English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

خطيئة العجمي التي لا تغتفر
القسم : عام

| |
2007-07-22 09:00:47



mohd fadel.jpg

 

والآن جاء دور وزارة الصحة لترينا استعراضا للبيروقراطية البحرينية وهي تدافع عن نفسها بشراسة ليس لها مثيل أمام انتقاد.. مجرد انتقاد.

دعونا نصحح التسميات: العقلية البحرينية؟ هل يفي هذا بالغرض؟ لنحاول من جديد: نحن في العام 2007 ولدينا برلمان نصفه منتخب ونصفه معين من أهل الخبرة ولدينا ديموقراطية يقول مسؤولنا بمناسبة ومن دونها، إنها نموذج يحتذى به، لكن مجرد التلويح من موظف عمومي بأن هناك أخطاء وأوجه قصور كاف لبث الرعب في أوصال البيروقراطية البحرينية لكي تستنفر نفسها وتدفعنا إلى تلك المرحلة التي ليست نموذجا يحتذى به بل نجاهد للفكاك منها ومن ميراث الخراب الروحي الذي أحدثته فينا.

دعوني أقدم لكم احد ملامح البيروقراطية البحرينية وسماتها الأصيلة: لا تتذكر القوانين إلا بدافع وحيد: ‘’الانتقام’’.

إذا كنتم لا تعرفون الاستشاري عبدالله العجمي، دعوني أحدثكم عنه قليلا. لم أر إنسانا بكل التهذيب الذي يتحلى به، وقليلا ما لمست هذا القدر من الجدية الذي تتسم به شخصيته. اعرفه مذ كنا طلابا في الجامعة في مصر مثلما هي اختنا العزيزة وزيرة الصحة ندى حفاظ. واليوم هو واحد من الاستشاريين القليلين في الأورام وقاكم الله منها وحفظكم. لكن هذا النوع ليس هو النوع المفضل لدى البيروقراطية البحرينية، ومهما تعايشت هذه البيروقراطية مع أمثال عبدالله العجمي فإنه عاجلا أم آجلا سيجد نفسه وقد اصطدم بها بشدة وشراسة تفوق تصوره.

خطيئة الدكتور العجمي في نظر البيروقراطية البحرينية انه من داخل المؤسسة، تلك المؤسسة الحصينة المسؤولة عن صحتنا وصحة كل الأجيال. المؤسسة التي لم تجد من حل لمشكلة الازدحام في قسم الطوارئ إلا الاستعانة بالشرطة لتظهر لنا الفارق في طريقة وأسلوب مواجهة المشكلات. المشكلة هنا حسب بيروقراطيي وزارة الصحة بسيطة: مرضى مزعجون ليسوا سوى أرقاماً متضخمة باستمرار يتعين التخفيف منها. أما الوسيلة: الشرطة وليس تطوير الخدمة أو تحسينها.

لا تذكروني، فيهم أطباء جيدون ومجتهدون وكفاءات وممرضات مخلصات ومجتهدات في عملهن، لكن ثمة ما يكشف خلل العقلية والأسلوب وطرق الإدارة: فيما يحتاج مريض مسن في قسم الطوارئ مصاب بضعف في عضلة القلب لقياس نبضات القلب، تخبره الممرضة بخجل بحريني أن عليه أن ينتظر لأن الجهاز يحتاج وقتا للشحن وباقي الأجهزة معطلة.

ليست مفارقة إذا كان موظفو العلاقات العامة في الوزارة الآن يسجلون النقاط لتدبيج الرد على جاري عادة البيروقراطية البحرينية: ‘’كل شيء على ما يرام’’. السمة المميزة للبيروقراطية البحرينية وهي تتصدى للمشكلات: ‘’وضع الأوساخ تحت السجادة’’.

هل ارتكب الاستشاري عبدالله العجمي خطأ طبيا أثناء ممارسته للمهنة لكي يتم التحقيق معه؟ كلا. هل قال شيئا لم يقله آلاف غيره عن قصور في الخدمات الصحية؟ كلا. لن يجدي الحجاج هنا أن العجمي ساق انتقاداته بصفته رئيسا لجمعية الأطباء وليس باعتباره طبيبا في وزارة الصحة تنطبق عليه أنظمة الخدمة المدنية التي تذكرنا بها الآن وزارة الصحة. ولن يجدي القول بحرية التعبير، فالمشكلة كامنة في عقلية الإدارة وأسلوب التعامل مع المشكلات والانتقادات والشكوى.

ولو كنت مكان الأخت العزيزة وزيرة الصحة الدكتورة ندى حفاظ، لكنت قد تصرفت على النحو التالي:

استدعي الاستشاري عبدالله العجمي واطلب منه تقريرا بأوجه القصور التي يراها والتي ألمح إليها في تصريحاته. وأعطيه مهلة أسبوع لكتابة تقرير دقيق وأشدد في الطلب على أن يكون مقنعا ومدعما بالأدلة والبراهين. وأزيد على هذا بأن اطلب منه أيضا أن يقترح حلولا للمشكلات التي يراها كي لا يكون التقرير مجرد شكوى.

وإذا تسلمت التقرير أقوم بالتحقق مما جاء فيه بدقة ومن دون إبطاء، فإذا اتضح صدق ما جاء فيه، أقوم على الفور بتشكيل ‘’مجموعة تفكير - think Tank ’’ لكي تخرج بخلاصات لتطوير الخدمات الصحية. وإذا كان ما جاء في التقرير ينطوي على أخطاء ومبالغات، يمكن أن الجأ إلى إجراءات محاسبة بحقه.

لكن ثمة مفارقة فاتت على بيروقراطيي وزارة الصحة: لماذا تقدم جمعية الأطباء تقريرا بأوجه القصور في الخدمات الصحية للجنة تحقيق برلمانية ولا تقدمه لوزارة الصحة؟

لنفترض أحسن النوايا والتفسيرات: أن الدكتور العجمي وجمعية الأطباء قدموا تقارير مثل هذه في السابق لكن لم يتم التجاوب معها؟ حصل على وعد بدراستها والرد عليها لكن المهلة طالت؟ انشغل المسؤولون الكبار في الوزارة بقضايا أخرى؟ الدكتور العجمي وجمعية الأطباء لم يتقدموا بمثل هذه التقارير من الأساس؟

هذه احتمالات حسنة النية، لكنها تطرح المشكلة بوضوح شديد. فإذا لم تقدم مثل هذه التقارير من قبل فإن هذا يدفعنا للتساؤل: لماذا؟ وإذا كانت قد قدمت ولم تلقى أي رد فعل ايجابي أو جواب أو إجراء، فهذه معضلة. وبمزيد من حسن النية يمكن طرح السؤال: هل توجد آلية تتيح تقديم تقارير مثل هذه التي يطرحها الدكتور العجمي وتتيح تقديم حلول آنية ومستقبلية؟

بربكم ألا ترون المعضلة: لو كانت هناك آلية مثل هذا، فهل سيلجأ رئيس جمعية الأطباء إلى تقديم تقرير إلى لجنة تحقيق برلمانية عوضا عن تقديمها لوزارة الصحة؟

اقرأوا المعضلة وتلمسوها جيدا في بيان وزارة الصحة الذي يبرر تشكيل لجنة التحقيق مع العجمي: سبع نقاط غالبيتها تتحدث سياسة فيما نحن (والعجمي) بصدد قضايا تتعلق بالأداء والإدارة في الوزارة المسؤولة عن حياتنا وأمراضنا وصحتنا. بيان يذكرنا بالدستور أكثر من مرة ويذكرنا بالمساواة أمام القانون وبقانون الخدمة المدنية في زلة واضحة تشي بأن هذا التهافت على الدستور والقانون ليس سوى تعبير عن نوع هذا الاستنفار ودوافعه: انتقام.

لكن أكبر زلة ترتكبها الوزارة وهي تواجه الانتقاد تتبدى في مكان آخر من البيان: أن الوزارة ‘’تختص أيضا بالوقوف على حقيقة هذه الادعاءات[1]’’، لكن من دون أن تجيب على سؤال مقلق: أين كانت الوزارة من هذه الادعاءات قبل أن يعلن العجمي انه ينوي تقديم تقرير عنها إلى لجنة التحقيق البرلمانية؟

هذه العبارة هي إجابة وزارة الصحة عن افتراضاتنا حسنة النية تلك: ليست هناك أي آلية للتعاون بينها وبين جمعية الأطباء لمعالجة أوجه القصور في الخدمة. ولو كانت هذه الآلية موجودة وتسير بشكل صحيح، لما كانت هناك مشكلة أصلا، ولما وصلنا إلى لحظة الصدام هذه، ولما كانت هناك لجنة تحقيق برلمانية أصلا. ولو كانت مثل هذه الآلية موجودة لما بدا رد فعل الوزارة حيال تصريحات العجمي يفيض بكل هذا التوتر والاستنفار الذي لم يجد من مبررات سوى مفردات من قاموس سياسي متداول منذ سنوات قليلة. العجمي بخطوته تلك لم يفعل سوى أن لامس جدار الصد المتين الذي تتحصن فيه تلك البيروقراطية التي تعتبر الانتقاد مساسا مباشرا بها.

اقرأوا كلمات البيان بعناية: ‘’حتى لو أدت هذه الادعاءات إلى هز الثقة في النظام الصحي بما فيه الجسم الطبي صاحب النصيب الأوفر فيما وصلت إليه الخدمات الصحية في المملكة من تطور ورقي[2]’’. هل تفعل ادعاءات كل هذا؟ تهز الثقة في نظام صحي بأكمله؟ ها هو جدار الصد المتين الذي تتحصن به البيروقراطية قد تم خدشه فلم تجد من دفاع سوى هستيريا تذكرنا بالدستور والديموقراطية والمساواة أمام القانون لأن صاحب تلك الادعاءات لديه خطيئة لا تغتفر بنظر هذه البيروقراطية: ‘’انه من داخل المؤسسة نفسها’’. ورقي الخدمات الصحية بالنسبة للوزارة أمر يتعين الدفاع عنه إعلاميا وليس حقيقة ملموسة، وإلا فكيف تهزه ادعاءات؟

سأوفر عليكم عناء التكهنات: سيحاسب العجمي حسابا عسيرا بمنطق مختلف عن المنطق الذي يفترضه هو ولن يناقشه احد في أوجه القصور التي يتحدث عنها، بل ستذهب محاكمته منحى آخر تماما: سيحاكم في نياته ولن يجد هو أي مبرر لهذا الحساب العسير طالما أنه أراد لفت الأنظار الى أخطاء أو مشكلات أو أوجه قصور. السبب واضح: الأخطاء مسؤولية، وهذه الهستيريا لا تقول لنا سوى أن هناك من سيعاند كي لا يتحمل المسؤولية. والعناد مفهوم: ليست هناك تقاليد تحمل مسؤولية عن أخطاء في صميم التسيير اليومي. والنتيجة: سيصاب العجمي بصدمة شديدة وإحباط نفسي لا مثيل له وسيتم قص أجنحته وسيواجه بنظرات العداء والاستنكار في ممرات المستشفى وقليل من عبارات التعاطف من قلة ستهمس في أذنه: ‘’وش لك بكل هالسوالف’’ (التضامن على الطريقة البحرينية).

مشكلته انه أخذ مسؤوليته على محمل الجد. سيجد نفسه أمام خيار وحيد: أن يترك هذا كله ويبحث عن خيارات أخرى، أن يفتح عيادة خاصة أو أن يهاجر. ومن معرفتي لهذا الرجل اعتقد انه سيهاجر لأن تهذيبه وجديته ستجعلان مجرد البقاء هنا معاناة أخرى. بعد ذلك سنتساءل: أين هي الكفاءات البحرينية؟ فإذا كانت هناك من سمة تميزت بها بيروقراطيتنا فهي أكثرها إيلاما: ‘’طاردة للكفاءات’’.



صحيفة الوقت

22 يوليو, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro