English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أينما كان النعيمي .. كانت قضية الأمة وكان الوطن
القسم : عام

| |
2007-06-08 15:48:37



 

عندما التحقت بالدراسة بالجامعة الأمريكية في بيروت في أغسطس 1968 كان أبا أمل قد غادرها عائداً إلى الوطن ليعمل مهندساً في إدارة الكهرباء. في رابطة طلبة البحرين ببيروت من الطلبة القدامى بان اباخالد كان احد الذين تركوا أثراً كبيراً في مسيرة الحركة الطلابية التي كانت تبحث عن وحدة روابطها الطلابية بتشكيل اتحاد طلابي يلعب دوره في رفد نضالات الحركة السياسية والوطنية في البحرين. بعد فترة قصيرة بدأت أتلمس بأن الطلبة رغم واجباتهم الدراسية الثقيلة كانوا يخصصون وقتاً وجهداً للانخراط في النشاطات الطلابية والسياسية، فالوطن في ذلك الوقت كان أمام مرحلة جديدة على إثر إعلان بريطانيا الانسحاب من الخليج وعلى الصعيد العربي والقومي كانت هزيمة حزيران (يونيو) 1967 قد أدخلت حركة التحرر الوطني العربية في دروب ومسارات جديدة لمواجهة تداعيات وآثار الهزيمة.


اللقاء الأول:

لا أذكر اليوم أو الشهر لكنني أتذكر السنة. فجأة تم إبلاغنا بأننا سنكون على موعد للقاء رفيق قيادي قادم من المنطقة. ولدواعي العمل السري لم نعرف من يكون إلا عندما دخل علينا في تلك الغرفة البيروتية في 1970. كان رشيقاً باسماً ودون أية مقدمات تحول اللقاء إلى ندوة سياسية وتنظيمية على مدى أكثر من 3 ساعات وارتبطت منذ ذلك الوقت برفيقنا القيادي سعيد سيف. وكما برز فجأة اختفى كذلك ولم نسأل أين ذهب، فتلك كانت طبيعة العمل التنظيمي السري. ولازلت أذكر آثار ذلك اللقاء أو الارتباط الأول بأبي أمل فظلت مع صديقي ورفيقي الشهيد محمد غلوم بوجيري نتمنى أن يأتينا خبر زيارة مفاجئة أخرى، كان الانتظار استغرق فترة طويلة وافترقنا محمد إلى دمشق وذهبت أنا إلى الكويت، حتى كان موعد اللقاء الثاني في منتصف السبعينيات عندما عاد أبو أمل إلى بيروت لتنفيذ مهمات حزبية وتنظيمية في فترة شهدت إعادة ترتيب العلاقات التنظيمية ليتفرغ الرفاق العمانيون لمهماتهم على صعيد الجبهة الشعبية لتحرير عمان وانصرفنا نحن للتركيز على الوضع البحريني ضمن أطر وبرامج الجبهة الشعبية في البحرين.


السبعينيات ... صعود وإنجازات:

كم كان أبا أمل سعيداً بتحقيق حلم تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة البحرين وكم كان حريصاً على أن يلعب دوره القيادي البارز والمتميز في إيجاد التوافقات بين الأطراف الوطنية عندما تبرز الخلافات بينها على الساحة الطلابية.

في المؤتمر الأول للاتحاد وفي بغداد في 1975 كدنا أن نصل إلى طريق مسدود، كان مقرراً أن نغادر اليوم التالي إلى مواقعنا الطلابية .. وكنت نائماً بعد يوم شاق من الصراعات والمناوشات، عندما أيقظني أبا خالد فجراً قائلاً انهض يا رفيق فعلينا أن نحافظ على وحدة الاتحاد وبأي ثمن! لازلت أذكر ذلك اللقاء الذي عقدناه فجراً مع رفاق آخرين من الأطراف في مطعم الفندق البغدادي الصغير وفي ليلة شديدة البرودة حيث أكثرنا من شرب الشاي العراقي المعروف. في سرعة قياسية أنجزنا بإشراف أبا خالد كافة وثائق المؤتمر وبيانه الختامي والتشكيلات القيادية وفي العاشرة صباحاً احتفلنا جميعاً في القاعة بختام جلسات المؤتمر وسط أفراح غامرة بعد أن نجحنا في اجتياز امتحان جديد.


لقاءات الكويت!

أبا خالد كان ممنوعاً من دخول الكويت منذ الستينات لكننا استضفناه أكثر من مرة، احدهما عندما التقى مجموعة من الرفاق الطلبة بعد المؤتمر الأول. لقد كان سيناريو اللقاء شبيهاً بقائنا الأول به في بيروت، فقد قيل للمجموعة ستلتقون قيادياً من الجبهة .. وكان هو الرفيق سعيد سيف، كانوا يسمعون عنه ويقرأون له وها هو يزورهم قبل أن يلتقوه بعد زمن في رحلاتهم الطلابية. بعد إحدى لقاءاتنا في بغداد، إتفق معي أبا خالد على لقاء بعد شهر كامل وفي ساعة محددة في إحدى مقاهي ساحة الصفا الكويتية. وذهبت إلى المقهى المذكور – ولم أنتظر طويلاً حيث وصل وكانت جلسة جميلة مع رفيق كان ممنوعاً من دخول هذا البلد لكنه يعرف كيف يتجاوز العراقيل الحدودية!


قائد من طراز فريد وطاقة هائلة

تعلمنا ألف باء العمل الحزبي والتنظيمي على أيدي رفاق عديدين نقلوا إلينا عصارة تجاربهم وإخلاصهم للوطن وللقضية، لكن أبا أمل كان نوعية أخرى .. لقد كان مدرسة حزبية متكاملة .. تتنقل بين صفوفها وتكبر معك معارفك ومسؤلياتك. كنا نجده في كل بقعه أرض عربيه نجد فيها مكاناً آمناً لعقد المؤتمرات وإقامة الدورات الفكرية والسياسية والتنظيمية.. في بيروت وبغداد ودمشق والكويت والقاهرة. كان أبا أمل حاضراً يرتب اللقاءات ويجهز الموضوعات التي كان يطبعها بنفسه على الالة الكاتبة العتيقة قبل اختراع ذلك الكمبيوتر العجيب الذي لم يفوت أبا خالد فرصه الاستفادة من خدماته.

في منتصف السبعينات كانت بغداد ثم دمشق ورشه عمل هائلة يلتقي فيها الرفاق من كل مواقع العمل.. العمال والطلاب والشباب والقيادات الحزبين.. وما أكثر المرات التي إستضاف فيها أبو أمل العشرات من الرفاق الحزبية في وقت واحد في غرف متجاورة دون أن يعرف من في هذه الغرفة الرفاق الأخرين.. حتى أبنائه الذين كانوا صغاراً في ذلك الوقت كانوا قد تعلموا الانضباط الصارم والالتزام بحدود معينه لتحرك في المنزل الذي عرف أصحابه كيف ولماذا يجب أن يكون مدرسة تلتزم بالتركيز والهدوء..لقد كانت مدرسة حزبية بتقاليد جميلة قادها أبا أمل باقتدار منه وساهمت في ذلك رفيقه دربه الأم العظيمة أم أمل. في ذلك الوقت كنا نراقب أمل وخالد ووليد وسلوى وعائشة يكبرون بعد كل لقاء أو زيارة, عائشة الصغيرة كان مسموحاً لها أحياناً أن تتسلل إلى غرفنا وسرعان ما تختفي بإشارة من الأب القائد!

 كانت حواراتنا تمتد أحياناً إلى ساعات متأخرة في تلك الليالي الباردة أو الحارة لا فرق, وفي الصباح الباكر كان هو أول من ينهض بعد ساعات قليلة من الراحة لإعداد الفطور وإحضار التموين اليومي من الدكاكين القريبة. تعلمنا منه الصبر والجد ونكران الذات والبساطة والتواضع وكيف يكون المرء حزبياً ملتزماً في زمن كانت المغريات كثيرة وهي لعبة أتقنتها الأنظمة العربية مع خصومها حتى إستمالت ودجنت الكثيرين منهم!

 


عندما إستشهد الرفيق محمود غلوم

 

ضربه جديدة واعتقالات واسعة قام بها جهاز الأمن بقيادة ايان هندرسون تلاميذه وأتباعه. في نوفمبر 1976 إغتيل الصحفي المرحوم عبدالله المدني ضمن سيناريو تناولته الصحافة ومجريات المحاكمات بعد ذلك. كانت فرصة لهندرسون لإلصاق التهمة بالجبهة الشعبية في البحرين. ودخل السجون العديد من الكوادر والنشطاء ليزداد عدد المعتقلين بعد ضربة أغسطس 1975 على إثر حل المجلس الوطني وتطبيق قانون أمن الدولة. كنت في الكويت أستعد للمغادرة إلى الوطن بعد استكمال الدراسة الجامعية. عاد الطلبة بأخبار الاعتقالات وإستشهاد الرفيق محمد غلوم والرفيق الشاعر سعيد العويناتي. تغير المسار وبدأت رحلة غربة من نوع أخر. قررنا إبقاء كل من كان معرضاً للإعتقال إذا عاد إلى البلد.. ورتبنا أمورنا كما تعودنا بعد كل هجمة جديدة. كانت الأجواء شبيهة بما حدث في 1973 عندما تلقينا ضربة الأمن ثم إستشهاد القائد العمالي محمد بو نفور.

إلتقيت أبا أمل في دمشق.. وكان حواراً طويلاً حول ما يجب عمله.. أذكر ما قاله عندما إلتقينا.. لقد قتلوا محمد غلوم ويخططون لقتل وإعدام الآخرين..  حيث كان في قبضتهم عبدالله مطيويع وشوقي العلوي وعبدالأمير منصور وفؤاد سيادي وأحمد مكي .. وعندما برأت المحكمة محمد غلوم وأحمد مكي وعبدالأمير منصور, أصر هندرسون على تطبيق قانون أمن الدولة.. فالتحقوا بالمعتقلين الآخرين ينتقلون من معتقل إلى أخر.

 


كان معنا أينما إرتحلنا

 

تواصلت الأجواء البوليسية القمعية في نهاية السبعينات.. من دخل البلاد سحب جوزاه ومنع من السفر أو تم إعتقاله وتواصل الهجوم على فروع الإتحاد الوطني لطلبة البحرين وتم مطاردة نشطاء الإتحاد في كل مكان.. في الكويت والعراق والشام ومصر.

قررت البحث عن عمل في دبي ومكثت فيها قرابة 6 شهور لأغادرها إلى قطر لأعمل في جزيرة جالون النفطية قرابة الثلاث سنوات.. خلالها لم يترك أبا أمل فرصة أو وصله للتواصل معنا, كانت رسله ورسائله تصلنا تطمئن عن أحوالنا وتشد من أزرنا وتضعنا في أجواء مستجدات العمل التنظيمي والسياسي.

عندما عُدت إلى الوطن في يونيو 1979 كانت بانتظاري رسالة جميلة من أبو خالد.. قال فيها أهلاً بك في الوطن.. لقد بدأت مرحلة جديدة.. وأمامنا مهمات كثيرة وخبرتك مطلوبة. وسرعان ما كنا نواجه ضربه جديدة لتنظيمنا العمالي الذي كان يستكمل مسؤليات المسيرة العمالية التي قادها في بداية السبعينيات المناضل العمالي عبدالله مطيويع بعد الاعتقالات في صفوف الجبهة واستشهاد الرفيق محمد بونفور.

دخلت المعتقل في بداية الثمانينيات وغادرته بعد بضعه أشهر .. وكانت رسالة أخر من أبو أمل بالأنتظار... لاشك أن السجن تجربه ثرية.. والمهم أن نفكر في وسائل أفضل لمواصلة نضالنا.

 


تواصل القمع والحصار

إضطررنا للبحث عن عمل بعد فصلنا من مهنه التعليم لدواعً أمنية كما قالوا ولم نجده لا بعد محاولات عديدة مع إحتفاضهم بجواز السفر لمدة 5 سنوات. كان التواصل مع أبي أمل قليلاً لكننا نعرف من المسافرين أخباره وتأثير ما كان يتركه من أثر أينما أرتحل مع رفيق دربه أبا منصور في مشارق الأرض ومغاربها.

التقينا من جديد في منتصف التسعينيات .. وقبلها كان بيننا إتصال تلفوني اعتذر فيه عن تعذر اللقاء لإرتباطه كما قال بالسفر إلى أخر جماهيرية في التاريخ!

في مكتبه الصغير في شقه بيروتية دون كهرباء كان لقاؤنا... الذي انتظرته طويلاً.. ورغم آثار السنيين لازال كما هو شعلة من النشاط والحيوية والدقة في العمل والانضباط. كان وقتها غارقاً وسط أكوام من الكتب والمؤلفات والدراسات التي يشرف على طباعتها.

 


نافذة الإنفراج

جرت المياه والأحداث بعد ذلك.. لتفتح نافذة صغيرة في ذلك النفق المظلم بعد انتفاضة التسعينيات وسقوط العشرات من الشهداء... جاء الميثاق.. وحان موعد العودة لأبي خالد وأبا منصور وأبا أنس وأبا قيس.. وآخرين من كافة التنظيمات وبلدان الشتات. كانت عودته مع رفيقي دربه أبا منصور وأبا أنس عرساً كبيراً.. حضره الآلاف من الناس دون دعوه..يلبون نداء الحب والمحبة والمعزة لهؤلاء الرجال الذين وقفوا صامدين على أقدامهم ولم ينكسروا.

 


وهل يهدأ من كان ينتظر ثغرة لمواصلة المسيرة؟

وبعد العودة سارع أبا خالد إلى لملمه الصفوف والبحث عن صيغة مناسبة للعمل السياسي ضمن الأجواء الجديدة التي أنتجتها حالة الإنفراج الأخير وإطلاق المعتقلين وعودة المنفيين وإلغاء قانون أمن الدولة. وكانت جمعية العمل (وعد) ما تم التوافق عليه.. وادرك الناس حجم وتأثير الدور المتميز الذي يلعبه أبا خالد في أوساط المعارضة التي تدافع عن ملفات عديدة حان الوقت لفتحها.

 


المقاطعة والمشاركة

عندما قاطعت الجمعيات الأربع انتخابات 2002 كان الهدف الإصرار على أن الحس الوطني والبحرين بحاجة إلى حلول جذرية لمعالجة ما تركته السياسات السابقة من آثار مدمرة.. رغم وجهات النظر المتباينة التي سادت جمعية العمل (وعد) إثناء انتخابات 2006, إلا أن أبا أمل انحاز إلى الرأي الذي ارتأى خيار المشاركة فرصة لنقل الملفات العالقة إلى داخل المجلس دون أوهام كبيرة.

كانت خيمته الانتخابية في مقدمة خيام أعضاء قائمة التغيير الوطنية التي قدمتها وعد من حيث الحضور الجماهيري الكبير.. ولم يصدق الناس بأن أبا أمل قد خسر الانتخابات.. ولازالت التساؤلات الحائرة حديث المنتديات والمجالس . لكن الرجل كعادته وقف شامخاً..قائلاً خسرنا الانتخابات وكسبنا معركة المستقبل.


الرحلة الأخيرة

كعادته فاجأنا بأنه على سفر ضمن جولة مكوكية لأكثر من بلد عربي للقاء قيادات وحضور فعاليات سياسية.. حتى كانت الجولة الأخيرة في المغرب حيث داهمته الوعكة الصحية الثانية  توقعناها أزمة طارئه كما حدث في البحرين.. لكن القدر كان له رأي آخر.. وكان شهر أبريل ثقيلاً على قلوب كل من أحب أبا خالد وأرتبط به في مختلف محطات الحياة والمسيرة الطويلة.

 


أبا أمل أيها الشامخ نحن بإنتظارك

أيها الموسوعي المتعدد المواهب .. أيها العروبي..ياعاشق فلسطين كل فلسطين.. أيها الثائر على الظلم والإستبداد والتمييز.. أيها الباحث عن العدالة والإنصاف والحرية لكل الناس.. أيها العفيف والحليم والمتسامح مع الخصوم..

أيها العزيز والحبيب والأب والقائد والقدوة. أيها المعلم.. أيها الرجل في هذا الزمن الردئ .. نحن بانتظارك.. أملاً لكل من أحبك وإحترمك وكنت له بلسماً تزرع الأمل والتفاؤل والمحبة.

نفتقدك أيها العزيز.. فحاول قدر ما تستطيع أن تكون إستراحة المحارب التي تعيشها الآن قصيرة.. الوطن بحاجة إليك.. أمتك التي عشقت تناديك..سيف الحق والحرية ينتظر يدك بلهفة.

من أجلنا .. من أجل الوالدة العظيمة أم أمل وخالد ووليد وسلوى وعائشة والاحياء في العائلة العزيزة.. من أجل الشباب والأطفال.. عد إلينا لتعرف كم تركت فراغاً كبيراً, نحن متمسكون بالأمل كما عودتنا.. يا عزيزنا أبا أمل, الشقيق والأخ النادر الذي لم تلده أمهاتنا.



نشرة الديمقراطي - العدد 38 - إبريل / مايو

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro