English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الوعي ... بقدر ما استطعت
القسم : عام

| |
2007-09-06 10:33:11


 

2blog_author75crop.jpg

 

عندما سألوا الشهيد عبد الخالق محجوب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، أثناء محاكمته الشهيرة، وبالطبع قبل إعدامه مطلع السبعينات: ماذا قدمت لشعبك...؟، أجاب في هدوء، وباختزال شديد: "الوعي .. بقدر ما استطعت ".

  وبحسب الصحافيين الذين حضروا الجلسة الأولى من محاكمته: انه "كسب تلك الجولة دون منازع، فكان هو القاضي ...  وكتبوا: طُرنا, وأصدروا عليه الحكم بالإعدام وهم يرتجفون ".

نعم، قدم محجوب "الوعي بقدر ما استطاع" وكان لا يملك سلاحاً أقوى منه، تلك إجابة عميقة، ليست بعمق مأساة الشعب السوداني مع التخلف ونظامه الاستبدادي فحسب، بل عميقة  بعمق آلام جل الشعوب والأنظمة العربية التي تخاف الوعي، وتخشى الثقافة الديمقراطية والتعددية، وترتجف من ثقافة المواطنة والعلمانية، فتنصب لهذا الوعي .. المشانق، تارة باسم الدين، وتارة أخرى باسم حكامنا الذين يعتبرون أنفسهم امتداداً "لظل الله في الأرض"، وكأنهم ثلثين من إله وثلث من بشر !!.

الوعي إذاً، لماذا يخافونه في كل زمان ومكان، ويكون مروجوه وناشروه ضحايا في أغلب الأوقات والأمكنة، بينما العالم يتخلق عبره، ومن خلال أسئلته التي تهتم بالمصلحة العامة؟؟ .

" القلوب شواهد"، وفق التعبير السوداني الجميل، فعندهم، ما عندنا؛ والمفصل هنا وهناك تلك التناقضات الكريهة بين: الثروة والبؤس!، لتغدو الأمة: أمتين، والعالم العربي: عالمين عربيين، يعيش أحدهما مبتعداً عن الآخر بفوارقه الطبقية والاجتماعية، ثم الوطن الواحد يصير: وطنين أو أكثر، بحسب الكم الهائل لطوائفه وأعراقه، فيستبدل التناقض بين طبقاته الاجتماعية، إلى تناحر بين طوائفه؛ ولا أحد يسأل كيف، وماذا كان، وكيف كان، ولماذا لم يكن غير ذلك؟ !.

  العالم دائما يتخلق عبر الأسئلة والهموم التي نعيشها، الأسئلة دائما تكون بداية للإدراك والوعي ، وهي دائماً مهمة، حتى وإن كانت عفوية أو مصحوبة بالشكوك والتشكيك، أو بقضم الأسنان !!. 

أعجبتني "مراجعة للمنظومات السياسية" كتبها كاتب عراقي قبل سنوات، اسمه صائب خليل تحت عنوان: "كيف اقتنعتم؟!"، فيها من الفلسفة والسياسة وعلم الكلام وشيء كثير من إعمال العقل، حيث يقول: إن(كان مبدأ "الجشع سيد الأخلاق" قد أوصل العالم إلى هذه الهاوية, فعلينا استبداله بمبدأ أكثر حضارية مثل "العدل والمشاركة" في كل شيء. فمثلما كانت الديمقراطية هي "مشاركة" السلطة السياسية, مقابل الدكتاتورية السياسية, فإن الاشتراكية هي المشاركة الاقتصادية مقابل الرأسمالية، ومقابل نداء الدكتاتورية والرأسمالية "كل شيء لي" يكون نداء الديمقراطية والاشتراكية: "كل شيء للجميع". الديمقراطية والاشتراكية تنسجم في مبدئهما مثلما تنسجم الرأسمالية والدكتاتورية في مبدئهما. الأولى تتميز بالأنانية وبقصر نظر وراثي, يتمثل في الهدف إلى الربح السريع, في حين تتميز الثانية بالاهتمام بالمجتمع والمستقبل والبناء له. لكن العالم سار في تجربة مقلوبة. إذ كان لدينا مشاركة في السياسة ودكتاتورية في المال من جهة (الرأسمالية الديمقراطية) ومشاركة في المال مع دكتاتورية في السياسة من جهة أخرى في الدول الاشتراكية. لقد استخدمت الرأسمالية هذه الحالة النشاز لكي توهمنا أن الديمقراطية مرادف منطقي لها, وبالتالي فإن البديل الوحيد لها هو الخيار المخيف: الدكتاتورية .

إن التناقض الداخلي لكل من هاتين المنظومتين: دكتاتورية السياسة مع اشتراكية المال في الدول الاشتراكية, ودكتاتورية المال مع اشتراكية السياسة في الرأسمالية الديمقراطية, يجعلهما غير مستقرتين, ومهددتين بالسقوط إلى وضع منسجم ومستقر في الأسفل: إلى الدكتاتورية الرأسمالية. لقد أدى قانون الجاذبية هذا إلى سقوط المنظومة الاشتراكية الدكتاتورية إلى شكل يقارب دكتاتورية المال والسلطة السياسية, وتتجه المنظومة الثانية إلى نفس الاتجاه؛ فبالإضافة إلى نشاط عسكري عالمي محموم, تستبدل بوتائر عالية, وبحجة محاربة الإرهاب, القوانين الديمقراطية بأخرى اقرب ما تكون إلى قوانين الدولة البوليسية, وتنهض حملة عالمية لجمع كل المعلومات الممكنة عن الناس في كل بلد, والتجسس حتى على ما يقرأ الناس في المكتبات العامة, في دول عرفت بتأريخ طويل من الديمقراطية السياسية والحريات العامة .)

تعالوا نتساءل: لماذا دائماً ما يستهدف أصحاب الأفكار الإنسانية، والمبادئ  ذات القوة المغنطيسية، حتى وإن كانت أحلامهم طوباوية حول التنظيم السياسي والاجتماعي لخلق "جنة على الأرض لجميع البشر"؟ !.

ما لغز هؤلاء، ومن غير الوعي يكشف السر، في هذا الاستهداف اللا متناهي؟ .

كريستوفر كولمبوس كتب في إحدى خطاباته ( 1503) عندما اكتشف أميركا: "الذهب شيء مدهش، فمن يستحوذ عليه يصبح سيد كل شي وله كل ما يريد، والذهب يمكن أن يفتح للأرواح طريقاً إلى الجنة ".

اكتشف كولمبوس أميركا، بيد إنه لم يستطع اكتشاف لغز القوة السحرية للذهب، تماماً مثل الذين سبقوه. إذاً،  بماذا يفسر الجبروت الذي لا حد له لهذا المعدن الأصفر؟ .

وحده العلم الحقيقي، الذي يدرس المجتمع الإنساني استطاع أن يجيب على هذا السؤال، فتبيّن أن جبروت الذهب مبني على ذلك الدور الذي يلعبه في المجتمع، حيث تسود الملكية الخاصة، وفي ظل الرأسمالية يظل الذهب سلطاناً لا حدود له على الناس أجمعين، فسرُه، ليس في خصائص طبيعية لهذا المعدن، فالذهب لا يعد نقوداً بطبيعته الذاتية، ولكنه يصبح نقوداً، فقط في مرحلة التطور الاجتماعي، تماماً كما كانت الماشية والملح والفراء وغيرها من الأدوات المختلفة تستخدم كنقود في المراحل التاريخية المبكرة .

سؤال آخر، ما سر وجود فقراء وأغنياء في هذا العالم، ولماذا الأغنياء قلة والفقراء دائماً يشكلون الغالبية العظمى؟!. لماذا هناك فوارق بين المدينة والريف، ولماذا هناك قصور فخمة وعشش، ولماذا القصور مغطاة بالخضرة، حيث لا تمر بجانبها إلا السيارات المزهوة، بينما تزدحم الشوارع الصغيرة القذرة حيث يتكدس سكان العشش؟ !.

ربما كل واحد منا وردت في ذهنه هذه التساؤلات، وتشكلت قناعاته للفكر الذي اكتشف له لغز هذه التناقضات والتناحرات وقوانين تطورها وكيفية القضاء عليها، أو الحد منها لتحقيق العدالة الاجتماعية الموجودة في الكتب السماوية والكتب الوضعية، لكن أساليب تحقيقها لا يمكن أن يكون إلا بالكشف العظيم لقانون: فائض القيمة .. لأنه كشف بالوعي الإنساني  أخطر سر لوجود "الثروة عند القلة والبؤس عند الغالبية من الناس ".

 

نشرة الديمقراطي - العدد 40 - أغسطس 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro