English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الخلاف بين البيت الديني
القسم : عام

| |
2007-08-10 12:46:07


 

 

janahi.jpg


أعتقد أن الخلاف الأساسي بدأ لحظة إعلان النتيجة في السقيفة بعد وفاة الرسول الكريم حينما تم اختيار عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة للمسلمين، وبالتالي فان جوهر الخلاف هو سياسي تم تغليفه بالدين ثم تحول تدريجيا إلى تعصب مذهبي.

إن هذا الخلاف الذي امتد فيما بعد إلى جميع المذاهب وفي الطائفة الواحدة أي بين السلف والأصوليين وباقي المدارس الإسلامية السنية وكذلك بين المذاهب والمرجعيات الشيعية أصبح يحيطه جدار من العصبوية التي تعمي مريدين كل مذهب من الانفتاح أو اعتبار فرقتهم تحمل جزء من الحقيقة وليست كل الحقيقة، بل وتحول الأمر إلى أن من لا يشاركهم مذهبهم فهم خارج ملة الإسلام.

لقد تكون عند كل مذهب وفريق ما يسمى باللاشعور الجمعي تم توريثه من جيل لآخر وحسب رؤية المفكر محمد عابد الجابري فان هذا اللاشعور ترافق معه اللاشعور السياسي الذي هو عبارة عن بنية قوامها علاقات مادية جمعية تمارس على الأفراد والجماعات ضغطا لا يقاوم، علاقات شبيهة بالعلاقات القبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية بل والحزبية الضيقة التي تستمد قوتها المادية الضاغطة القسرية مما تقيمه من روابط بين الناس تعزز النعرة والتناصر من جهة والفرقة والتنافر بل والأحقاد بين الفرق والمذاهب من جهة ثانية.

إن هذه النعرة والتعصب تبقى نشطة في صفوف كيان هذه الجماعات حتى ولو تغيرت الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية.

ولذا إذا ما جاءت هذه الكيانات المذهبية إلى فضاء السياسة بدأت تمارس السياسة باسم الدين كله باعتبار هي تملك حقيقة الدين.

وأضيف في هذا المقام بعد آخر يتمثل في أن كل جماعة تخلق لنفسها مخيالا اجتماعيا وفكريا وحسب الجابري أيضا فان كل جماعة تقدم لنفسها رؤيتها للآخرين من خلال الصورة التي تكونها لنفسها ومن خلال هذا المخيال تصدر أحكامها على الآخر، سواء حكم الكفر أو الإيمان.

وليتحول كل ذلك إلى مخيال جمعي لكل فريق يحاول أن يبحث في التاريخ العربي الإسلامي عن رأسمال نضالي وجهادي وفقهي وشخصيات وبطولات وأنواع من المعاناة.

إن هذه الحالة التي تتكون منها الجماعات المذهبية من الطبيعي أن لا يكون للنظام أو العقل المعرفي تأثير يذكر فيما بينهم حتى يتم التنازل أو قراءة تاريخية للمذهب ولاجتهادات الفقهاء الأوائل ويصبح هناك انفصال بين العقل السياسي الذي يمارس من خلاله الفريق وبين النظام المعرفي، إن هذا لا يعني بان الفعل السياسي لدى هذه الجماعات لا يمارس ضمن عقل معرفي معين بل بالعكس ولكنه لا يتقيد بنظام معرفي واحد بل يمارس السياسة ويوظف ما يناسب قضيته ويخدم قناعاته ولذا نشاهد كل هذه الجماعات توظف الدين والنص القرآني بل والعرفان والخرافات وكذلك العقل العلمي والفلسفي من استقراء واستنتاج كل حسب الحالة ، أي لكل مقام مقال والهدف هو الإقناع للغير وهي تمارس ذلك تزداد قناعة بنفسها وبقضيتها وبمذهبها وفريقها.

أنها وهي تفعل ذلك تتناسى تدريجيا بان أصولها التي تنطلق منها كانت بشرية اجتهادية فتتحول إلى مقدسات توازي بل وتتساوى في الالتزام بها مع النص القرآني، وعند هذا المفصل من الأهمية الإشارة لتحليل عبدالاله بلقزيز الذي يؤكد بان الأصوليون ومن كافة المذاهب يتجاهلون أن ما يحسبونه أصيلا إنما كان جديدا حين ظهوره وربما كان في وعي جمهور ذلك العصر أو العهد بدعة أو شيئا من هذا القبيل لأنه لم يكن من عمل المدينة ولا اخذ به في الصدر الأول من الإسلام، وحتى في أصول التشريع الإسلامي وفي علم أصول الفقه وهي التي من عداد بضاعة الأصالة عند من يناهضون القانون الوضعي اليوم في جملتها جديدة ابتدعته العقل الفقهي والإسلامي في غياب صريح للنص واقرها المسلمون في جميع عصورهم وأمصارهم على اختلاف مذاهبهم فهل نشك في أصالتها لأنها ليست من نتاج العهد الأول، وفي هذا الشأن يقول الفيلسوف الإسلامي الكبير ابن رشد (( وليس لقائل أن يقول أن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة، إذا لم يكن في الصدر الأول، فان النظر أيضا في القياس الفقهي وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول وليس يرى انه بدعة، فكذلك يجب أن يعتقد في النظر في القياس العقلي)).

من جهة ثانية فلأنها كل جماعة تتكلم باسم الحقيقة فإنها ترى هي التي تدافع عن ثوابت الأمة متناسية أن ثوابت كل جماعة تختلف عن الأخرى، وبالتالي فان هذه الثوابت بما أنها ليست موضع إجماع وتتعدد الآراء والاختلافات حولها لذا لن تكون أصيلة إلا متى وقع الإجماع على انه أصيل، ولا يكون إجماع على أصالة إذا ما اشتم فريق ما في الأمر رائحة إحداث أو ابتداع تمنعه من التسليم بأصالته وأصوليته، وفي تاريخنا حقائق على ذلك وحسب بلقزيز يتساءل هل تسلم الاشعرية بأصالة الكلام المعتزلي في الذات والصفات والقضاء والقدر بحيث يكون العود إليه الآن تمسكا بأصالة؟ وهل الجعفرية أصيلة عند الحنابلة أو الحنبلية أصيلة عند أتباع فقه الأمامية؟

هنا نرى أن مثل هذه الدعوات هي في جوهرها أيديولوجية عصبوية للمذهب يفترضون أن الأصالة لمصلحة الدين وان من ينادي تحرير الفضاء السياسي من هذه العصبويات يهدفون التغربن وتقليد النموذج الثقافي والاجتماعي والسياسي الغربي، والأدهى لهؤلاء وهم يرجمون العقل الغربي ويكفرون من اخذ ولو بقليل من مبادئه هم أنفسهم من يمعن في استهلاك منتجاته السلعية والتقنية بغير حرج وكأن الاقتصاد والاستهلاك الغربي لا علاقة له بالفكر والقيم والثقافة!!

ولقد تنبه المفكر عبدالله العروي مبكرا لهذه المفارقة في السلوك العربي تجاه الحداثة حينما قال بان استهلاك ثمراتها الاجتماعية والاقتصادية والتقنية ورفض المقدمات الفكرية التي أنتجت تلك الثمرات.

وعليه وأمام هذا التشخيص وبقاء الجماعات المذهبية مغلقة على ذاتها رافضة بان احتمالية وجود حقائق لدى الآخر واردة ومقبولة ووجود الغلاف العصبوي الجمعي وكل بثوابتها فان الحوار بينها سواء في مؤتمرات تقريب المذاهب أو في صحن الندوات واللقاءات والمقابلات هي للاستهلاك ولن يحقق الهدف المنشود، حيث نجحت هذه الجماعات وبجدارة تامة في بناء قلاع وحفر خنادق بينها وبين الآخرين سواء من مذاهب نفس الطائفة أو من الطوائف الأخرى أو من المسلمين من غير المحزبين في جماعات أو من أبناء نفس الحضارة المختلفين في طريقة التفكير والممارسة أو مع العالم، أنهم نجحوا في ذلك ولكنهم لم ينجحوا في بناء الجسور حيث وحدها تحل الاختلافات وتقرب المذاهب والأفكار وتوحد الأمة.

 

مقابلة صحفية مع الأستاذ عبدالله جناحي حول الخلاف بين البيت الديني

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro