English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

في بيت عبدالرحمن النعيمي..حين تنشأ فـي مكانٍ يجمع أثقالاً من الكتب وأحمالاً من السياسة
القسم : عام

| |
2007-08-02 12:23:23



abdullrahman_pic.jpg


منذ أن فتحت عيني وأنا أرى أكوام الكتب حولي، كانت توضع في أماكن لا تصلها أيادينا الصغيرة، أتذكر عندما بلغت الأربع سنوات أو أصغر وقع تحت يدي كتاب استعاره أبي من احد أصدقائه (وكما عرفت بعد ذلك انه نسخة نادرة) وأخذت انتقم من ذاك الكتاب إلى أن وصلت بعض الأوراق إلى قطع صغيرة أطعمني بعدها الوالد علقة ساخنة لم أسلم من يده إلا وأنا مستسلمة بين يدي أمي.. مازالت تلك الحادثة تسرد كلما التقينا مع بعضنا البعض.. بعدها حرّمت على نفسي الاقتراب من صومعة والدي المتناثرة الأرجاء في المنزل.. وغاب الوالد عنا زمنا طويلا وباتت كتب المدرسة هي ما تطاله الأيدي.

لذا فإنني عندما اتحدث عن الكتب داخل اسرتنا اكون قد تحدثت عن والدي، فهما متلازمان كان يقرأ الكتب بكل الالوان والاحجام، حتى أنني استغرب من قدرته السريعة على اتمام كتاب في ليلة واحدة احيانا كثيرة اجده كالبرق، كان لوالدي بصمة القراءة (كيف؟) سأخبركم: كنت اعرف ان هذا الكتاب قد قرأه والدي او لا!! فقد تعودت ان ارى بعض الشعر المتناثر من رأسه داخل بعض الصفحات وكأن الاوراق تضم ما اختزنه واستبدل بالكلمات مكان ما على رأسه.. هكذا كنت اقول في نفسي، حينها ادرك ان هذا الكتاب حاز على اهتمام ابي..

وكم من الوقت ظل بين يديه، قد يجدني البعض أنني مهووسة بحب هذا الاب الى حد الجنون لذا كنت اقلده، حتى انني حاولت مرارا تقليد خطه وهذا الذي افقدني صوابي يوم قالت لي امي حديثاً وانا اسجل بعض الملاحظات بجانبها (امل هذا الخط يشبه تعاريج خط والدك بالضبط) حينها ادركت مدى الشموخ ولو كان بالخط.. لذا تعودنا ان نعانق تلك الاوراق قبل ان ننام، لأن الكتب هي الشيء الوحيد المتوافر في المنزل بعد الراديو والحمدلله.. الى ان جلب لنا العزيز (حسين موسى) تلفزيوناً ابيض واسود يفي بالغرض.. لكننا احببنا اوراقنا ودفاترنا القديمة مثل كتبنا.

فقد كانت حرية تواجدها بيننا تعلمنا ان نصادقها، او قد يكون نوعاً من التقليد لوالدنا وهروبا من العزلة التي نعيشها ضمن إطار المكان والزمان، كانت شراهتنا للقراءة في كل الموضوعات وقد اكون اقل اخوتي التزاما بالقراءة، ولكن كانت تستهويني الكتب الصفراء القديمة الاوراق حتى انني احيانا كثيرة اضعها على وجهي واشمها فأجد لها رائحة مختلفة، كنت اتناول موضوعات خاصة وقد تكون اجبارية في القراءة وضمن الاطار التنظيمي كان من الواجب علي اتمام المقرر الاسبوعي للتثقيف الذاتي، كانت بعض الكتب لاتستهويني فلم اكن احب الكتب الجافة التي لا تحاكي شغاف القلب او النفس وحكاياته كنت مولعة بالروايات الروسية حين ذاك، اتذكر انه كان علي ان اتعلم الضرب على الآلة الكاتبة وانا في الاعدادية لحاجة التنظيم لطباعة بعض الاصدارات التي يجب ان لا تخرج عن النطاق الخاص كنت كالآلة اطبع ما يكتب لي ولا اترجمه للوعي وكان هذا هو المطلوب مني (اتذكر اول ما استلمت الطباعة) قال لي ابي وهو جاد: عليك طباعة ما اعطيك اياه على أن تنسي كل ما قمتي به أو قرأتيه حال خروجك من هذه الغرفة، كنت أحب ان اصل الى رضا والدي والطمع في ان اكون شيئا ضمن هذه السلسلة الطويلة من الناس القريبة منه، والاقرب لثقته، كان الكتاب اثمن شيء نمتلكه وتعلمنا كيف نحافظ عليه وان يكون داخل نفوسنا ارشيفا خاصا، وكانت الكتب اجمل الهدايا.

كنت كثيرا ما ارى ابي يحمل اكياس الكتب او مغلفات تزن اثقالا، كنا نتعاون على فرزها من دون ان نعرف انها طبعت من اجل اشخاص ولم يكن لدينا القدرة على ان نفصح عن تلك الاسئلة فقد تعودنا ايضا ان كل ما بيد والدي هو لوالدي وليست لدينا القدرة (من باب العادة) ان نتدخل بذلك، كان يحترم كلمته التي يعطيها لمن ائتمنه من الكّتاب العرب او الخليجيين.. كان يتقن فن الائتمان... وفن الحب للجميع.. والثقة بالجميع.. من دون النظر الى الكسب المادي، يأخذ المادة من الكاتب ويدققها ويصحح الاخطاء التي سقطت سهوا ويذهب بها للمطبعة في بيروت على رغم تقلب اوضاع تلك العاصمة.. دار الكنوز هي الولادة الاولى لذلك الحب والعشق للكتب.

واذا انتقلنا للحديث عن اخوتي فقد كان اخي خالد يتابع احيانا كثيرة الاصدارات من خلال الراديو والمحاضرات في المراكز العلمية والثقافية المنتشرة في سوريا، ونتيجة لحاجته للمساعدة في اتمام قراءة المقررات الدراسية نتيجة لضعف بصره، كان اخوتي يتناوبون على إتمام الكتب الدراسية له، كان مولعا بالاطلاع على الكتب العلمية مثل الفيزياء والكهرباء. اما اخي وليد فقد كان مولعا بالقصص البوليسية وبعد ذلك اخذ ينهل من كل الكتب والمرغوبة لدينا كلنا.

اما اختي الدكتورة سلوى تدهشني بطقوسها، كانت من فرط اجتهادها في الدراسة تؤجل احيانا (اكواما من الكتب التي تشتريها) الى ايام الاجازات، وتنفذ هوايتها مع فاكهتها الصيفية (الدراق) وتكمل فصول كتابها احيانا مع تلك الفاكهة! ولا تزال مهووسة بالكتب التي تكدسها لحين حصولها على الفراغ لكي تقرأ.

اما صغرانا عائشة فقد كانت طقوسها ضمن طفولتها الجميلة وسارت على دروب من سبقوها وتجاوزتنا بقدراتها على الاقناع وكانت مرسالنا حين تصعب علينا المراسيل الى المهم والاهم في المنزل.. كان لها وهج القدرات على الاقناع..

مازلنا نحتضن كتبنا ونسجل عليها الحواشي ونحب ان نتبادل الكتب فيما بيننا بعد ان يقرأها أولنا لتصل للتالي.. احب ان اقرأ الكتاب بعد اخوتي.. احب الحواشي.. اجدها كتابا آخر ضمن هذا الكتاب.. مازلت احتفظ ببعض الكتب لوالدي والتي سجل عليها بعض التعليقات.. اجد الفضول يعصرني لاعرف ملخصات الكتب.. لا أدري أهو كسل ام فضول؟ مازلت امارس حالات الاختفاء في منزلي حتى وانا في هذا العمر.. فأجد المكتبة تحتضن افكاري من دون أي دخيل.. اقلب صفحات بعضها.. واضحك احيانا كثيرة من بعض المواقف التي رافقتني معها.. ابنتي الثانية (وفاء) أنهت طباعة مسودة كتابها الاول من اسبوع ولشدة اعجابي به كنت انشر على مسامع الجميع هذا الخبر الجميل.



صحيفة الوقت

02 اغسطس, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro