 نقطة، والسعودية 5 نقاط) حيث المملكة العربية السعودية بما تملكه من إمكانيات هائلة وقدرات تربوية عظيمة تقبع في ذيل القائمة بترتيب  92 .

 

نعلم بما تقدمه السعودية من دعم سخي للعملية التعليمية التعلمية؛ من أجل رفعة وتقدم التعليم هناك ومع ذلك لم تتمكن من تقويم المعادلة لصالح طلابها، وكما هو واضح بأن الأمر لا يتطلب إمكانيات فقط، فالأمر ينتابه العديد من النواقص والسلبيات وبحاجة إلى خطوات تصحيحية كبيرة من أجل صناعة إنسان سعودي (عربي) يتمتع بقدرات خلاقة يستطيع الخوض في غمار المنافسات الدولية في شتى العلوم والمعارف ومتسلح بمعلومات ومهارات وسلوكيات تعكس حضارتنا العريقة لتتناسب ومعطيات هذا القرن .

 

إنها فالفعل لطمة قوية في وجه الدول العربية كافة المشاركة أو المتفرجة من بعيد لعجزها عن المشاركة وخوفها من المساهمة فيها، وبحصول المغرب والسعودية على هذه النتائج المخيبة للآمال ( السعودية 2% والمغرب 5%) لا يمكننا أن نبرر هذه النتيجة إلا بضعف مخرجات نظامنا التعليمي وعجزه من مد شبابنا بقدرات وطاقات ذهنية مناسبة لتتعامل مع كل المتغيرات التي تواجهه مستقبلاً .

 

الاهتمام الكبير الذي انصب على منتخب السعودية وهو يخوض غمار المنافسة الكروية الأسيوية، وما تلاها من خيبة الحصول على البطولة، رغم حصول المنتخب السعودي على المركز الثاني والميدالية الفضية، إلا أنه سنجد الإعلام السعودي يعك في الموضوع حتى التصفيات القادمة للبطولة نفسها، من أجل تحقيق ما عجز عنه هذه المرة، وهذا هو المطلوب والشرعي في أي عمل كان ، فأي إخفاق كان بحاجة للتنبه له والعمل بكل الطاقات من أجل علاج النواقص .

 

وفي المقابل سوف لن نجد الهمم عالية فيما يخص التعليم، فإن المملكة خرجت بخمسة بالمائة فقط في هذا الصرح الدولي الكبير (أولمبياد الرياضيات) دون أن نجد الإعلام والمجتمع والطاقات المجتمعية العديدة لتحرك ساكناً، ألم أقل أن التأخر في التعليم يتحمله المجتمع، أين نحن كمجتمع من هذه النتيجة المخيبة؟

 

هذا هو الفارق الكبير بيننا وبينهم (كوريا، أمريكا سنغافورا اليابان..) يضعون كل شيء في نصابه، التعليم هو مصدر القوة، ويعملون على هذا الأساس، في ساحات المدارس، وفي حجرات الدراسة يمكن أن تفرخ الطاقات الشبابية في العديد من الأنشطة والفعاليات بما فيها الأنشطة الرياضية، فقط بحاجة إلى الشفافية في تناول الأمور ومصداقية في حلها ونزاهة في كشف المعضلات لنتمكن من وضع الخطط المناسبة لكل كبوة من أجل المصلحة الوطنية، عندها لا يمكن أن نجد أنفسنا في ذيل قائمة أي منافسة من المنافسات، العلمية والثقافية والرياضية .

 

إن علاج هذه المعضلة العويصة ليس بحاجة إلى تسريح مدرب أو لوم جهة من الجهات، لكان الأمر أسهل مما نتصور، ولكن الأمر بحاجة إلى عمل قوي يبذل من أجل النهوض بهذه الأمة، وسوف لن نجد أفضل من التركيز على التعليم بشكل قوي للمضي قدماً نحو الرقي والتقدم .

 

في ورشة التعليم والتدريب التي نظمها المجلس الاقتصادي الأعلى تحت إشراف مباشر من لدن صاحب السمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الأمين في نهاية عام 2005م تم التطرق إلى مجموعة من الإحصائيات تتعلق بمادة الرياضيات، منها اختبارات التيمز (Timss) وتم الإشارة إلى مدى الإخفاق الكبير لطلبتنا في هذه المادة، وكذلك إخفاق نسبة كبيرة من طلبتنا في مواصلة الدراسة الجامعية !!

 

مرت كل هذه الفترة، ماذا قدمنا لطلبتنا لكي يتمكنوا، حقيقة، في هذه المادة؟ لا شيء، وإن كانت هناك محاولات إلا إنها غير كافية ولا تلبي الغرض، النتائج، لا ليست وحدها تعكس قدرات طلبتنا، فلنكن صريحين مع أنفسنا، إن مستوى الرياضيات في عموم المنطقة العربية ضعيف جداً وسوف يتطلب زمناً وجهداً أقوى من أجل تصحيح الأوضاع .

أما بالنسبة إلى إخفاق طلبتنا في الجامعة نسأل: ماذا قدمنا لحل هذه المشكلة؟ وهل أنجزت دراسة تقيميه لهذه المشكلة؟ لا أعتقد ذلك .

 

من خلال متابعاتنا لنتائج خريجي الفرع التجاري في التعليم الثانوي والذين التحقوا بالجامعة وتخصصوا محاسبة على حد التحديد نجدهم يخفقون بشكل كبير، أو يعانون الجهد مضاعف من أجل الخروج بسلام في مادة الرياضيات بالذات، وتكون قدرة طلبة خريجي الفرع العلمي في التعليم الثانوي أكثر نجاعة وسهولة ويسر في ذات التخصص (المحاسبة) من نظرائهم في التخصص التجاري. ماذا يعني ذلك؟

 

أعتقد أنه يعطي دلالة واضحة بأننا لا نؤهل طلبتنا بشكل صحيح في تخصصهم بل نعطيهم قدراً من المعلومات في ظاهرها جيد وفي حقيقتها ضعيفة مبنية على الحفظ والتلقين، مما يعني إننا بحاجة إلى إعادة نظر في مجمل ما يقدم للطلبة بناءاً على المتطلبات الجامعية .

 

يفترض أن يكون الطالب الذي تخرج من التخصص التجاري أكثر قدرة على مواصلة الدراسة في تخصصه وإلا فإن المشكلة تكمن في النظام التعليمي ولا يتحمله الطالب .

وعندما نتكلم عن مقرر بعينه في هذا التخصص نجده يعتمد بشكل كبير على مادة الرياضيات، التي تقدم للطلاب العلمي في المرحلة النهائية (التكامل 317) وهو غير موجود بشكل كاف في التخصص التجاري، وقس على ذلك في العديد من المقررات، علاوة على اللغة، فالمادة المقررة في المدارس الحكومية، تعتمد في تدريسها على اللغة العربية بينما في الجامعة تقدم جميع العلوم والمعارف باللغة الإنجليزية وبالتالي يواجه الطالب المشكلة مزدوجة اللغة والمادة، والطامة الكبرى التأهيل الضعيف الذي يصاحب الطالب وهم مقدمين على الحياة الجامعية، هذه لب المشكلة .

 

تعليم قائم على الحفظ والتلقين لا يمكن أن يعطي نتائج ذات جودة ولا يصنع إنسان يستطيع التعامل مع المتطلبات التي تواجهه في الحياة فهو موضوع على سكة محددة حذاري من الخروج منها خاصة حين نعلم بأن التأهيل المناسب أساساً يعتمد على التحليل والتركيب والتقويم والتفكير الناقد، وهذه كلها مفقودة أو لا نعالجها إلا من بعيد. فعندما نتصفح الكتب الدراسية نجدها خلاف واقعنا المعاش، وضعت استناداً على أسس متينة ومهتمة بالعناصر المذكورة (التفكير الناقد) في ناحيته النظرية فقط، إذن ما المشكلة؟ الخروج من التنظير إلى الواقع العملي في المدارس لنقف على واقع طلبتنا بعيداً عن درجاتهم .

 

نعتقد أنه هناك قضية جوهرية يجب الالتفات إليها والتركيز عليها بشكل مناسب ألا وهي: أن البحث عن قدرات وصقل مواهب لا يأتي إلا من خلال التدريب المستمر والصبر الطويل والمعاناة، وهذا يتناقض مع سهولة الحصول على نتائج مرتفعة تقترب إلى 100%  في معظم المراحل التعليمية، تناقض واضح بالتأكيد !!

نقص نسبة النجاح تعني ضعيف أكيد، وبذلك نحن بحاجة إلى وضع علاج لهذا الضعف، نرفع النسبة، نقترب من 100%، ضعف مستقبلي نتيجة لعدم تأهيل الطلبة  للمراحل المتلاحقة، أذن نحن بحاجة إلى دعم ومساندة، هذه الصورة لا تكتمل إلا حين تكون طبيعية خارج التدخلات الإرادية في النتائج .

 

نبحث في جميع الأوجه إلا الطالب، دافعيته، رغبته، خوفه من الرسوب، كل ذلك بعيداً عن مدارسنا والسبب وجود عبارة (ناجح لرسوبه)، نعم نجدها في شهادات الطلبة، فهل بعد ذلك نبحث عن الموهبة، القدرة الخلاقة، التفوق الإبداع!!، نحن بحاجة إلى نتائج حقيقية تناغم واقعنا، دون أن نقتنع بالحد الأدنى للنجاح، لا نود أن نكون متشائمين كثيراً ولكننا نجد بعض الطلبة في المرحلة الإعدادية وهم يعانون في اللغة العربية، شبه أميون، لا يجيدون الكتابة والقراءة، كيف وصلوا إلى هذه المرحلة وهم بهذه الحالة الإجابة عند مدراء المدارس !!

 

إذن القضية الأولى التي يجب أن توضع في الحسبان تتمثل في التركيز على عطاء المعلم داخل الفصل وعلى طرائق التدريس معتمدين على النواحي العملية في جميع المواد دون النظر إلى النتائج، فهي ستأتي لا محالة، فحين يشعر الطالب بأن الباب موصداً أمامه وعليه أن يمد يديه بمقدار ذراعه من أجل فتح الباب، فلندعه يحاول وإلا نتركه خلف الباب، هكذا عقول أطفالنا موصدة فقط بحاجة لمن يفكها بشكل صحيح لينفض عنها الصدى، بعد ذلك ستتحرر وتنطلق، فالعقل بحاجة إلى تدريب ولا يوجد عسير على عقل الإنسان وخاصة حين نتكلم عن القدرات العقلية لدى الناشئة فإنها طرية قابلة للتدريب لتعطي إنتاجاً لا يمكن أن نتصوره فهو في غاية القوة والجمال .

 

ولا يمكن أن يكون ذلك إلا من خلال الدراسة والتعب والجهد المبذول داخل حجرة الدراسة وفي البيت على حد سواء، لا ليس في المعاهد أوفي الدروس الخصوصية التي نجد إعلاناتها ( ثلاث ساعات كافية للنجاح) نحن نجعلهم صادقون في إعلاناتهم وبالتالي يثق الطالب فيهم لان الوزارة بامتحاناتها هي التي جعلت مصداقيتهم كبيرة، وكذلك طريقة التدريس، واعتماد قوالب محددة لامتحاناتنا جعلتهم يكتبون تلك الإعلانات ويثق فيها الطالب وولي الأمر، ولها خطورة كبيرة خلال العام الدراسي، فالنجاح هدف الطالب وسيحصل عليه بأيسر الطرق وإن أثقل ذلك جيب ولي الأمر .

 

إن خوف وزارة التربية والتعليم من وضع أسئلة تحاكي عقول الطلبة يكمن في ارتفاع نسبة الرسوب وبالتالي ارتفاع ميزانية العام الدراسي الذي يليه وهذا الخوف هو الذي يراكم الضعف سنة بعد سنة، فالمنحنى يتجه نحو الهبوط عاماً بعد عام .

فلا يغرنك ارتفاع النسب في نتائج الثانوية فإن الهوة كبيرة في مستوى الطالب وما يملكه من درجات، وأكبر دليل على ذلك ما أصاب المجتمع ككل في امتحان القدرات العام الماضي ما بينته من هشاشة قدرات طلبتنا، وهي لا تختلف عن نتائج السعودية في أولمبياد الرياضيات .

 

الحل ممكن فقط حين يصل الوعي بالمجتمع وأولياء الأمور للمطالبة بمشاركتهم مشاركة فاعلة مع وزارة التربية والتعليم في العديد من المجالات وكذلك حين يسأل ولي أمر الطالب عن قدرات أبنه وليس عن نسبة نجاحه فقط .

 

نشرة الديمقراطي - العدد 40 - أغسطس 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro