English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العكري:الفتى القروي الذي صنعته بيروت مناضلا لا يهدأ 2-3
القسم : عام

| |
2007-07-16 12:00:52


29582.bmp


ا لفتى القروي الذي صنعته بيروت مناضلا لا يهدأ 2-3

زراعة الثورة والمهمات الصعبة 

w28.jpg

أوقف عبدالنبي العكري بعد قليل من تخرجه مهندسا زراعيا من الجامعة الأميركية في بيروت. وإذ عاد إلى البحرين حزبيا ملتزما في حركة القوميين العرب فقد كانت مرحلة جديدة من حياته على وشك أن تبدأ.

فبعد المخاضات التي عاشها في بيروت أثناء دراسته في الجامعة الأميركية ومروره بحزب البعث ثم حركة القوميين العرب ودخوله العمل السري، بدأت مرحلة جديدة من حياة عبدالنبي العكري ستقوده لاحقا الى مراحل جديدة كان العكري فيها ينتقل من عاصمة الى اخرى ومن بلد الى آخر في حركة لم تهدأ لربما حتى اليوم.

إذن، أوقف عبدالنبي العكري السجن، المحطة الإجبارية لكل الذين اختاروا العمل السياسي السري، لكنه يقول انه لم يتعرض للضرب أو التعذيب بل تعرض لضغوط أخرى.

يقول العكري عن توقيفه ‘’كان التعامل طبيعيا فلم أتعرض للتعذيب أو الضرب (...) لكن المسألة لا تخلو من الترهيب والتهديد بقطع الأرزاق (...) حتى بعد خروجي من السجن ظلت المخابرات تتابع تحركاتي إلى أن قبضت عليّ مرة أخرى’’.

وعن سجنه في المرة الثانية يقول ‘’لم تكن المخابرات تهدف إلى توجيه تهمة محددة إنما كانت الغاية من اعتقالي الضغط لدفعي الى ترك العمل السياسي (...) كان هذا واضحا تماما’’.

ويفسر العكري استنتاجه هذا بالقول ‘’في الفترة بين الاعتقال الأول والثاني لم يكن تحركي السياسي قويا وعلنيا بحيث تستطيع المخابرات رصده خاصة مع الانشقاق الذي حدث في حركة القوميين العرب والتحول الكبير الذي حدث بعد مؤتمر دبي في فبراير 1986 حينما أعلن قيام الحركة الثورية في عمان خاصة والخليج العربي عامة (...) فقد كنت حذرا للغاية ومتكتما’’.

ادوار ومهمات

عدا التكتم والحذر، لم يكن نشاط العكري في تلك الأيام يتعدى نشاطات تنظيمية تثقيفية وأنشطة بسيطة في أوساط العمال. لكن الأمر قد لا يكون كذلك نهائيا، تذكروا اننا نتحدث عن عمل سري.

هكذا، فان العكري عندما سئل عما اذا كانت نشاطاته قد اقتصرت على تلك المهمات المحدودة، كشف عن أمر آخر كان يجري رغم رقابة المخابرات.

انه العالم السري المموه.. يقول العكري ‘’كانت لنا قيادة محلية مكونة من عبدالرحمن النعيمي وعبدالنبي العكري وعبدالرحمن جمشير الذي ترك العمل التنظيمي في قت لاحق (...) دوري كان في المجال التنظيمي وقد كنت همزة الوصل بين الداخل والخارج’’.

يضيف ‘’ كان لا بد لي من السفر بين فترة وأخرى أتصل خلالها ببعض القيادات الخارجية كعبدالرحمن النعيمي في أبوظبي وأحمد النفيسي وعبدالله النيباري وخالد الوسمي وأحمد الخطيب من الكويت إلى جانب عدد من القيادات في أبوظبي وبيروت’’.

التواضع الذي ميز العكري في سني دراسته الجامعية، ظل لصيقا به في فترة العمل السياسي. فمع الانغماس المتزايد في العمل، لم تكن المناصب أو طبيعة الأدوار لتمثل هما يشغله.

عند سؤاله عن المناصب التي كان يشغلها في الخارج في تلك الفترة قال: ‘’بالنسبة للمنصب كان هناك توزيع حقيقي للمناصب بالمعنى المفهوم إنما كان العمل مشتركا (...) نحن أربعة أفراد متفرغون للعمل السياسي بالقيادة أنا، عبدالرحمن النعيمي، محمد المرباطي وأحمد الخياط (...)البقية إما بالخارج أو منتمون سريا للحركة، ومعظمهم من الوسطين الطلابي والعمالي (...)

أما الأدوار فهي كثيرة ومتعددة نظرا لعددنــا القلــيل فكل فرد من الحركة كان يكلف بعدة أعمال ومهام’’.

الخروج الأول.. والأخير

تلك المرحلة من الادوار البسيطة والعمل السري انتهى سريعا وكان مقدرا له ذلك لان العكري مازال يتحدث عن اكثر السنوات اقلاقا في الذاكرة البحرينية. اننا في العام ,1970 العام الذي كان مزدحما بالاجندات التي كان ثقلها قد جعل ذلك العام عاما لا يطاق.

فالمفاوضات بين البحرين وايران كانت قد بدأت وكان من المقرر ان تبدأ بعد فترة وجيزة ان تكون البحرين أمام مفترق مصيري في تاريخها الحديث: استفتاء الأمم المتحدة لحسم المطالبات الإيرانية في البحرين.

هكذا فان ذلك العام، كان شديد الوطأة أيضا على الحركات التي تعمل تحت الأرض وكانت الأوضاع العربية ملتهبة وستنفجر في أواخر العام حربا أهلية دامية في الأردن بين منظمة التحرير والجيش الأردني هي حرب أيلول .1970

في ذلك العام المتفجر، خرج عبدالنبي العكري من البحرين للمرة الأولى منذ عودته من بيروت ولسوف تكون تلك الرحلة أول الرحلات وآخرها لأنها كانت رحلة طويلة بل وطويلة جدا.

يستعيد العكري ذاكرته عن ذلك العام فيقول ‘’كنت في إجازة أقضيها مع عمي وكان العزم على رحلة بين العراق وسوريا ولبنان (...) هناك سمعت أخبارا عن اعتقالات واسعة بالبحرين وقعت بين صفوف التنظيم (اللجنة التنفيذية للحركة الثورية)، فجاءت أوامر اللجنة المركزية بعدم عودتي للبحرين لوجود اسمي من ضمن المطلوبين’’.

يتابع ‘’بقيت في لبنان منذ ذلك العام وحتى العام أواخر 1970 عندما طلبت مني الحركة التوجه الى ظفار وتأسيس مزرعة للثورة’’.

كانت الثورة العمانية في سنوات اوجها ذلك العام، وعندما وصل العكري الى ظفار، عمل على انجاز المهمة التي كلف بها وتلقى تدريبا عسكريا بسيطا، وماذكرته عن التدريب كان في مخيم شاتيلا مع الفلسطينيين، والذي كان يهدف إلى الالتحاق بالثورة الفلسطينية كمتطوع، لاكن التكليف بالذهاب إلى ظفار غير الأمر.

يضيف ‘’سافرت إلى عدن وبقيت بها شهرا كاملا ومنها ذهبت في رحلة استكشافية إلى ظفار من أجل معاينة الموقع الذي تريد الحركة إقامة المزرعة فيه (...) وكان واضحا مدى أهمية المزرعة بالنسبة للحركة خاصة في ظل الأوضاع السائدة من حروب وصراعات (...) كان من الضروري إيجاد نوع من الاكتفاء الذاتي لتوفير متطلبات العيش الأساسية من الغذاء في المناطق المحررة’’.

كانت الرحلة من عــدن الى ظفــار ‘’مضنيــة جدا تنقــلت خــلالها بين اماكن ومحطــات عديـــدة واستخــدمت عـــدة أنواع من المواصــلات سواء السيــارة في طرق وعـــرة مقــفرة أو القارب الصغـــير وسط أمواج عاتيــة’’ مثلما يشرح العكـــري الذي يضيف ‘’الى أن وصـــلت ظفار وفيها تأخر العـــمل كثيرا بسبب البحث عن مجموعـــة مناسبة ترافـقـنـي في المــوقع (...) بدأت التجول لاستــطلاع المنطقة مع المجموعــة المرافقة لمدة اسبوعــين إلى أن وقع اختيــاري على المكان المناسب الذي يجمــع بين الصلاحية للزراعة والصلاحية الأمنيـــة، لحمايـــة أنفسنا وخيامنا من القصف والعيون الراصدة’’.

زراعة المحاصيل والثورة

أيهما أصعب: الثورة أم الزراعة؟ حتما ستكون الزراعة، لكن الزراعة والثورة متشابهتان لأن كلايهما يعتمد الصبر والمثابرة، شرط الثورة الاساسي وشرط الزراعة الاهم والحاسم.

هكذا، بدأ العكري مهمته في انشاء مزرعة لثورة كانت تعيش اوجها في تلك الايام. وهكذا خاض العكري اصعب المهمات الشاقة وكأنه مجبول على المهمات الصعبة: الزراعة من اجل الثورة.

يقول ‘’بدأنا تهيئــة الأرض لمــدة 6 شهور فقد كان المكان قــفرا والوسيلة الوحيــدة للتنقـــل هي الجمال (...) لم نكن نملك من الأدوات إلا التقليدية البسيطة وهي ما استخدمناها في حفر الأرض (...) تطوع كثير من الناس لحرث الأرض إلى بجانب عناصر جيش التحرير وهم المقاتلون المحترفون في ظفار’’.

يضيف ‘’ساندتنا عناصر من الميليشيا وهم عناصر مقاتلة لكنهم ليسوا محترفين بل معظمهم يعمل في الرعي والفلاحة (...) لا يمكن إغفال دور النساء وما قدمنه لنا من عون ومساعدة وعمل مباشر’’.

لم تكن المهمة سهلة على الإطلاق، فعدا الغارات والعيش ضمن أجواء الحرب، وانعدام الأدوات المناسبة ‘’كانت قلة خبرة أهالي ظفار في الزراعة’’ حسب العكري الذي يضيف ‘’كانت زراعتهم بدائية على عكس أهالي صلالة (...) لذلك بدأت بتعليمهم المبادئ الأساسية للزراعة والحمد لله نجحت بعض الشيء في زراعة المحاصيل بطرق متطورة نوعا ما كما استطعت انتاج محاصيل جديدة لم تكن موجودة من قبل عند أهالي ظفار’’. لكنه يستدرك ‘’غير أن ظروف الحرب وقصف المزرعة عدة مرات لم تسمح بتطوير تلك التجربة الفريدة او استمراريتها’’.

مزيد من المهمات الشاقة

اذا تجربة اخرى مجهضة في ذاكرة العكري، نجاح ثمة من يترصده ويدمر ثماره. هكذا كان مصير المزرعة، لكن العكري كان على موعد مفترق آخر في حياته بدأ بشظية صغيرة.

يقول ‘’كانت مجرد شظية أصابتني خلال طلعة جوية للقوات البريطانية قصفت خلالها المنطقة العام 1973 (...) لم أكن عسكريا بتاتا وكل دوري في تلك الأثناء كان تطوير الزراعة وقد قمت بذلك خلال سنتين واجهت خلالها عدة مصاعب’’.

يضيف ‘’من بين تلك العوامل الصعبة غزارة الأمطار وانتشار الحشرات بشكل هائل وهي المشكلة التي كانت تعتبر تحديا كبيرا (...) حاولت إيجاد حل لهذه المشكلة بتجربة انواع عديدة واحيانا بدائية من المبيدات (...)

كان لي دور أيضا في معالجة الجرحى فقد درست بيطرة وكانت لي اهتمامات طبية فذهبت إلى عدن واشتركت في دورة مكثفة للاسعافات الأولية استمرت شهرين وكان ذلك عام 1972 في مشفى الجمهورية في تخصص الأمراض الاستوائية والمدارية’’.

يتابع موضحا ‘’بعد عودتي من عدن عمدت إلى تدريب أبناء ظفار على الاسعافات الأولية واساليب مكافحة الامراض الاستوائية والمدارية وكان ذلك فيما أظن من أهم الانجازات التي حققتها (...)كانت الأمراض تفتك بالمواطنين إلى جانب ما يعانونه من قصف للمدفعية والصواريخ وقنابل الطيران الإنجليزي. لذلك كنت أسعف المصابين فانتزع الشظايا وأقوم بخياطة الجروح وهو الدور الذي بدأ يقوم به معظم الذين دربتهم’’.

إلى هذه المهمات، كان العكري يقوم أيضا ‘’بفرز الأدوية والعقاقير التي كان معظمها يأتي بدون تصنيف أو فرز’’ حسب ما يقول مضيفا ‘’ومن خلال تفرغي لهذه الواجبات والأدوار لم أمارس أي عمل عسكري عدا حملي السلاح بالمناطق المحررة من أجل الحماية فقط’’.

بهذه التفاصيل، تكتمل المرحلة الثانية من رحلة العكري مع الثورة والمنفى هي مرحلة ظفار. تبقى تفاصيل أخرى في هذه المرحلة لكنها كانت التفاصيل التي ستمثل تمهيدا لانتقاله الى مرحلة جديدة من رحلته الطويلة والمحطات القادمة في حياته.

 

 

تنـــويــــه

في الحلقة الأولى وجدت بعض الأخطاء التي من المهم الإشارة إليها:

ـ الالتحاق بالثانوية العامة في بيروت العام 1961 والالتحاق بالجامعة الأميركية في ,1963 بكلية الزراعة.

ـ الالتحاق بالبعث كنصير ولم يكن الخروج منه يتطلب استقالة من الحزب بل إشعار المسؤول مباشرة.

ـ بالنسبة للمسؤولين في رابطة طلبة البحرين في بيروت فقد كان العكري سكرتيراً عاماً للرابطة وهو المنصب بعد الرئيس.

ـ ما حدث في بيروت في سبتمبر/ أيلول 1961 هو توقيف سريع وليس اعتقالاً، وتم ذلك في مركز حبيش وأطلق سراح العكري ومن معه بعد اتصال رئيس المخفر بإدارة الثانوية العامة.

ـ مسؤول السكن الداخلي (سلوليفان) عمل سابقاً في البحرية الأميركية ولم يكن بالطبع يعمل بها أثناء عمله كمسؤول عن السكن الداخلي، أما الرسالة من الشيخ عبدالعزيز آل خليفة فلم تكن عنيفة، وإنما تحذيرية بالنصح للتركيز على الدراسة.

ـ بالنسبة لأحداث انتفاضة مارس/ آذار فلم يكن تحركنا ثورياً، وسقفها لم يكن عاليا، بل الصحيح أنه جرى تضخيم الأحداث في الصحافة اللبنانية وكأنها ثورة مسلحة


صحيفة الوقت

16 يوليو, 2007

 


 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro