English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أبو أمل رفيق العمر
القسم : عام

| |
2007-06-08 15:41:16



w28.jpg

لأول مرة في حياتي اكتب عن رفيق العمر عبد الرحمن النعيمي "أبو أمل", هي لعمري مهمة صعبة جداً. أكتب هذه الكلمات وأنا مثل الكثيرين من أهل ورفاق وأصدقاء ومحبي أبو أمل قلقون للغاية على حياته. ولذى فإنني أأمل أن يتعافى أبو أمل ويقرأ كلماتي هذه.

تعرفت على أبو أمل, في بيروت في 1961م حيث حصلت على بعثه دراسية لإكمال الدراسة الثانوية تمهيداً للالتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت, ومنذ ذلك الوقت ونحن متلازمان تجمعنا رفقه نضالية, وصداقة, وأخيراً قرابة حيث أخي علي متزوج أبنته عائشة. لذى فإن شهادتي فيه عن قرب. هو من أقنعني بالالتحاق بحركة القوميين العرب في السنة الأولى لدراستي الجامعية في 1963, ومنها بدأت مسيره نضالنا المشترك في مختلف المراحل والتنظيمات, حركة القوميين العرب, الحركة الثورية في عمان والخليج العربي, الجبهة الشعبية في عمان والخليج العربي, الجبهة الشعبية في البحرين وأخيراً جمعية العمل الوطني الديمقراطي.

جمعتنا مع ثله من طلبة البحرين, العمل الطلابي الوطني في رابطة طلبة البحرين في بيروت, والعمل الطلابي القومي, من خلال كنفدرالية الطلبة العرب في لبنان. في معظم مراحل حياتنا كنا مع بعض, في الجامعة الأمريكية في بيروت حتى 1967 في البحرين من 1967 حتى أواخر 1970, وفي المنافي من 1970 حتى رجوعنا إلى البحرين على ذات الطائرة يوم 28 فبراير 2001م. يوم الاستقبال الحافل في مطار البحرين والعرس الوطني بالاحتفاء بالعائدين في تلك الأيام المشهودة.

قدر لي من خلال النضال المشترك, السري والعلني وشبه العلني أن أعايش أبو أمل وعائلته عن قرب.

في البحرين وبعد تخرجنا من الجامعة الأميركيه, إنخرطنا معاً ومعنا عده مناضلين في إعادة تنظيم صفوف حركة القوميين العرب, والحوار مع فصائل وطنيه سريه خصوصاً جبهة تحرير شرق الجزيرة وجبهة تحرير الخليج العربي, ليتوحد بعضها في إطار الحركة ثم تتوحد في إطار الجبهة الشعبية في البحرين.

في غمار العمل السري الخطير المضني, عمل أبو أمل لتنظيم صفوف العمال في محطة كهرباء الجفير وقاد أول إضراب في عام 1968 مما أدى به إلى السجن لن أنسى صلابته في السجن, وصلابة أم أمل وتصبرها وكنت أمر على بيتهم في الحدٌ.

أنتقل أبو أمل ليعمل في أبو ظبي بعد أن سدت في وجهه الأبواب في البحرين, لكنه وأصل نضاله, وأعتقل هناك أيضاً وحكم عليه بالسجن, الذي قضى فيه عده أشهر ثم أطلق سراحه بعفو من الشيخ زايد رحمه الله.

كنت أتردد حينها على أبو ظبي والتقيه, ضمن ترتيبات العمل في البحرين, وضمن ترتيب صفوف واتصالات الحركة الثورية في عمان والخليج العربي التي إنبثقت كتنظيم يساري من حركة القوميين العرب, في المؤتمر التأسيسي في دبي في فبراير 1968.

في نهاية 1970 بدأت سيرة منفاي وقد سبقني إليه, لتقودنا معاً إلى عده ساحات نضالية. في ظفار حيث أخذ عائلته ليعيش في حوف مثل باقي العائلات الظفاريه التي هجرتها الحرب, وسط المصاعب والأخطار. وهو كان يتنقل وسط المخاطر من ساحة إلى أخرى, تاركاً عائلته لرعاية الرفاق. بدوري كنت مسؤولاً عن مزرعة جبينوت لتدريب وتأهيل المرشدين الزراعيين وإجراء التجارب على المحاصيل, في محاولة لتطوير إنتاج ريف ظفار المحرر.

وهكذا كانت لقاءاتنا على أرض ظفار, أو في عدن, مع المناضلين العمانيين ومجموعة من المناضلين البحرينيين. والخليجيين الذين التحقوا بصفوف الثورة العمانية والتي يعتبرونها ثورتهم, وشكلوا مع المناضلين العمانيين نسيجاً واحداً دون تمييز.

في يونيو 1974 عقد المؤتمر الاستثنائي للجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي بعد مرور ثلاث سنوات على تجربه إندماج التنظيمات الخليجية المنبثقة من حركة القوميين العرب, ليقرر الاستقلال التنظيمي, وهكذا إستقل فرع البحرين ليشكل في نهاية عام 1974 الجبهة الشعبية في البحرين.

كان أبو أمل كما هي العادة هو من قاد عملية تأسيس الجبهة الشعبية في البحرين ليلم الصفوف المتناثرة, وليبتدأ فصل مجيد من النضال, إستمر حتى سبتمبر 2001 بتأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي.  

كنت أحد المؤسسين للجبهة الشعبية في البحرين, ولكن طلب مني الرفاق العمانيون, إلى جانب عدد أخر من المناضلين البحرينيين, الاستمرار كمتفرغين في صفوفهم, ولم نكن لنرفض, فالجبهتين العمانية والبحرينية هما شقيقا نضال. استمررت في مهمتي في إعلام الجبهة العمانية وفي ذات الوقت متابعه أوضاع البحرين وحضور الاجتماعات القيادية كلما أمكن, وتأدية بعض المهام.

في هذه المرحلة تجلت مره أخرى قدرات أبو أمل, وهو في المنفى في سوريه, في ربط الخيوط الخفية مع البحرين, حيث يتطلب الأمر حنكه وسريه وبراعة وصبر لإعادة بناء التنظيم, وربط الخلايا وتنسيق عملها في البحرين وسط ظروف القمع والتراجع, في ذات الوقت العمل لتقريب صفوف العمل الوطني, وقيادة نشاط المعارضة البحرينية في الخارج. أذكر هنا الجهد الاستثناني, إثر هجمة أغسطس 1975 من أجل توحيد صفوف المعارضة في الداخل والخارج (الجبهة الشعبية وجبهة التحرير وتنظيم البعث) للتحرك سياسياً في الخارج واستنهاض قوى الداخل ومعالجة أثار هجمة أغسطس. هنا تتجلى طبيعة أبو أمل ذات النزوع للتحالف والترفع عن الخلافات والممحاكات سواء داخل التنظيم, أو في الصف الوطني والقومي الأوسع.

مره أخرى تتجلى هذه الصفات, بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران في فبراير 1979, والصعود المتواصل للحركة الإسلامية الشيعية المعارضة. فبالرغم من إتخاذ التيار الإسلامي الشيعي المعارض حينها موقفاً سلبياً من تنظيمي اليسار (الجبهة الشعبية في البحرين وجبهة التحرير الوطني ـ البحرين) إلا أن أبو أمل دفع باتخاذ موقف عقلاني بصدر رحب, وتلقي سهام الأخوة دون الرد عليها.

بعد إخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت صيف 1982, تواجد في دمشق قيادات الخارج لكل من جبهة التحرير الوطني والجبهة الشعبية, وهنا كان دور أبو أمل في الدفع لتجاوز خلافات الماضي المريرة بين الجبهتين وتعاونهما إستناد الوثيقة العمل المشترك, وتطور هذا التعاون وصولاً إلى تشكيل التنسيق بين الجبهتين حيث جرى توحيد العلاقات الخارجية والإعلام وحقوق الإنسان والتي استمرت حتى 1999, حيث أسهم ذلك في إيصال قضيه شعب البحرين إلى العالم العربي والأجنبي, والتعاون مع قوى المعارضة الإسلامية وهو ما أسهم في انتصار قضيه شعب البحرين بتوافق إرادة الحاكم والشعب.

ويمكنني القول أنه ومنذ 1979, لعب دوراً حاسماً في التقارب بين الجبهة الشعبية في البحرين, والتيار الوطني اليساري عموماً من ناحية والتيار الإسلامي الشيعي المعارض من ناحية أخرى. واستمر في لعب هذا الدور بعد العودة إلى البحرين وهو على رأس جمعية العمل الوطني الديمقراطي, والذي أثمر التحالف الدستوري السداسي.


مناضل في الميدان:

رغم موقعة القيادي على رأس التنظيم في مختلف المراحل من 1976 حتى اليوم, فلم يكن أبو أمل في المواقع الآمنه, بل العكس فقد ظل في قلب المخاطر وفي ساحات النضال مباشره, ناضل في ظفار, وسط مخاطر الحرب, وناضل في ساحل عمان (الإمارات), لترتيب الصفوف الخلفية لدعم الثورة المسلحة سواء في عمان الداخل أو ظفار, وسط مخاطر الاعتقال بل والتصفية, وناضل في لبنان في عز الحرب الأهلية ومخاطر الموت الأعمى.

عاش شظف العيش كأي مناضل ولم تكن لعائلته أية إمتيازات سواء في البيت المتهالك في الحد, أو بيت الطين في حوف, أو شقه متواضعة في عدن, ولم يتوفر له بيت مريح نسبياً إلا في دمشق وبدعم من أسرته الوفيه. وأخيراً في البحرين حيث توفر له سكن لائق مؤخراً.

 عشنا معاً في المنافي نتقاسم آلام الغربة, ومشقة العيش, لعقود غلب عليها إنحسار العمل الوطني وتفرق المناضلين إلا من قله قليلة صابرة ثابرت على التواصل معنا ودعمنا, وأسرنا التي تحملت الكثير من أجلنا.


المناضل الكادح

في غمره النضال وشح الموارد المالية, علٌمنا أبو أمل الاعتماد على النفس والعمل لكسب العيش تحت أصعب الظروف. فكان مشروع الحقيقة برس بالتعاون مع المناضل الإنسان النائب زاهر الخطيب, ثم تأسيس دار الحضارة الحديثة مع الصديق هاني مندس, وأخيراً دار الكنوز الأدبية.

كان على رأس هذه المشاريع وفي ذات الوقت متعدد الأدوار, مؤلفا, وصافا للكتب, ومراجعا ومخرجا, ومسوقا. واستطاع أن يثبت دار الكنوز الأدبية من بيروت وفي تنافس شريف مع أرباب الدور العريقة, كواحدة من أهم دور النشر العربية. وقد أسهمت الدار في نشر نتاجات كتاب من الخليج وكتاب عرب ضد التيار الطاغي, ممن لم تكن الدور الأخرى لتخاطر بنشر نتاجاتهم.   

 


مناضل في قلب الحدث

لم يكن عبد الرحمن النعيمي ذلك الصنف من قيادات المعارضة الذي يقبل أن يكون في الخلفية الأمنه، ويعطي التوجيهات من بعيد.

كان عبد الرحمن ذلك القيادي المناضل الذي يقود العمل وسط المخاطر. وهكذا فقد كان عبد الرحمن يقود العمل في البحرين بعد تخرجه عام 1966، لإعادة بناء تنظيم حركة القوميين العرب، وبعد اعتقاله في 1968 انتقل إلى أبو ظبي، ليقود من هناك المكتب السياسي للحركة الثورية لتحرير عُمان والخليج العربي، وهو الجناح اليساري لتنظيم حركة القوميين في الخليج العربي. وعمل في أبو ظبي في إدارة الكهرباء والماء وهي ساحة خطرة في ضوء ملفه الأمني الموجود لدى المخابرات البريطانية التي تقود المخابرات في مختلف دول الخليج في ظل تعاون مخابرات المنطقة، بحيث أنه كان مرصوداً. وإذا أضفنا إلى ذلك الانهيارات التي تحدث وتسلل عناصر مخابرات إلى صفوف التنظيم الجديد الذي لا يمتلك خبرات جيدة، واستخدام الإمارات كمعبر للمناضلين وتهريب الأسلحة إلى عُمان الداخل للإعداد لتفجير الكفاح المسلح في عُمان الداخل والذي جرى في 12 يونيو 1970 والذي فشل فشلاً ذريعاً, لأدركنا حجم الخطر الذي يهدده. وهذا بالفعل ما حدث فقد جرى اعتقاله في أبو ظبي قس 10 اغسطس 1969، وضبط في شقته أسلحة وذخائر وحوكم وصدر الحكم عليه بتهمة الاعداد لتفجير المنصة في الاحتفال بتنصيب الشيخ زايد في 8 اغسطس 1969، وصدر الحكم عليه بالسجن 10 سنوات، رغم إن المخابرات تعرف جيداً إن الإمارات لم تكن مستهدفة في عمل الحركة الثورية بل كانت معبراً لعُمان. وقد زار أبوه المرحوم محمد النعيمي الشيخ زايد في مجلسه، وانتخاه لإطلاق سراح أبنه، واستجاب الشيخ زايد بأريحيته، وأطلق سراحه بعد 8 أشهر في السجن في أبريل 1970  ومرة أخرى لم يهرب من الساحة بل طلب الرجوع إلى البحرين حيث ينتظره خطر جسيم، لكن سلطات الأمن بقيادة هندرسون رفض رجوعه، وهكذا انتقل قسرياً إلى بيروت، الساحة الوحيدة حينها المفتوحة أمام المناضلين العرب.

مرة أخرى وبدل أن يستقر في بيروت حيث الأمان النسبي، ليعيش مع عائلته التي غاب عنها طوال فترة سجنه ولتلتئم العائلة مرة أخرى، لكنه انتقل قريباً إلى الساحة الساخنة ظفار.

حمل عائلته إلى حوف أقرب قرية إلى حدود ظفار، والقاعدة الخلفية للثورة العُمانية. وحوف أخطر من ظفار، حيث كانت عرضه للقصف المتكرر من الطيران البريطاني والبحرية العُمانية. لكن عبد الرحمن النعيمي أسكن عائلته مع عائلات الثوار العمانيين، وكان يغيب بالأشهر عنهم في عهدة الرفاق.

وهنا من المهم الإشادة بدور أم أمل مريم بنت عيسى التي تحملت مسؤوليات جسام سواء بوجود أبو أمل أو في غيابه.

لقد زرتها أيام كان معتقلاً في  القلعة بالبحرين في مارس 1968، بعد أن شارك في مؤتمر دبي حيث تم تأسيس الحركة الثورية في عُمان والخليج العربي ولن أنسى رباطة جأشها وإلى جانبها أمل الصغيرة التي قاسمت أمها ومعها أخوتها خالد ووليد وسلوى وعائشة حياة المخاطر والآلام والترحل والغربة.

أمل هذه عاشت حياه المنفى والترحل, وهي أكثر من عانى من إخوانها وأخواتها في ظفار, التحقت بمدارس الثورة التي كانت تديرها الراحلة الكبيرة ليلى فخرو, مثلها مثل باقي أطفال ظفار, في ظل الحرب والخطر.

أذكر هنا أن أبو أمل ربى أبناءه على الوطنية والكرامة والشجاعة. أمل وهي من سن 16 حسب ما أعتقد, توجهت إلى البحرين من سوريا حيث تعيش العائلة بورقة مرور يمنيه في محاولة للعودة إلى وطنها, مع إدراك حجم المخاطر المحيطة بذلك وإمكانية الانتقام من أبيها من خلالها. لكن مخابرات هندرسون اعتقلتها في المطار ثم أبعدتها إلى سوريا مثلها مثل العديد من المواطنين البحرينيين حينها.   

قدر لي أن أعايش أم أمل في محطات المنافي المختلفة في أبو ظبي، في بيروت في عدن في حوف، وأخيراً في سوريا قبل العودة إلى البحرين.

في كل هذه المحطات كنت أعتبر بيت أبو أمل وأم أمل بيتي، وبالفعل سكنت في بيتهم في سوريا لأكثر من سنتين.

في عدن كان بيتها مزاراً للمناضلين في صفوف الثورة العُمانية من عُمانيين وبحرينيين وعرب. وبالطبع الأصدقاء اليمنيين وعائلاتهم.

ورغم محدودية مخصصات الجبهة فقد كانت تتقاسم معهم المقسوم.

في حوف حيث المحطة الأخطر، كانت عائلة النعيمي أم أمل وأمل وخالد ووليد تتقاسم بيتاً طينياً مع عائلة حسن رجب. حوف من أخطر مواقع الجبهة، وقد تعرضت أثناء وجود عائلة أبو أمل فيها لأكثر من غارة جوية وبحرية واستشهد فيها العديدين وجرح الكثيرين من مقاتلي الجبهة والمواطنين العُمانيين واليمنيين العاديين.

وتحت الإلحاح الشديد من قيادة الحركة الثورية والجبهة الشعبية وافق أبو أمل على نقلهم إلى عدن حيث استقروا حتى انتقال أبو أمل إلى دمشق.

نعم كانت دمشق محطة أمنة، ولكن ليس الأمان الكافي، ففي سبتمبر 1990 جرى اعتقاله من قبل المخابرات السورية بعد إن اتخذت الجبهة الشعبية في البحرين موقفاً حازماً ضد الاصطفاف العربي وراء القيادة الأمريكية لما يدعي بتحرير الكويت، والحقيقة أن الجبهة رفضت وأدانت الغزو العراقي للكويت، لكنها أصرت على اعتبارها قضية عربية يجب حلها عربياً. وكان أبو أمل من أعلى الأصوات العربية إدانة للتواطئ العربي مع الأمريكان، ووقع عدد من الشخصيات العربية البارزة مثل جورج حبش مذكرة موجهة إلى الرئيس السوفيتي الأسبق جورباتشوف قبيل اجتماعه مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجن في مالطا ضمن الجهود الأميركية لتشكيل اصطفاف دولي قبيل اجتياح الكويت وجزء من العراق، يطالبونه فيها بالوقوف ضد الحرب الأميركية المرتقبة.

كما إن اجتماعاً لحركات التحرر العربية المتواجدة في دمشق قد عقد  في مكتب الجبهة الشعبية في البحرين في دمشق لمناقشة الموقف من الحرب المرتقبة وكان موقف الجبهة كما عبر عنه أبو أمل واضحاً وهو معارضة التورط السوري في هذه الحرب والتواطئ العربي وراء القيادة الأمريكية، وقد عرفنا لاحقاً إن أحد البعثيين العراقيين، نقل تقريراً كاملاً بمجريات الاجتماع وموقف أبو أمل في الاجتماع. وبعد 3 أيام جرى اعتقال أبو أمل واستمر اعتقاله حتى 2 سبتمبر في فرع فلسطين للمخابرات وسجنه لأكثر من 6 أشهر. عمدت المخابرات السورية إلى تعريضه لتعذيب نفساني وحاولت مساومته بإصدار تصريح يناقض مع موقفه ويدعم الموقف السوري لكنه رفض باباء. وبقي في السجن 6 أشهر، وقد تدخلت قيادات عربية منها الدكتور جورج حبش وأحمد جبريل وجلال الطلباني وحسن علوي لإطلاق سراحه. وهنا أود أن أشيد بموقف الصديق حسن العلوي، والذي رغم كونه قيادياً عراقياً معارضاً يختلف مع أبو أمل من موقفه تجاه الحدث الكارثه، إلا أنه عمل بإصرار ومثابرة مستثمراً علاقاته الجيدة مع القيادة السورية وخصوصاً قائد المخابرات العسكرية العميد حسن خليل، ونجح في اقناعهم بإطلاق سراحه، وأخذه في سيارته من مكتب العميد حسن خليل إلى بيته، والذي شهد حواراً ونقاشاً بين الثلاثة، عرفنا من خلاله أن السوريين يضيقون ذرعاً بمواقف الحبهة العربية, ولامانع لديهم من استمرار وجودنا بدمشق ولكن بالاقتصار على الشأن البحريني, أثناء محنه الستة أشهر كنت وسائر الرفاق على تواصل مع أم أمل والعائلة, وقد ساعدنا الدكتور محمود ضرغام, عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في الحصول على تراخيص زيارة لأم أمل فقط. كنت أرافقها إلى فرع فلسطين التابع للأمن السياسي.

مره أخرى أظهرت أم أمل رباطه جاش وصبر طوال الستة أشهر. لن أنسى موقفاً مؤثراً, لقد ذهبت مع أم أمل لزيارته خلال إجازة 14 أكتوبر في ذكرى حرب أكتوبر بترتيب من د. محمود ضرغام, وفوجئنا برفض الزيارة, وعندما استفسرنا اجبنا بأن الرفاق في المخابرات سيخرجون في مسيره, وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى خرج المئات يهتفون للحزب والقائد والثورة. وضعت وجهي بين يدي وأنتحبت لهذه المفارقة المحزنه. لكن أم أمل هدأت من روعي بكلماتها القوية المشجعة.. أخذتتنا سيارة يقودها عنصر مخابرات إلى بيت أبو أمل وفي الطريق أفرغت غضبي على المخابرات لغدرهم بأبو أمل وهو ضيف على بلادهم وأم أمل تحاول تهدئتي خوفاً عليٌ من مصير مشابه لأبو أمل.

أم أمل في مختلف مراحل المنفى ومحطاته, رعت أبنائها وبناتها وربتهم مع أبيهم على القناعة والصبر والوطنية. ليس فقط أبنائها بل تربى على يديها الكثير من الطلبه في عدن ودمشق من خلال مجالستها والتعامل معها.

وهاهم أبناء وبنات النعيمي ورغم الظروف الصعبه قد درسوا وتخرجوا من الجامعات بتفوق فمنهم الصحفية الإداريه أمل, وأختصاصي تقنية المعلومات خالد, والطبيبة الإختصاصية سلوى, والإداري وليد والإخصائية الاجتماعية عائشة, وجميعهم متزوجون وكونوا عائلات سعيدة ومستقره.

أبو أمل والأبناء والبنات عادوا إلى البحرين, وبقي بيت أبو أمل مجلساً للمناضلين والأصداقاء من مختلف الاتجاهات ولكن بأعداد أكبر بكثير. وبقيت أم أمل تستقبل المناضلين والأصداقاء والأهل دون تبرم, رغم ما فعلته المعانات والزمن بها, لذى كان تكريم الرفاق لها خلال الأسبوع الأول ضمن حفل تكريم العائدين, للفته وفاء وإنسانية.

 

 أثناء اعتقاله في سوريا كون أبو أمل صداقات حميمة مع الموقوفين السياسيين من العرب فقد كان فرع فلسطين للمخابرات السياسية مخصصاً للمعتقلين العرب, من الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين. بحكم حصوله على بعض الإمدادات فقد كان يتقاسم ما يصله من أكل وملابس مع زملائه.

بعد خروجه من المعتقل حرص أبو أمل على زيارة عائلاتهم فمنهم من هو في سوريا  ومنهم من هو في لبنان وبحكم كوني مرافقاً له في العديد من زياراته لهم في لبنان ومخيمات الفلسطينيين هناك فقد تعرفت على بعضهم وأدركت مدى أهمية العلاقة التي أقامها معهم واستطرداً علاقات عائلية مع عائلاتهم.

 


العودة إلى الوطن ! استمرار للنهج

عدنا مجموعة من المنفيين على نفس طائرة الخليج مساء 28 فبراير 2001م ليله لم تشهد البحرين فرحه مثلها في تاريخها. فرصة ضائعة أخرى للتأسيس لوحده وطنية حقيقية ودولة كل المواطنين. وفر الرفاق لأبو أمل بيتاً في عراد الجديدة تحول إلى مقر للجبهة الشعبية والحركة الوطنية. عبر شعب البحرين بمختلف اتجاهاته وأطيافه من مدنه وقراه عن حبه وامتنانه لأبو أمل ورفاقه العائدين, ولكن كان له مكانه مميزه تطلعت إليه قواعد الجبهة الشعبية, وقواعد التيار الديمقراطي وقيادات المعارضة الإسلامية أيضاً, ليسهم في رسم معالم المرحلة المقبلة.

كان هناك مشروع التجمع الوطني الديمقراطي المطروح منذ سنتين لتوحيد التيار الديمقراطي, الشعبية والتحرير والبعث والعناصر الديمقراطية المستقلة وما أكثرها. وشكل مجلس مساء الأربعاء ندوه وطنية حيث تمتلئ الخيمة في الأيام الأولى ثم المجلس عن أخره, وحيث يجري التداول في همومهم وآمال الوطن, وحيث العشرات من القيادات والشخصيات تجد فيه منبرها بمن في ذلك المهشمون أو المغضوب عليهم مثل ما يسمى جماعة السفارة .

موقف أبو أمل هو إدراك واعٍ للمتغيرات الكبيرة وأن مرحلة جديدة قد بدأت وظروف إستجدت مما يتطلب أدوات نضالية جديدة ورؤية جديدة وبرنامج جديد. من هنا طرحه شعار لنحرق سفننا ونركب سفينة التيار الديمقراطي الموحد, التجمع الوطني الديمقراطي وإذا كان المرحوم جاسم فخرو هو رمز المشروع الكبير والجريء فقد كان أبو أمل الدينمو وجاء تصريحه "لقد وضعنا الجبهة الشعبية في ثلاجة" ليستثير ضده الكثيرين. البعض من باب الغيرة والبعض الأخر من باب الانتهازية والمزايدة, وهم الذين انقلبوا لاحقاً على مشروع التجمع وعلى مشروع جمعية العمل الوطني الديمقراطي, وعلى مناضلي الجبهة الشعبية, العمود الفقري لجمعية العمل, بل وارتدوا عن الصف الوطني إلى صف الارتزاق. بذل أبو أمل وقيادات الجبهة جهود جبارة لتوحيد اليسار ممثلاً في مشروع جمعية العمل الوطني الديمقراطي, ولكن لم يدرك البعض خطورة المشروع وأهميته وتمسكوا بالماضي، كما جاء القرآن الكريم "كل حزب بما لديهم فرحون". وجاءت وفاه المرحوم جاسم فخرو لتشكل طعنه أخرى في المشروع الحلم.

على امتداد الفترة منذ تأسيس جمعية العمل سبتمبر 2001م حتى المؤتمر الثاني لجمعية العمل في25 مارس 2005, قاد أبو أمل جمعية العمل الوطني الديمقراطي كتحالف لقوى ديمقراطية تضم الإسلامي المتدين والعلماني المتحرر. رأس أول مجلس إدارة يضم مناضلين من خلفيات مختلفة وطبقات مختلفة ومن المذهبين وكان شعاره تعويم الايدولوجيا اليسارية, وأن الحكم هو البرنامج, فكان بحق برنامجاً طموحاً لوحده التيار الديمقراطي, ولوطن المستقبل.

 

دور أبو أمل في توحيد صفوف المعارضة معروف, وقد عبر الشيخ علي سلمان أمين عام جمعية الوفاق, عن حزنه عندما أصر أبو أمل على عدم الترشيح للمكتب السياسي لجمعية العمل الوطني الديمقراطي في المؤتمرالثاني, بقوله "سوف نفتقد أبو أمل المناضل المبدأي, الذي لا يتردد عن مواجهتنا بأخطائنا, سوف نفتقد المحاور الحريص على المصلحة العامة". عمل بدأب على تشكيل تحالف المعارضة من الجمعيات الست (الوفاق, العمل, المنبر الديمقراطي, والتجمع القومي, العمل الإسلامي و الوسط العربي الإسلامي وشخصيات وطنيه عديدة).

كان دور وعد محورياً في إقامة التحالف واستمراره ولو إلى حين فكانت وعد القاسم المشترك بين الفرقاء المتحالفين, وكان دور أبو أمل حاسماً على رأس وعد فإلى جانب دور وعد كان أبو أمل بشخصيته المنفتحة وحميمة علاقاته مع قيادات المعارضة واستعداده للحوار والعمل الدءوب بصبر وأناة وديناميكية عاملاً مهماً في قيام واستمرار تكتل المعارضة للانقلاب على الدستور في فبراير 2002م. قاوم إغراءات السلطة ووعيدها وللأسف لم يدرك البعض خطورة الخروج على الصف وهكذا تبقت أربع جمعيات من ست متمسكة بمعارضة الدستور المنحة وما يترتب عليه وأخطرها السلطة التشريعية المنقوصة. عمل أبو أمل بدأب وصبر وحنكه مع قيادات وعد والجمعيات المتحالفة الثلاث في قيادة سفينة التحالف, دفع الكثير من جهد وعد وجهده الشخصي ووقته للتوفيق بين الفرقاء, وفي ذات الوقت تجاوز الخلافات مع الجمعيتين الوطنيتين الأخريتين (المنبر التقدمي والوسط) ولذى فقد شعر الحلفاء بفراغ تركه قيادة التحالف, لكن ما يعوض ذلك هو أن وعد تنظيم يقوم على العمل المؤسسة وليس الأفراد.

 


رجل العمل المؤسسي

تخلى أبو أمل عن موقعه القيادي كأمين عام لوعد, رغم إلحاح مناضلي ومناضلات (وعد) عليه, ليس هروباً من المسؤولية التي تحملها في ظروف المخاطر, بل لتكريس نهج صحيح, وهو ضرورة تجديد الدماء وعدم التشبث بالموقع القيادي كإرث شخصي, وتداول المسؤولية. وقد أشاد مراراً بخلفه الأستاذ إبراهيم شريف, الأمين العام للمكتب السياسي لوعد في ذات الوقت قبل المسؤولية في موقع أخر وهو رئاسة اللجنة المركزية لوعد, والتي أسهم في تعزيز صلاحياتها وقيام أعضائها بمسؤولياتهم حتى لا يتحول تنظيم (وعد) إلى قيادة مطلقة تتبعها قواعد سائبه.

أضحت اللجنة المركزية مؤسسة مهمة تربط ما بين المكتب السياسي وقواعد (وعد). وبهذا فقد خطت جمعية العمل خطوه مهمة لمؤسسة العمل, واستمرار فيه حتى في غياب قيادات مهمة.

 


مرشح الشعب كله

قررت جمعية العمل خوض الانتخابات النيابية والبلدية لعام 2006م بعد مخاض عسير وطويل ومن خلال عمليه ديمقراطية وشفافة, خلال هذه العملية ورغم أن أبو أمل كان من المؤيدين للمشاركة في الانتخابات, إلا أنه سلك سلوكاً حيادياً على رأس اللجنة المركزية, ورغم ما يتمتع به من نفوذ معنوي إلا أنه حرص وباقي أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي, على أن تأخذ عملية اتخاذ القرار مداها. بحيث لا تخرج (وعد) بعد اتخاذ القرار منقسمة بل موحده, وهو ما كان بعد اتخاذ القرار, جرى إختيار مرشحي (وعد) للانتخابات النيابية والبلدية من خلال عملية ديمقراطية شفافة. مره أخرى مانع أبو أمل في ترشيح نفسه, وهو ماله من مكانه في صفوف أبناء شعب البحرين كله. لكنه وأمام إصرار (وعد) وقوى المعارضة, وأبناء الشعب عموماً, ترشح في الدائرة الرابعة للمحرق وقلالي, وقاد قائمة (وعد) تحت شعار "خيارنا التغيير فليكن خيارك" واستناداً إلى برنامج صاغته (وعد) بمختلف هيئاتها, وعلى امتداد شهرين حاسمين خاض أبو أمل معركة الانتخابات في واحده من سلسله المعارك التي خاضها.

ورغم ثقل السنين وصحته المتعثرة, وشراسة خصومه وإنحياز الحكم ضده وضد قائمة (وعد), فقد خاض معركة الانتخابات بأخلاق الفرسان الشجعان, لذلك أطلق عليه محبيه "فارس الوطنية".

تعرض أبو أمل ومرشحه (وعد) د. منيرة فخرو إلى حمله ظالمه من التشهير والتعريض بمختلف الأساليب القذرة, وبمشاركة جهات نافذة, كما أن الحكم زج بإمكانيات كبيرة ضد (وعد) وخصوصاً المرشح أبو أمل, ومن ذلك الأصوات التي صبت ضده في مراكز الاقتراع العامة.

النتيجة التي حققها أبو أمل في الانتخابات مبهره فقد تجاوز منافسه السيد عيسى أبو الفتح بمئات الأصوات التي أدلى بها الناخبون في مركز اقتراع الدائرة, لكن الانقلاب جاء من أصوات ناخبي مراكز الاقتراع العامة, والقصة معروفة.    

لكن الأهم هو أن أبو أمل لم يكن مرشح (وعد) وحدها ولم يكن مرشح الدائرة الرابعة في المحرق وقلالي, بل كان مرشح جميع القوى الوطنية والديمقراطية, ومرشح شعب البحرين بأسره.

هكذا تجلى الأمر واضحاً في مهرجانات واجتماعات أبو أمل الانتخابية الآلاف تحتشد من مختلف مناطق البحرين, والعديد من الشخصيات الوطنية تتبارى للخطابة في هذه المهرجانات, وهو بدوره كان يتنقل من مهرجان لأخر لمرشحي التحالف الوطني الإسلامي فكان رصيداً لهؤلاء المرشحين. فاز أبو أمل بثقة الشعب وثقة أبناء دائرته كجزء من هذا الشعب وإن خسر الانتخابات, لكن ذلك لم يخلف لديه إحباطاً أو مراره, وأصل جهاده كمناضل عادي يقوم بأبسط المهام حتى اعقدها, لم يغير تخليه عن قيادة (وعد), ولا خسارته للانتخابات النيابية من مكانته البارزة في صفوف (وعد), وفي صفوف المعارضة وفي أوساط شعب البحرين.

كثيرون نصحوه بالتخفيف من نشاطه ومراعاة صحته, لكنه لم يكن يبالي, إلى أن وقع المحذور, وهو الآن على الفراش الأبيض, حيث قلوب محبيه معه تتطلع إلى شفائه وتتضرع إلى الله أن يعود إليهم ليواصل عطاءه.



نشرة الديمقراطي - العدد 38 - إبريل / مايو

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro