English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تسقيط العلمانية..أم سقوط التسامح؟
القسم : عام

| |
2007-07-04 09:57:52


 

304426584_009ddf4668_m.jpg 

 

هتف الشيخ الجليل »تسقط العلمانية«، وردد المصلون الهتاف بسقوط العلمانية. كان الشيخ يرد كما يبدو على تصريح لوزير العمل وآخر للنائب عبدالعزيز أبل وثالث لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) حول عدم إقحام الفتاوى الدينية المتضاربة في موضوع يستطيع المختصون من إقتصاديين ونقابيين ونشطاء وسياسيين وغيرهم، بما فيهم السياسيون والمختصون من الكتل الإسلامية وفيهم رجال الدين، إعمال العقل ومراعاة المصالح العامة لمعرفة الموقف الذي يتطلبه الحدث أو الموضوع، بدل الدخول في الحلال والحرام في كل قرار سياسي بحيث يصبح الحكم لرجال الدين في كل مانقرره، ويصبح إصدار الفتاوى من بلاد بعيدة في قضايا تحتاج إلى معرفة محلية دقيقة هو الأصل في كل شيء .

وما جمع الثلاثة الأطراف الذين تحدث عنهم سماحة الشيخ في نفس الضفة ليس اتفاقهم في اقتطاع الواحد بالمئة، فالوزير دفع باتجاه هذا الإقتطاع من العاملين دون أرباب العمل والعسكريين، بينما احتجت جمعية وعد على الإقتطاع من محدودي الدخل ومتوسطيهم ورفضت سياسة الإستثناءات للعسكريين وأرباب العمل .

النضال الذي قدم فيه شعب البحرين التضحيات الكبرى من أجل دستور ديمقراطي يكون الشعب فيه مصدر السلطات جميعا، هو نضال من أجل التحرر من كل سلطة إلا السلطة التي يقبلها الضمير الحر وتتطلبها الإدارة الديمقراطية لشؤون الحكم. ولا يمكن لنا أن نقبل أن نستبدل سلطة الحاكم بسلطة الفقيه. وليس في هذا تحقير لدور الفقهاء وعلماء الدين فهم متخصصون ومجتهدون في شؤونهم ولكن لا سلطان لهم على الشعب .

جلست أتأمل ماقاله الشيخ فتذكرت بأنني في شبابي في سبعينيات القرن الماضي كنت أبحث ورفاقي المزهوون بإنتصارات حركات التحرر القومي وتمدد الاشتراكية في العالم حيث تساقطت دول جنوب شرق آسيا كقطع الدومينو الواحدة تلو الأخرى، كنا نبحث كل يوم عن معركة أيديولوجية نفحم فيها الخصم، رافعين راية العقيدة القومية أو الاشتراكية في وجه كل مختلف، متهمين الآخر بالرجعية والعمالة للغرب والإمبريالية .

واليوم بعد ثلاثة عقود ونصف من العمل في السياسة، وبعد عصر الهزائم الكبرى التي حلت بالأمة وإدراكي أهمية الوعي بضرورة النظر للحقيقة من زوايا مختلفة وبأن أحدا منا لا يملك الحقيقة كاملة، بدأت أبحث عن ما يجمعني مع الناس، إلا الفاسدين منهم وخدم السلاطين، فتجدني أقلب آراءهم لأجد الأعذار، وأقول ما قاله الإمام الشافعي »رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب «.

غالبا لا أطيق التعميمات المعلبة مثل »رجعي« و»متخلف« و»ظلامي« لأنني تعلمت مع الوقت بأن التوصيفات والتعميمات الجاهزة هي في غالب الأحيان تحمل جزءا مهما من الحقيقة ولكنها في أحيان أخرى تخفي أجزاء أخرى لا تقل أهمية. فربما يكون لهذا الذي يسميه البعض »ظلامي« في موقفه من إصدار قانون أحكام الأسرة أو الحريات الخاصة، يكون له وجه آخر مناضل و»تقدمي« لايستغنى عنه في النضال من أجل دستور ديمقراطي أو الدفاع عن الحريات العامة أو عن الفقراء أو عن حق الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة. وقد يكون ذلك »التقدمي« في قضايا المرأة والحريات الخاصة صامتا عن إنتهاكات حقوق الإنسان أو تعديلات الدستور ورافضا لخيار المقاومة في فلسطين أو لبنان أو العراق. وليس غريبا أن تجد في الإنسان الشيء ونقيضه، والمصلحة تتطلب ألا نجعل الخلاف في ملف سببا للفراق في ملف آخر يمكن التوافق عليه .

في جميع أقطار الأمة العربية (والإسلامية) هناك أربع مدارس وأيديولوجيات سياسية: الإسلامية، القومية، الإشتراكية، الليبرالية. وتقوم ثلاث من هذه المدارس الأربع على أسس العلمانية. وكل من هذه المدارس كانت في يوم من الأيام في أوج عظمتها وغرورها فحكمت وقامت بتهميش أو إقصاء الآخرين. وكل من هذه المدارس السياسية أصبحت تتداخل مع الأخرى، فقليل من الإسلاميين قبلوا مرجعيات ليبرالية حول التحول الديمقراطي، وبعض الإشتراكيين قبلوا بأن الدين لا يتعارض بالضرورة مع مبادئ الإشتراكية، وهناك قوميون دمجوا بين القومية والإسلام والإشتراكية. كل من هذه المدارس الفكرية تعلمت من المدرسة الأخرى واتجهت إلى الاعتدال والوسطية، بدرجات مختلفة، وربما بدرجة أقل من قبل التيار الإسلامي الذي مازال مصابا بغرور العظمة التي إبتلى قبله به غيره من التيارات السياسية في عهد إزدهارها. لقد أصبح البحث عن ماهو مشترك ضرورة لنهضة الأمة المتصالحة مع نفسها قبل أن تستطيع أن تمسك بشروط النهضة. ولا يمكن الحديث عن تطور المجتمع وتقدمه بدون تصالح هذه المدارس الفكرية والسياسية مع بعضها البعض .

لن أدخل في تفسير معنى العلمانية التي هتف المصلون بسقوطها، فقد انتشر مفهوم خاطئ يصعب تصحيحه، بفضل التشهير الذي مارسته بعض التيارات الإسلامية، بأن كل علماني هو بالضرورة إباحي وملحد معاد للدين. وهذه التهم الجاهزة على العلمانيين تذكرني بالتهم الجاهزة على المسلمين جميعهم في الغرب فأصبحنا عربا ومسلمين نؤخذ بجريرة طالبان وإبن لادن والظواهري .

الأخوة والأحبة الذين هتفوا بسقوط العلمانية هتفوا في الوقت نفسه بسقوط أشقائهم »العلمانيين«، وهم نفس الأشقاء الذين ناضلوا معهم وكانوا نعم الصديق لإخوانهم من الإسلاميين المناضلين. التصالح مع النفس يسبق التصالح مع النظام، وقبول الآخر »العلماني« المناضل يسبق قبول الآخر »الإسلامي« المتواطىء الذي استمع لصرخات الاستغاثة ولم يحرك ساكنا. هذه مدرسة شيوخ المناضلين ورموزهم الوطنية عبدالأمير الجمري وأحمد الذوادي وعبدالرحمن النعيمي، وأي منهم لم يدع بسقوط أشقائه المناضلين .

 

صحيفة الايام

Wednesday, July 04, 2007

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro