English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

مريم بنت عيسى النعيمي- حياتي مجموعُ كتبٍ.. والمنفى كتابي المفتوح
القسم : عام

| |
2007-08-16 10:20:18



abdullrahman_pic11.jpg


تعلمت فك حروفِ وطأة الألم، تعلمت أن أنتزع شق الكلمة من الجرح، تعلمت كيف أقرأ الناس حين تنزع أقنعتهم، تعلمت كيف أُراكِم التجربة فأفك طلاسم الغربة.

لم تمر على تجربة فك الحروف في الصفوف التقليدية، ولم أمش راجلة كباقي بنات جيلي إلى المدرسة وأنا حاملة شنطة أحلامي، كانت أحلامي بسيطة كبساطة تجاربي حين أراها منفردة.. فكنت أحلم أن أمتطي صهوة جواد الحروف وأعتلي هضاب المعاني، لأفهم لماذا يتأبط الناس ذاك الكتاب.

بداية الولع

صدفة قادتني إلى كنز زوجي من (مجلة العربي) التي تصدر من الكويت، التي كان مخبؤها في زوايا الغرفة.. فأخذت يداي تعبث بأوراقها كلما سنحت لي الفرصة بذلك. كانت الكمية المتراكمة تزيد فضولي فلا أجد بداً من أن أقلب أوراقها بين الحين والآخر مستعينة بالصور في توضيح القصد من المقالات. تزوجت صغيرة فقد كان عمري لا يتعدى الثالثة عشرة، وكان علي أن أحفظ دوري الجديد كزوجة ابن ضمن عائلة كبيرة، وأن برنامجي الحافل بالمشاركة العائلية في ذلك البيت الكبير هو المقدس.. وأن أركن أحلامي.

وكان السؤال يتكرر على مسامعي. لماذا تحلمين أن تتعلمي فكّ الشفرات؟ ماذا ستفيدك؟ وأنت فتاة تعيش في زمن (النساء بيوتهن)، وأن طموحاتك يجب ألا تتعدى خدمة أهل الزوج وتلبية متطلباتهم، لماذا تحلمين بتصفح كل ما يقع تحت يديك؟.. هل هو وهج المعرفة؟.. أم حب العلم؟.. أم الاقتداء بزوجك؟.

وجدتُ البديل المتنقل في نصيحة زوجي الاستماع إلى المذياع وكانت إذاعة صوت العرب أحب الإذاعات. كنت أستمع إلى المذياع منذ الفجر، وأنقله في جولاتي الصباحية فيرافق سير برنامجي من طبخ وتنظيف وملاحقة مستلزمات من يعيش في ذلك البيت الكبير.. أحببت أصوات المذيعات والمذيعين وكنت أقلد طريقتهم في سرد النصائح، أو في القدرة على التواصل مع المستمعين.

كل مرحلة من مراحل حياتي كانت كتاباً في حد ذاته. ولدت في الإمارات بمنطقة الغريفة القريبة من الفجيرة وخورفكان، تلك المنطقة التي تجاورها الجبال، ويستميح البحر أن يتوسد أسفل الانحناء، ضمن هذه التركيبة البيئية الجميلة، أخذت روحي منها صفاء النية، وتعاريج طرق جبالها، فطبعت على مستقبلي حياة الغربة ومشقتها. كنت الطفلة الأخيرة بعد كوكبة من الأبناء والبنات ذهبوا جميعا مثل الحلم، تلاقطتهم الأمراض كالجدري والحصبة وبقيت أنا، وتم نذري لابن عمي (عبدالرحمن) إيمانا من الأهل أن بقيت على قيد الحياة. تعلمت في هذه الفترة أن أكتب قصتي الأولى في كتاب الزمان ومنه، كان عمل والدتي وكدحها جزءاً من سيرة قرأت منها العزم والتضحية وحب الآخرين والتفاني والاهتمام بي وبوالدي ضعيف النظر (بعد أن أصيب بالجدري)، واخذ المرض نصيبه من قدرته على إتمام مهماته في كسب العيش. كانت ساعات يومهم بثوانيها هي قوت حياتهم.. وقوت يومهم لمن يطرق بابهم، يقتسمون معه الطعام ولو على سمكة.

أمي كتابي الأول

الايجابية التي كانت تعاملني بها والدتي تعلمت منها دروسي الأولى، وقد قرأت في معاملتها العطف والحنان والحزم وعدم حمل الضغائن على احد، تعلمت حب الجميع وتحمل الجميع. كانت معلمتي الأولى والكتاب المفتوح دائما أمامي، والسند الذي لا يلين عني أبدا حتى بعد الفقد. أتذكر مفردات كلماتها في الأمل وخلود الذكرى وولادتها والصبر والسلوى وان أعيش بالعزة والإباء والعطاء والوفاء والسمو بالأخلاق فكنت مريم.

رغم كل شيء لم أكن اشعر بالحاجة أو أحب ما بيد الآخرين.. تعلمت الكرامة في عينيها.. ورغم صغر سني كنت أتقدم لاختبار مهاراتي أمامها.. كانت فترة حياتي في بيت أهلي زوَّادة لرحلتي الطويلة الشاقة مع المنفي بعد ذلك. وبعدها انتقلنا إلى منطقة أخرى ليتم زفافي على من نُذِرتُ له، وتم ذلك، وهنا تبدأ فصول كتب أخرى.. البيت الكبير.. والعائلة الممتدة.. والمهمات الجديدة.. والطموحات التي كانت تدفعني دفعا لأنالها.

حاولت من خلال أقراني من بنات العائلة بعد أن فُكَ الحضْرُ عنهم وذهبن للمدرسة أن يعلمنني فك الخط فقط لأحوّل هذه المحاولة إلى إبداع لابتلاع أسطر الكتب أو المجلات.. لكن ارتباطي المبكر ببرنامج يومي يبدأ قبل صياح الديك لإنجاز مهمات عائلة زوجي، وبين يدي طفلة لم تتجاوز الأشهر (أمل) ومكينة الخياطة التي اعتمدت عليها في تصريف احتياجاتي واحتياجات ابنتي الصغيرة نتيجة لرفضي أي مساعدة أو مساندة من أحد.. بعد أن ذهب زوجي مبكراً لإتمام دراسته الجامعية في بيروت.. كانت حلقات النساء حولي وأنا أدندن بمكينة الخياطة وأنتج أروع الملابس والاحتياجات لمن يطرق بابي كتابا آخر استجد لحاجات كنت أحب ممارستها بكرامة العيش.. كانت غرفتي (موقع الحدث) يتجمع كل إخوة عبدالرحمن الصغار ونتسامر وننام.. كان المذياع كتابي الآخر وأنيس وحدتي الدائم.. تعلمت منه بعض الإسعافات وبعض النصائح، واستمعت إلى أغنيات كنت أتغنى بها همساً بيني وبين نفسي.. (فصوت النساء عورة).. هذا ما تناقلته النسوة وتعلمناه منذ نعومة أظفارنا. كان هذا هو المتاح، وكنت أنسج منه أحلامي بغد أفضل.

الغربة كتابي المفتوح

بعدها قدر لي ولأطفالي أن نختبر الغربة فجابت أرجلنا بقاع الأرض مشارقها ومغاربها وشمالها وجنوبها نجر خلفنا أعباء الفراق.. ودموع الأحبة.. ولوعة الوجد.. وأحلام المستقبل.

كانت تراكمات تلك السنوات العجاف قادرة على شحذ همتي لأقف على بنيان مرصوص.. كنت كمن فك طلاسم الحياة وبدأ في ترتيب الكلمات لأضعها في مدونات يوقع تحتها اسمه. قرأت كل ما وقع تحت يدي ولو بأسطر قليلة فقد كانت الكتب تحيط بي من كل جانب.

بدأ زوجي بتعليمي فصول الدراسة مبتدئاً بالصف السادس الابتدائي وكنت أضحك وأقول في نفسي ما هكذا تورد الإبل.. ولكنني كنت سعيدة بهذه التجربة التي أخذت منها بعض المبادئ الأساسية.

التحقت بمحو الأمية في دول كثيرة في (حوف) المحافظة اليمنية السادسة، عندما قرر زوجي أن ألتحق بأسر المناضلين والمقاتلين العمانيين، وبعدها في (عدن) التحقت بصفوف مسائية. وفي (دمشق) أتممت فك آخر التشابكات التي كانت تطبع بتعاريجها في ذاكرتي من دون ترجمة. استطعت في تلك المرحلة مساعدة أطفالي والاستمتاع معهم في القراءة والكتابة وإتمام الواجبات المدرسية حسب وقتي المتاح.

كنت أحرص على نفض الغبار من على رفوف مكتبة زوجي التي كانت مقصد الباحثين لاحتوائها على التاريخ الناصع البياض.. أوكل إليّ حينها أن أسجل في دفترٍ خاص للاستعارة من المكتبة فأكتب اسم الكتاب ورقمه واسم المستعير وتاريخ الإعارة. هناك أشخاص مرّوا في ترحلي كانت لهم بصمة التحدي ومساندتي في تخطي سراديب الكتب منهم زوجي عبدالرحمن وليلى فخرو ونوح. ما زالتِ النفس شامخة، أجد أن لدي مكامن قوة التحدي فقد صقلتني المنافي وتعدد المشارب وكثرة المعارف والرفاق والأصدقاء والمدن.

ابنائي هم كتبي

كانوا أطفالي هم سندي في هذه الرحلة التي سرناها سوية، وكانت (أمل) قلمي الذي أزهو به وأتكلم وأرسل الرسائل.. وبعد زواجها أخذ من تبعوها من إخوتها مساندتي ومساعدتي.. كان خالد ابنا وسندا للمهمات الصعبة.. كان بإمكانه قراءة أفكاري وترجمتها وفك الأحاجي في يومياتنا.. وليد ابني الحنون الذي يبلع العلقم لكي لا أتجرعه ويبتسم ويضحك ويحمل آلامي في قلبه.. أما سلوى فتلك التي ألقيت عليها المهمة الأخيرة بكل آلامها ومشقتها وتبعاتها.. كانت ككتاب موارب أقرأ منه أحيانا بعض القرارات والإجراءات الطبية التي يمر بها (أبو أمل) ونتخذ القرارات حسب ما تصلني، ابنتي الصغرى عائشة تلك التي تقطع آلاف الكيلومترات أسبوعيا لتأتي محملة هي وزوجها وأبنائها بالشوق ورائحة الوطن والأحبة، أبنائي هم كتبي التي كتبت على محياهم وفي قلوبهم أجمل الملاحم وبأيديهم، وغلفناها هدايا للزمان، كتاب آخر مازلنا نقرأه سويا هو كتاب (الانتظار) ونقرأه بصوت عال قائلين: مازال الوقت مبكرا يا عبدالرحمن، مازالت الشمس تشق الأفق لتصل إلى صدر السماء، وقلمك لم يصدأ، وأوراقك لم تطوَ، مازالت الأماني عطره، وقصاصات أوراقك ورسائلك مخبأة في أعماق قلوبنا.. حتى رائحة أوراقك تراودنا.. ومكانك المعتاد وطقوس يومك بيننا. مازال الوقت مبكرا مازلنا نحتاجك كتابا مفتوحا بكرم المعرفة والعطاء مازلت سفن الإبحار تنتظر كلماتك.. والأماني ترافق الأطيار، والغمام يطل من نافذتك يلقي علينا بالسلام، فقد شبه له انك مثله وأنت مسترسل في نومك بأغطيتك البيضاء.. تعالى على الألم. واجمع همتك. فمازال الوقت مبكرا ومازالت الشمس تشق أفق السماء.

ما زلنا كالحجر المرصوص يزيد بعضنا بعضاً قوة وصلابة كلما هبت عليه الريح أو هاجت الأزمات.. نجد أنفسنا معاً يحب بعضنا الآخر ويخاف بعضنا على بعض ويشد الواحد منا أزر الآخر.. وأننا كتلة منيعة ضد الحزن والألم والمصائب.. وأكبر مثال ما نحن عليه الآن من التعالي على الألم وسكب الماء على النار المتأججة في صدورنا على حالك أيها الغالي (عبدالرحمن - أبو أمل).

 

صحيفة الوقت

16 اغسطس, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro