English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التاريخ حينما يكون طازجا
القسم : عام

| |
2007-08-11 10:51:55


 

ً

 a-haddad.jpg

يقال إن بعض الساسة الأجانب يعتقدون أن العرب لا يقرأون التاريخ، أو بالأحرى لا يتذكرونه، أو لا يستطيعون استنتاج العبر منه، فقد تردد أن موشيه دايان وزير الدفاع الإسرائيلي بعد انتصار الأيام الستة في 67  قال ذلك.. يبدو أن هذه القناعة لا تقتصر على بعض الأجانب وإنما تنتشر كذلك عند معظم العرب، حيث يعتقد كثيرون أن العرب لا يكتبون التاريخ ولا يقرأونه، مما يجعلهم لا يستفيدون من العبر التي مروا بها ولا من تجارب سيرورة تقدم غيرهم. ونحن قليلو القراءة أساسا، من لا يمارس القراءة من الطبيعي لا يقرأ التاريخ كتحصيل حاصل، يتجلى ذلك أكثر حينما يكون التاريخ المكتوب سحيقا وبعيد الصلة عن الواقع، وإن وجد من يقرأ التاريخ فإنه يمارسها على سبيل الطرافة والمتعة وليس على سبيل البحث والدراسة واستخلاص النتائج.  لكن حينما يكتب التاريخ عن فترة ليست بعيدة وتكاد تكون معايشة فإن القراء يكثرون وبالذات من صانعيه ومعاصريه إن كانوا ما يزالون أحياء، فالتاريخ هنا ذو طعم مختلف ودرس أعمق ويدخل ضمن محاسبة فرسانه وشخوصه الصانعين له، فيكثر الجدال والصراع حول القضايا المطروحة وتتعدد زوايا الطرح، فيدافع كل عن نفسه حتى تتجلى الحقيقة ويزول الغموض عن بعض  الأحداث والزوايا والملابسات، فيبرأ المظلوم ويعاد حق المهضوم وتزول البطولة  عن المدعي، وقد ينكر ويتبرأ خائفا أو منتفعا مما كتب إذا كان من شأنه أن يجلب ضررا أو يبعد نفعا. وتبدو تلك المواقف والصراعات اكثر وضوحا حينما يتعلق التاريخ المكتوب بالوطن حيث تنكشف مساهمات الرجال في الظروف الحالكة، ويعرف من قدم التضحيات ومن تخلى أو خان وطنه، ومن أرخ أو زيف لنفسه أو لغيره فادعى أدوارا أو خلط أوراقا، متبجحا بالأمانة التاريخية وهو أبعد الناس عنها.  إن ساحة التزوير لا تكبر كلما قل الكتبة الحقيقيون المعاصرون للأحداث الحاملين للأمانة والمسؤولية، وهم الذين يتحملون مسؤولية أولئك المزورين لأنهم سكتوا أو خافوا أو تقاعسوا عن ذكر الحقيقة فلعب بها غيرهم.   فلو لم يكتب عبدالرحمن الباكر (من البحرين إلى المنفى) عن هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينيات وكتابه (الأوضاع في البحرين) و(قضية البحرين) الذي وقعه باسم مستعار »يوسف الفلكي« فلربما شوهه كثيرون أو ضخمه كثيرون. لقد بقيت النافذة الوحيدة المشرعة من صانع الأحداث نفسه، أما بقية ما كتب عن تلك الفترة فهي قليلة جدا ومن غير الصانعين للأحداث، منها ما كتبه مؤخرا الكاتب المعروف خالد البسام عن مذكرات المناضل عبدالعزيز الشملان، وبالطبع تحوز على قيمة تاريخية، لكنها  ستختلف في قيمتها لو كتبها المناضل ذاته وبشرحه ورؤاه وعبره التي يستخلصها من التجربة سواء في ذات الفترة أو بعد حين. لهذا السبب يجهل أبناء شعب البحرين والباحثون الكثير من تاريخهم لقلة كتبة التاريخ، حيث يذوب فرسان التاريخ في زحمة الحياة وتذبل ذاكرتهم، فيكتنف الغموض فترتهم، فيبرز الشك وتتوارى الحقيقة برغم وجود معاصريها. أما اليوم فنجد محاولات كثيرة لكتابة التاريخ المعاصر ممن عاشوا المحطات المهمة، فقد كتب عبدالله مطيويع عن تاريخ الحركة العمالية وكتب علي ربيعة عن لجنة العريضة وأعرف محاولات آخرين لكتابة تاريخ انتفاضة مارس 65 وهناك آخرون كتبوا عن المحامي حميد صنقور وغيره. لكن بالتأكيد ان الإدلاء بالشهادة على التاريخ ليست مسألة بسيطة، إنها تحتاج إلى ذاكرة قوية، وقلم أمين يسجل الواقعة لحظتها، أو يتتبع الحدث من أصوله أو يحاور محدثيه بجدية علمية كي يطمئن على ما يكتب، فيساهم في إجلاء الحقيقة. وعليه أن يتوقع ولا ينزعج من عدم قبول الآخرين لروايته مهما تمتعت بالدقة والأمانة فما كتبه ليس هو الحقيقة وإنما رؤيته لها، أو زاوية من زواياها أو عدم دقة في معرفة أصولها أو عاطفة حماس داخلته، فالمؤرخ يبقى بشرا ولا يمكنه أن يحوي كل الحدث وللآخرين حق الرد عليه. من هنا نتوقع ردود فعل كثيرة على كتاب لجنة العريضة الذي نشرت الوقت بعض حلقاته، فكلما احتوى تفاصيل أكثر وتحليلا أوسع كلما احتاج المعنيون تأكيدها أو نفيها، وبالتأكيد هناك فرق بين المعلومة وبين قراءتها. وهو ما حدث بالفعل بعد قراءة فوزية مطر والشيخ عبداللطيف المحمود والمهندس عبدالنبي العكري للحلقات المنشورة. إنه حقهم الطبيعي في التعليق وحق غيرهم في معرفة رأيهم فيما كتب حولهم.


صحيفة الأيام

11 اغسطس, 2007

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro