English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العكـري...الفتى القروي الذي صنعته بيروت مناضلاً لا يهدأ 1-3
القسم : عام

| |
2007-07-15 03:51:51





w28.jpg

الفتى القروي الذي صنعته بيروت مناضلاً لا يهدأ 1-3
العكـري: السياســة لم تـكن أولــوية



حتى الثامنة عشرة من عمره، كان يعتقد انه نبتة ريفية أنبتتها ارض البحرين، وانه لن يعيش إلا بمائها ولن يتنفس إلا بهوائها ولا شيء سيكحل عينيه إلا غبارها.
لكن عبد النبي العكري أدرك فيما بعد أن فتى القرية وابن الريف الذي أرضعته الديه أصالتها وروته البحرين من صلابتها، سيكون الأقدر على استيعاب رسائل التحرر ومقررات الانهماك بالوطن ودواعي الانشغال بقضايا إخوة الأرض وأشقاء الوطن والشركاء في اتساع التاريخ وضيق الجغرافيا.
هكذا فعلت الايدولوجيا بالفتى الريفي: جعلت منه مزارعا مهموما بالسياسة، وسياسيا لا يتخلى عن عشقه للأرض. وبين الايديولوجيا والسياسة والزراعة، تشكلت عجينة العكري: المهندس الزراعي، الفدائي الثائر والسياسي المثقف.
ماذا تقول بطاقة تعريف عبدالنبي العكري: هل هو ناشط حقوقي أم ناشط سياسي أم باحث أم ناشط في تيار أممي مناهض للعولمة؟.
في العكري مزيج من كل هذا، وله في كل من هذه الميادين وميادين أخرى نصيب إلى الحد الذي يصيبنا بالدوار. فالعكري لا يشارك في نشاط إلا ويقفز إلى غيره، ما أن يفك حقائبه من رحلة إلا يعود لحزمها من جديد في رحلة لا صلة لها بالتي سبقتها. هكذا، نشاط لا يتوقف وحركة دؤوبة وبحث لا يكل ومفكرة تمتلئ يوميا بالعشرات من الأرقام والعناوين والأسماء من كل بلد وجدول أعمال مزدحم دوما.
من الديه إلى بيروت
ولد عبدالنبي العكري في 1945 بقرية الديه غربي المنامة، وتلقى دراسته في مدرسة ''الخميس'' ومنها انتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت مبتعثا من قبل الحكومة ليدرس الثانوية العامة سنة .1963 غير انه لم يكتف بهذه المرحلة الدراسية، خصوصاً بعد تفوقه، فالتحق بكلية الهندسة في الجامعة نفسها إلى أن تخرج منها عام 1967 حاملا معه بكالوريوس الهندسة الزراعية وأشياء أخرى لا تدرسها الجامعات، لكنها تدرس في منتديات الساسة والمفكرين وخلايا الأحزاب وحركات التحرر.
يقول العكري ''لم يكن من السهل التأقلم مع بيئة بيروت وأجواء الجامعة الأميركية (...) أنا نبتة خرجت من قلب قرية تقليدية وعائلة متدينة محافظة غير ان التغيير كان قدرا (...) وصار هذا القدر رسالة وقضية''.
ربما ان استخدام العكري لمفردة ''القدر'' ليس عفويا وليس مقصودا بالضرورة، أي ذلك النوع من الكلمات المخزونة في اللاوعي لكن تفسيرها سيأتي من مكان آخر عند الإجابة على سؤال تقليدي للغاية: متى بدأ الانخراط في العمل السياسي؟.
هنا تفسير القدر على لسان العكري ''لم تكن السياسة من ضمن الأولويات لدي أثناء دراستي الأولى بالمرحلة المدرسية (...) الدليل خلو سنواتي الأولى من أي انتماء سياسي أو حزبي حينما كنت طالبا بالبحرين (...) هذا على رغم أن أبي كان يصر على اصطحابي معه لاجتماعات هيئة الاتحاد الوطني وما تقوم به من فعاليات ومسيرات ومظاهرات في ذلك الوقت''.
يكمل ''بأمانة السياسة لم تكن تستهويني كثيرا مع أنني كنت ابدي اهتماما فطريا بقراءة المنشورات والإصدارات التي لمست فيها في وقت لاحق قاموس القوميين العرب وشعارات ولغة حزب البعث (...) هذه اللغة التي ازدادت حدتها شيئا فشيئا مع الاضطرابات التي رافقت ثورة يوليو/ تموز بالعراق والتي بدورها أفرزت صراعات شديدة بين القطبين القومي والبعثي (...)تأثرت بهذه المنشورات والأحداث فكريا لكنها لم تكن كافية لتغيير اتجاهي''.
التحول جاء في بيروت وهو هنا مثل آلاف غيره ممن درسوا أو عاشوا في هذه المدينة الصاخبة بكل شيء، وحسب العكري فان ''بيروت هي إطلالتي الأولى على الحراك السياسي من الداخل والمنطلق الحقيقي للعمل السياسي الاحترافي''.
يضيف شارحا ''في بيروت تنازع مناخها ثلاث دوائر جاذبة لطلبة البحرين في الجامعة الأميركية (...) الأولى مركزها رابطة طلبة البحرين في بيروت والتي استطاعت جذب غالبية الطلبة (...) الثانية تجمع طلبة الخليج نظرا لأننا نعيش نوعا من الفدرالية الطلابية، وهذه الدائرة هي الأخرى استطاعت جذب عدد لا بأس به من الطلاب أيضا (...) الثالثة وهي الأوسع مساحة وأفقا واعني الجامعة الأميركية بكل ما تحويه من اتجاهات وحركات متنوعة ومتباينة ومتصارعة''.
مرحلة البعث العابرة
دخل العكري هذه الدوائر الثلاث التي يشير اليها واختلط بالطلاب من كل المشارب والاتجاهات والبلدان، لكن دخول العمل السياسي كان من بوابة ''حزب البعث''.
يقول عن هذه المرحلة ''بالنسبة لي ولجت كل هذه الدوائر وانطلقت من الأولى إلى الثانية لتكون الثالثة مكان تعميدي مبتدئا سياسيا ولكن بحماسة واندفاع (...) من الجامعة الأميركية التحقت بحزب البعث غير أنني لم أستمر طويلا (...) لم تمض 3 أشهر إلا وقد تخليت عن هذا الانتماء مبتعدا عن الحزب ومكتفيا بمرحلة القراءات والمحاضرات والتثقيف والتي وإن لم تكن مرآة لأفكار وكتابات عفلق فإنها كانت تتقاطع معه او مع مصادره دائما''.
يفسر العكري هذه السرعة في ترك حزب البعث بسببين يعود أولهما الى طبيعة العلاقات داخل الحزب والثانية خلاف البعث مع الرئيس المصري جمال عبدالناصر.
يقول ''لم تكن تعجبني الطريقة الأبوية التي يتعاملون بها (...) فكل من كان في منصب أعلى ومقام أرفع يطلب منك الولاء والطاعة وليس عليك الا إبداء الاحترام والتبجيل حتى وإن لم يعجبك شخصه أو يقنعك فكره (...) كما لو كانت المسألة بين ابن وأبيه''.
يضيف ''السبب الثاني هو موقفهم من جمال عبدالناصر القائد المؤثر والملهم الأساسي للشعب العربي من وجهة نظري على الأقل (...) ففي الوقت الذي كان يمثل بالنسبة لي المثال الحي للقائد الشريف النزيه والرمز الحقيقي لاحلام التحرر، كان البعث يبدي عدم الارتياح منه ويشكك بعض الأحيان في مواقفه''.
يتابع وهو يتساءل ''كيف يمكن أن أوافق على مثل هذا التوجه في الوقت الذي كنت أعتبر هذا القائد أبا روحيا وحاملا لاحلامي وتطلعاتي القومية واواظب على الاستماع لخطبه وبياناته أتمنى لو كنت تحت مظلته''.
عام القوميين العرب
لم يطل الأمر كثيرا بالعكري قبل أن يقرر وجهته التالية، لكن الأمر استغرق بعض الوقت ولقاء شخص سوف يقدر له أن يرتبط مصيره بمصير العكري لعقود مقبلة حتى اليوم.
يقول العكري ''بعد خروجي من الحزب بستة أشهر كان لي حديث مطول مع عبدالرحمن النعيمي (...) وأذكر أننا كنا نجلس في مقر رابطة طلبة البحرين ومن هناك التحقت بالقوميين العرب (...) بداية المرحلة التحضيرية ومن ثم الاختيارية والتي تمر فيها برقابة شديدة لقياس مدى تقبل الأفكار القومية وانتهاء بالدخول في الخلايا الحزبية''.
هكذا تعمد الفتى الريفي قوميا عربيا، كنت تخشى المدينة، لكنها ليست هي التي عمّدتك، بل ابن بلدك، والطالب القادم من قرية أو مدينة ليست بعيدة عن قريتك.. أليست هذه مفارقة؟. سألناه.
يقول ''هذا صحيح، لكن هذا الحديث مناسبة جيدة لاستذكار حديث آخر عن طلبة البحرين في تلك الفترة''.
يضيف ''معظم طلبة البحرين كانوا من الطبقة الفقيرة التي جاءت إلى الجامعة الأميركية ببعثات حكومية وقلة منهم كان يدرس على حسابه الخاص (...) جل هؤلاء الطلاب حملوا معهم الفكر التحرري وانفتحت لهم الآفاق للتعبير عن هذا الفكر من خلال انخراطهم بالتيارات العديدة بالجامعة الأميركية (...)أقصد القضايا المتنوعة والمتشعبة سواء السياسية وتمني التحرر من الاحتلال والاستعمار أو الاجتماعية والدينية كالحجاب والاختلاط بين الرجال والنساء''.
إجماع الخصوم على العكري
حمل العكري معه عند انخراطه في حركة القوميين العرب خصلة ستظل خصلته المميزة حتى اليوم: تواضع إلى حد إنكار الذات والقيام بالمهام الحزبية لكن مع رغبة داخلية في الانعتاق من العمل الحزبي.
فعندما سألناه عن المناصب التي تقلدها أو المسؤوليات التي تحملها لدى انخراطه في الحركة، فان التغيير الوحيد الذي طرأ هنا هو انه اكتسب اسما حركيا ''حسين موسى''. ولسوف يلازمه هذا الاسم الحركي لفترة طويلة ولم يتغير، أما التواضع فسيكسبه احترام الجميع بمن فيهم الخصوم السياسيون مهما كانت ضراوة الخصومة بينهم.
يقول ''الاسم الحركي كان حسين موسى وهذا الاسم لم يتغير طوال عقود العمل السياسي (...) أما بالنسبة للمنصب فلم أكن وصلت إلى مناصب متقدمة بعد في تلك الفترة''.
والتفسير حسب العكري ''بصراحة لم يكن العمل السياسي الحزبي يستهويني للانخراط فيه كليا إلى تلك اللحظة بقدر ما استهواني وشدني العمل الثقافي والاجتماعي والجماهيري''.
أما خصلته الأثيرة لدى الجميع والباقية حتى اليوم فستبدأ بواكيرها في بيروت ومن منصب صغير في رابطة الطلاب.
يقول العكري ''أقصى ما وصلت إليه في تلك الفترة كان سكرتير رابطة طلبة البحرين (...) ولابد أن أسجل فخري واعتزازي بهذا المنصب ليس بسبب فوزي في الانتخابات إنما بسبب الأصوات التي حصدتها من طرفين متناقضين هما القوميون والبعثيون (...) لقد كان لكل حركة قائمة خاصة بها بينما استطعت أن أحصد الأصوات من كلا الطرفين ذلك العام''.
قصة في البال
ماذا بقي في ذاكرة العكري من تلك الفترة لكي يروى؟.
يقول العكري ''ما يطفو على سطح الذاكرة الآن واقعة جرت في العام 1961 (...)اندلعت مظاهرات ببيروت تندد بانهيار الوحدة العربية بين سورية ومصر وكنت من ضمن المتظاهرين لكني وقعت في قبضة الشرطة (...) تم اعتقالي وبدأ التحقيق معي إلى أن تدخل مسؤول بدائرة الثانوية العامة في الجامعة الأميركية فتم الإفراج عني وعن زملائي''.
يكمل قصته ''غير ان هذا المسؤول وجه الينا لوما وتعنيفا شديدين وكان يشاركه في توجيه التأنيب لنا شخص أميركي اعتقدت حينها انه من المسؤولين في الإدارة الجامعية لكنني وللمفاجأة عرفت بعد ذلك ومن خلال صورة فوتوغرافية وقعت بيدي أنه أحد أعضاء البحرية الأميركية''.
يتابع ''الغريب ان التأنيب واللوم لم يكن من وجهة نظر الجامعة كافيا إذ ان مسؤول القسم الداخلي للسكن الطلابي واسمه سوليفر حرمنا الخروج من السكن لمدة شهر كامل (...) لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل جاء من الشيخ عبدالعزيز بن محمد آل خليفة الذي وجه الينا رسالة عنيفة (...) هكذا تعددت العواصم والجنسيات التي اتفقت على عقاب وتأنيب هؤلاء المراهقين المشاكسين''.
محطة مارس 1965 وقراءة جديدة
مازلنا في الستينيات من القرن الماضي، وثمة أحداث كبرى ستأتي ستشكل محطة مهمة لكل البحرينيين الذين عاصروها، وهنا لا يمكن الإشاحة عن طلاب بحرينيين انخرطوا في تيارات سياسية كانت تصطخب بها الساحة العربية في تلك السنوات اللاهبة. فبعد أربعة أعوام من مشاركة العكري في تظاهرة الاحتجاج على انفراط عقد الوحدة السورية المصرية، كانت البحرين قد عاشت شهورا من الغليان أثناء انتفاضة مارس/آذار .1965 ويقال ان ذلك العام كان حافلا بالنسبة لعبدالنبي العكري.
يقول ''لم تكن أحداث البحرين بسيطة ويسيرة على كل بحريني غيور (...) في تلك الفترة تحركنا بصورة مكثفة على مستوى عال (...) طالبنا بدعم الشعب البحريني وتدخل جامعة الدول العربية وضغطنا باتجاه مطلب إخراج الانجليز من بلدنا (...) ومن أجل ذلك أرسلنا عدة رسائل للقادة والزعماء العرب مثل جمال عبدالناصر وعبدالسلام عارف وغيرهما (...) التقينا بعدد من زعماء لبنان ومنهم الراحل كمال جنبلاط طالبين منهم دعم الشعب البحريني وهو ما حدث بالفعل عندما أنشئت لجنة مناصرة الشعب البحريني''.
يتوقف قليلا قبل أن يكمل ''يبدو أن تحركنا كان ثوريا وسقف مطالبنا عاليا (...) هذا بالطبع لم اكتشفه حينها لكنني توصلت إليه بعد سنوات وحين كنت استعيد ما كتبناه وقتذاك في بعض الصحف مثل (المساء) و(لسان الحال)..''.
ينهي الاستدراك سريعا كعادته ''لكن استطعنا إلى حد ما أن نكون المرآة التي تعكس الأحداث في البحرين''.
مضى عهد الراحة
لم يكن كل ذلك النشاط ليمر دون تبعات من أي نوع، فالعكري بات واحدا من عشرات آخرين مناضلين سياسيين وأعضاء حزبيين وما كان كل هذا ليجعل طريقه سهلا ومستقبله آمنا.
أما أولى التبعات فقد كانت اعتقال العكري بعد نحو عام من عودته من بيروت بعد تخرجه مهندسا زراعيا العام .1968 وكانت قائمة التهم الموجهة له ''العمل السياسي بالحركة الثورية، التنسيق من اجل إنشاء تكتل قروي معارض للحكومة والثالثة جمع التبرعات لدعم المقاومة الفلسطينية بعد ان وجدوا بحوزتي ارصدة للتبرعات'' حسب العكري.
يضيف ''في التحقيق عرضت المخابرات أمامي مجموعة من الوثائق والكتابات والمنشورات التي كنت أرسلها إلى البحرين حينما كنت ببيروت (...) أيضا عرضوا علي خريطة لبعض التحركات التي قمت بها ذلك الوقت مما يدل على أن الحكومة لم تكن مكتوفة الأيدي بل كانت متابعة وراصدة لكل ما يدور في الداخل والخارج (...) هكذا من التحقيق الى السجن''.
هكذا دخل عبدالنبي العكري المتخرج حديثا من جامعة بيروت الأميركية إلى السجن متوجا مرحلة أولى فقط من حياة ذلك الفتى القروي الذي لم يكن يحلم بأن يعيش في مكان غيرها وليبدأ مرحلة جديدة من حياته من محطة السجن. ستقوده هذه المحطة الجديدة الى مدن جديدة وعوالم جديدة مع نهاية عقد الستينات اللاهب وما تلاها من عقود أمضاها العكري في المنفى حتى عودته إلى البحرين مجددا

صحيفة الوقت
15 يوليو, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro