English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

صحافة الدكاكين
القسم : عام

| |
2007-05-17 00:52:39


 

قبل فترة علمنا بحصول صحيفتين جديديتين على ترخيص من وزارة الإعلام بالصدور، الأولى باسم "النبأ" والثانية باسم "البلد"، وحال علمهم بذلك لم يسأل الناس عن هوية هاتين الصحيفتين ولا عن ما تملكانه من إمكانيات مادية وبشرية وتحريرية، وإنما كان السؤال الذي تداولته الألسن في وقت واحد هو:

ـ هل تستوعب البحرين صحفاً جديدة؟

وبعبارة أخرى ما هي فائدة ولزومية صدور صحف جديدة.

وهنا تتراكم التساؤلات وتتزايد المحاولات الهادفة لمعرفة معلومات إضافية عن هذه الصحف الجديدة.

ـ فالمعروف أن الصحيفة تحمل رسالة وأن صدورها هدفه نشر هذه الرسالة والترويج لها وأن هذه الرسالة هي عبارة عن مبادىء عامة تعمل الصحيفة على تبنيها والدفاع عنها وتتعلق بالحقوق والحريات وتحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وغيرها، فهل الصحف الجديدة هدفها تبني رسالة ومبادىء معينة؟

ـ والمعروف أيضاً أن الصحافة في الدول المتقدمة هي صحافة مؤسسات، تدار بنظام المؤسسة ومن خلال أقسام ودوائر مستقلة ومتخصصة لا تداخل بينها ولا فرض لإرادة فردية معينة عليها، فهل صحافتنا الجديدة هي كذلك؟.

ـ والمعروف كذلك أن كل صحيفة تنافس الأخرى في أن تكون صحيفة الناس، كل الناس، ليست صحيفة الفقراء وحدهم ولا التجار وحدهم ولا الحكومة دون سواها ولا تيار سياسي معين وإنما هي تعمل على أن تصبح المرآه العاكسة لكل هؤلاء وكل مؤسسات المجتمع وفئاته، فهي تصل إليهم كي يجدوا أنفسهم بين صفحاتها، فهل تنوي صحافتنا الجديدة أن تكون هذه المرآه وأن تعبر عن هموم وتطلعات كل فرد في المجتمع؟.

ـ أفاد استطلاع للرأي اجري مؤخراً أن 88% من القراء (العينة) يعتقدون أن المواد الصحفية في الصحف الحالية مكررة وبالتالي فإن نجاح الصحف الجديدة في استقطاب شريحة من القراء الحاليين والجدد يعتمد على مدى تميز هذه الصحف واختلافها عن الحالية في المحتوى والتوجيهات فهل تتوقع أن تصدر بثوب مختلف ومحتوى متميز.

ـ يتزامن الإعلان عن الترخيص للصحيفتين الجديدتين مع اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 مايو) والذي جاءت تقاريره هذا العام كما هو الحال في الأعوام الأربعة السابقة لتشير إلى تراجع حرية الصحافة في البحرين ولتؤكد على أن صحافة البحرين لا تتمتع بالحرية المتعارف عليها عالمياً وأن الكويت وحدها من الدول العربية التي تتمتع صحافتها بشبه حرية.

وبما أن حرية الصحافة هي واحدة من حقوق الإنسان التي تصان وتزدهر في الدول الديمقراطية فإن هذه الحرية تدعم بمدى استقلالية الصحافة عن السلطة التنفيذية وتوفر درجة عالية من الشفافية وحرية غير محدودة للتعبير هن الرأي واحترام كامل للرأي الآخر وسعيها للبحث عن الحقيقة من خلال النقد والإصلاح وفضح ومحاربة الفساد وحماية المال العام فإن القارىء ينتظر من الصحافة الجديدة أن تكون إضافة جديدة لصحافة الديمقراطية وليست نسخاً من الصحافة القائمة والتي يمكننا تسمية معظمها بصحافة الدكاكين.

ومقابل ما ذكرناه من مواصفات لصحافة المؤسسات والديمقراطية فإن صحافة الدكاكين هي التي نراها تصدر اليوم في صورة دكان أو صحيفة دكانية مكوناتها ما يلي:

ـ فالدكان عادة ما يكون له صاحب هو المالك وهو الآمر الناهي لكل ما يباع ويشترى ولكل من يعمل، هو الذي يحدد أنواع السلع وأسعارها ومصادرها وبالتالي يختار زبائنه وهو الذي يختار أوقات عمل الدكان وجنسيات وأجور وامتيازات وحقوق العاملين والباعة وهو يتعامل مع الجميع على أنه يملك ويتحكم وأن العاملين يشتغلون عنده شخصياً وليس في الدكان والمشترين يأتون لشراء البضاعة التي يعرضها هو وحسب اختياره وقناعته هو وليس أي شخص آخر فما يعرض هو الأفضل والأجود.

 وبتطبيق تعريف الدكان هذا على عدد من الصحف القائمة نجد أن كل صحيفة يهيمن عليها شخص معين غالباً ما يكون رئيس التحرير وتزداد هيمنة وتحكم هذا الشخص عندما يجمع بين منصبي رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة أو أنه قد حصل على تفويض من مجلس الإدارة بأن يتصرف في إدارة وتحرير الصحيفة كما يشاء دون أن يكون لمجلس الإدارة حق التدخل أو الاعتراض أو حتى السؤال إلا في الاجتماع السنوي للمجلس.

ووفقاً لهذا المفهوم ولما هو سائد فهذا الشخص يتصرف بصفته صاحب الجريدة أو صاحب الدكان بيده تعيين كل الأشخاص وتحديد أوضاعهم المعاشية فهذا بمعاش كامل وذاك بالقطعة، وهذا يتقاضى كذا والآخر لا يستحق إلا المبلغ الفلاني، وفي كل الحالات فالرضا والمحسوبية والمزاجية هي المعايير التي تتدخل في التعيين وتولي المراكز الرئيسية, والتبعية والطاعة وعدم الاختلاف ونسيان الانتقاد والاعتراض متطلبات أساسية في نيل الرواتب المجزية والزيادات والامتيازات، أما الذي يتصرف بعكس ذلك فموقعه هامشي وبقائه قصير.

 وغير ذلك فهو لا يدير التحرير فقط. وإنما يدير الصحيفة والمؤسسة كلها، يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، هو عليم بكل ما ينشر وعلى إطلاع بوضع الإعلان وأقسام الصف والإخراج والتسويق والتوزيع، فلا علبة تشتري إلا بعلمه ولا كرسي يحرك في قاعة التحرير إلا بموافقته وبناء عليه فمزاجه ورأيه ومعتقداته السياسية والتجارية والشخصية هي المعايير التي يتبعها في الإدارة والتحرير، فليس هناك نظام للتعيين والترقي ولا مواصفات لتولي المسئوليات والمراكز فهو وحده الذي يفهم كل شيء ويسمح بما يريد ويمنع ما لا يريد ويوافق على توظيف هذا الشخص ويرفض غيره ويحدد كم يدفع ويقبل من يشاء وقتما يشاء، وبالتالي فأنظمة العمل المعروفة في المؤسسات التجارية وغيرها غير موجودة ولا معترف بها في صحافتنا لأنها تسير بأعراف الدكاكين وليس بأنظمة المؤسسات.

 

 

 هذه هي الصورة العامة لصحافة الدكاكين وبإعطاء بعض التفاصيل والأمثلة اللازمة لجعل الصورة أكثر وضوحاً وتحديداً نورد ما يلي:

ـ أحدهم لا علاقة له بالصحافة وإنما دخلها من باب المال والنفوذ عمل هذا الشخص على إزاحة كل من سبقه مستغلاً كره المسئولين للمتمردين على الأوامر وغير الموالين وكسب أعضاء مجلس الإدارة من جانب آخر، بضخ المال في جيوبهم عندما يسألون أو يعترضون معتبرها أفضل وسيلة للاسكات والموافقة.

ولتأكيد نفوذه وانسيابية أهدافه وكتمان أعماله حرص على الاعتماد على مرتزقة أجانب في التحرير والإدارة والمالية امضوا سنوات طويلة في قراءة أفكاره وأهدافه وتنفيذها وهم يفعلون ذلك بضمان نيلهم حصصاً متفاوته الحجم من كعكعة خيرات صحيفة الدكان.

 وفي ذات السياق فالذين يعملون معه عليهم أن يحافظوا على وظائفهم بتأكيد تبعيتهم وطاعتهم العمياء له شخصياً ومباشرة وإظهار حبهم وإعجابهم بالأذرع التي يعتمد عليها في التحرير والإدارة ويتعاملون بحذر ومجاملات ونفاق مع هؤلاء وغيرهم من العيون والآذان الموظفة للتعرف على المختلفين أو الراغبين في التطوير والتخلص منهم.

فصاحب الدكان ومعه اذرعه في التحرير يعتقدون أن التطوير يعني أن الموجود حالياً متخلف وبما أنهم الذين أوجدوا ورعوا الواقع الحالي فالدعوة للتطوير هي اتهام لهم بالتخلف، ولذلك فشعارهم هو لا للتطوير وليس هناك أفضل منا ومما لدينا.

صاحب الدكان هذا دأب على فتح درج مكتبه وإخراج ميزانية صحيفة دكانية أخرى يتبين منها وجود عجز مالي فادح ويطالب تلك الصحيفة بالشفافية ونشر ميزانيتها لكنه لا يطالب نفسه بالشيء ذاته ولا يسمح لأحد حتى بسؤاله عن أرقام توزيع جريدته.

ـ مثال آخر لصحيفة دكانية، هذه المرة رئيس التحرير ليس هو صاحب الدكان وإنما هو واجهة لشخص آخر يجلس وراء الكواليس ويحرك خيوط العمل واللعبة باعتباره هو المالك الحقيقي والأقوى بعد أن استولى على العدد الأكبر من الأسهم وباع امتياز الإعلان على شركة تابعة له وأصبح اليوم كما كان عندما احتل الواجهة هو كل شيء رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير والمدير العام وكل شيء، بيده التعيين ولكن الاقالات وأغلبها تعسفية وتتعلق بحرية الرأي التي لا تسمح الجريدة بدخولها، هذه الاقالات تتم بطريقة غير مباشرة وبالإيعاز إلى الشئون الإدارية.

هذا المتحكم الحقيقي والقابع في الظل دعم نفوذه بالسيطرة على أي كيان للجسم الصحفي ظناً منه أن فقدان السيطرة على هذا الكيان من شأنه أن يمكن الصحفيين من ممارسة حريتهم في اختيار ممثليهم ورفع مطالبهم المتعلقة بضمان الحقوق وحماية أنفسهم من التعسف وحرياتهم من الانتهاك والقمع.

كما أن هذه السيطرة تمكنه من مواصلة تصفية حساباته مع خصومه السياسيين والمهنيين آملاً أن يثبت للمسئولين أنه الأفضل والأكثر إخلاصا لهم فيجزلون له العطايا أكثر مما اجزلوا وأعطوه من خيرات المملكة الوفيره.

ـ المثال الآخر هو أيضاً من أولئك الذين تولوا رئاسة التحرير هكذا فجأة ودون مقدمات تجعل لهم أي ارتباط بالصحافة، وما أن جلس على كرسي رئاسة التحرير ووجد أن المساهمين في الشركة المالكة للصحيفة وأعضاء مجلس الإدارة كلهم تجار ولا يفقهون شيئاً في الصحافة ولا وقت لهم لمعرفة ما يدور في كواليسها حتى أخذ على مجلس الإدارة تعهداً بأن يتولى وحده إدارة الصحيفة بالكامل ولا يحق لأحد منهم التدخل أو التوسط أو الاعتراض على قراراته، وبناء عليه انتهج سياسة طائفية مغلفة وأسلوباً لئيماً في التعامل مع الكتاب والصحفيين يقضي بإظهار ما لا يبطن وأسلوب آخر في التخلص مع كل الكفاءات التي تعترض أو تتخذ نهجاً مستقلاً أو مخالفاً لتوجهاته أو تبدو في إنجازاتها أكثر بروزاً منه وأكثر مهنية وخبرة بالعمل الصحفي.

ولأنه صاحب الدكان الذي يتحكم في كل أقسامه والبضائع المصفوفة على رفوفه وأن على الآخرين أن يطلعوه على كل كلمة وكل رقم وكل خطوة فقد قام خلال السنوات القليلة من عمر الصحيفة بانتهاج أسلوب واحد في التخلص من عدد كبير من الصحفيين والكتاب والفنيين والإداريين, أسلوب تميز بإرغام الشخص على تقديم استقالته بنفسه وبالتالي يبدو هو أمام الآخرين بريئاً والمستقيلين مسئولون عن تقديم استقالاتهم..                 

-  المثال الأخير هو صحيفة الدكان الرسمي حيث تولت جهة رسمية عملية التأسيس والتمويل والتعيين على أن تقوم الصحيفة أو الدكان الصحفي بتنفيذ توجيهات الجهة الرسمية التي رصدت لها أكبر رأسمال في تاريخ صحافة البحرين ودعماً مالياً منتظماً جعل رئيس مجلس إدارة صحيفة أخرى يطالب الصحف بنشر ميزانياتها وإطلاع الجمهور على الإيرادات والمصروفات لكن طلبه هذا كان مصيره التجاهل..

الأكثر من ذلك أن دكان الصحيفة المذكورة أختص ببيع بضاعة طائفية والترويج لمنتجيها باعتبارهم منافسين لمنتجي بضاعة طائفية أخرى يتولى ترويجها دكان صحفي تم افتتاحه في وقت سابق, وكأن الجهة الرسمية النابذة للطائفية ظاهرياً قد دعمتها عملياً ومن خلال الدكان الصحفي الرسمي.

وقبل أن ننتقل إلى الحديث عن بديل صحافة الدكاكين أود الإشارة إلى أن الجهات الرسمية كثيراً ما أشادت بالصحافة المحلية وبتمتعها بالموضوعية والمسئولية والنقد البناء وتحري الدقة فيما تنشر والتمسك بالعادات والتقاليد وغيرها من "أخلاقيات المهنة" التي تعني بكلمة واحدة الموالاة..

والواقع أن صحافة الدكاكين موالية بدرجات متفاوتة وأن بعضها قد لا ينتهج الموالاة أيماناً أو اقتناعاً بها وإنما هي تفعل ذلك اتقاء لما قد تواجه به من معاملة سيئة حين تدير ظهرها للموالاة و إنها تتبع ذلك أيضاً حماية لمصالح صاحب الدكان, فالاستناد على جدار نفوذ يساهم في القضاء على الشفافية ويتيح لصاحب الدكان العمل بعيداً عن القانون و عن الإيفاء بالحقوق والتعرض للمساءلة.    

وانه طمساً للشفافية وعدم كشف المغطى فان صحافة الدكاكين تتعمد عدم إجراء استطلاعات للرأي العام تتعلق بآراء القراء حول الصحيفة نفسها وهي الاستطلاعات التي عادة ما توكل إلى جهات متخصصة ومستقلة وتؤدي إلى معرفة موقف الرأي العام من الجريدة شكلاً ومضموناً ورأي الناس في الصحفيين والكتاب والمادة الصحفية والسياسة العامة وشكل الصحيفة ومن ثم في الخدمة الصحفية التي تقدمها ويعتقد أصحاب صحافة الدكاكين أن إجراء مثل هذه الاستطلاعات الشفافة من شأنه كشف النواقص وفضح العيوب ومن ثم عزوف القراء والمعلنين عن هذه الصحف, ولأنها تعاني من المرض ذاته فإنها تتفق كلها على عدم إجراء استطلاعات الرأي.

وعودة إلى بدء فان الصحيفتين المنتظر صدورهما وربما صحف أخرى يتم الترخيص لها في المستقبل, هذه الصحف قد تضاف إلى قائمة صحافة الدكاكين أو تؤسس لنموذج جديد ومختلف من الصحافة المتعارف عليها في دول كثيرة وأعني بها صحافة المؤسسات, والفرق شاسع بين صحافة المؤسسات وصحافة الدكاكين:

- لصحافة المؤسسات سياسة ثابتة وواضحة باعتبارها صحافة الناس كل الناس والتي تقوم بدور الوسيط المعبر عن رأي الجميع والناقل الموصل لرأي الناس إلى الجهة الرسمية والعكس صحيح, وهذه السياسة تعتمد على حرية الرأي والتعبير ولا تتغير بتغير الأشخاص في هذه الصحف والذين عادة ما يكونون كثيرين ويتحملون مسؤوليات مختلفة ومتخصصة وليس هناك تعارض ولا تداخل بين مهماتهم بل أن في الصحيفة الواحدة أكثر من رئيس تحرير وأكثر من مدير تحرير..    

وفي المقابل فأن لصحافة الدكاكين سياسة غامضة ومتغيرة حسب تغير مزاج ومصلحة صاحب الدكان, وبالتالي فلا أحد يعرف هذه السياسة إلا هو وعلى الجميع أن يعودوا إليه لمعرفة ماذا يكتبون وماذا ينشرون من أخبار ومقابلات ومواد صحفية أخرى, فكلمته هي الفصل وتوجيهاته هي الصحيحة وغير قابلة للنقض أو النقاش..

- وفي صحافة المؤسسات الصحفي والكاتب يتمتع بالحرية والاستقلالية فيما يكتب وما يعبر عنه من رأي, من يجري مقابلة معه وما ينشر من تحليل ونقد حوله, والصحيفة المؤسساتية تنافس الصحف الأخرى بما تحققه من سبق صحفي وما تكشفه من فضائح الفساد وما تكشف عنه من معلومات تهم أغلبية الناس وهي في هذا لا تحسب حساباً لأي جهة وتفعل ذلك تجسيداً لمسئوليتها أمام الرأي العام كي تكشف الحقائق وتحاسب المقصرين والمتقاعدين والمفسدين, وفي صحافة الدكاكين لا حرية ولا استقلالية إلا بقدر ما يسمح به صاحب الدكان, فإذا تعارضت هذه الحرية أو الاستقلالية مع مصالح وصداقات وعلاقات صاحب الصحيفة قام بإلقائها في البحر وبرر ذلك بالقول: من قال أن لدينا حرية رأي في هذا البلد, هذه أوهام تعيشون فيها, أو بقول مخفف آخر: لنؤجل هذا الموضوع بعض الوقت وإلى أن يحين الوقت المناسب لطرحه, وبالطبع فالوقت المناسب لن يحين أبداً.

- في المؤسسة الصحفية كما هو الحال في المؤسسة الصناعية أو التجارية أو غيرها هناك نظام عمل يقوم على توصيف وتصنيف الوظائف وعلى تحديد درجات وأجور وحوافز وترقيات لها, كما يحمي هذا النظام الحقوق ويقدم الضمانات لاستقرار الموظف ويؤكد على المساواة وعلى تكافؤ الفرص, وعلى أن الكفاءة والخبرة والتخصص هي معايير التعيين وتبؤ المراكز والترقيات, كما أن هذا النظام يعني بالتمهين والتطوير والتدريب ويضع الخطط والبرامج اللازمة لذلك, فصقل الإنسان والارتقاء بمستواه وتعزيز ثقافته وخبرته وزيادة تمهينه هي الأهداف الأساسية والأولويات التي تعني بها صحافة المؤسسات, أما صحافة الدكاكين فعادة ما يكون صاحبها الفرد هو كل شيء, ففي بعضها هو رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير والمدير العام والمدير المالي ومدير الشئون الإدارية وشئون الموظفين ومدير العلاقات العامة وإذا تنازل عن بعض المناصب الثانوية في هذه السلسة فان هذا التنازل يبقى شكلياً وعلى كل الموظفين أن يراجعوه لاتخاذ القرار الذي يراه, وعلى عكس المؤسسات فهو يهتم بتطوير البنايات وشراء الآلات ولا يكترث بتمهين الإنسان.

في الصحيفة المؤسساتية هناك رأسمال وميزانية سنوية وخطة عمل تختص بالتطوير والتمهين وهناك شفافية في الإيرادات والمصروفات وحوافز للمنتجين والمبدعين, وهناك برنامج سنوي لتحويل الإجراء من الموظفين إلى ملاك بمنحهم أو بيعهم أسهماً بهدف توصيلهم إلى المرحلة التي يشعر فيها الموظف الصحفي والكاتب والفني أنه يعمل في الصحيفة التي يمتلكها وأن له رأي في إختيار المسئولين فيها وكذلك في ميزانية هذه المؤسسة.

وفي صحافة الدكاكين راس المال والميزانية وخطط التطوير ـ أن وجدت ـ لا يحق لأحد معرفتها إلا صاحب الدكان والمحاسب الهندي, ولازم يكون هندي ولا يجوز أن يكون بحرينياً, أما الموظف الأجير فيبقى كذلك, وهناك من لازال صحفياً ببعض الصحف منذ أكثر من ثلاثين عاماً وبرواتب متدنية, في حين أن غير البحرينيين في هذه الصحف يتقاضون رواتب عالية ويعملون في الإعلانات ويمنحون سيارات ومكافآت وحوافز وكلها وفق إرادة ومزاج صاحب دكان الصحيفة.

والسؤال الآن هو: متى تزدهر صحافة الدكاكين, والجواب أنها تزدهر في الدول غير الديمقراطية أو في دول الديمقراطيات المنقوصة والمعكوسة حيث تنعدم الشفافية وتبحث الدولة عن من يلمعها ويغطي على إخفاقاتها وفشلها وتقوم صحافة الدكاكين بهذا الدور مقابل السماح لها بتجاوز القانون.

وتزدهر في ظل قانون مطبوعات مقيد للحريات وقائم على المنع وعلى التهديد بالحبس والارتباط بقانون العقوبات واتخاذ أغلظ العقوبات ضد الصحفي حامل سلاح الكلمة, وتزدهر في ظل تجاهل الجهات المسئولة عن الصحافة أوضاع الصحافة المتخلفة وعدم التدخل لحثها على التمهين والتنظيم والتحفيز وحماية الحقوق والحريات.

وتزدهر كذلك في ظل جمعية صحفيين مسيطر عليها من بعض أصحاب صحافة الدكاكين وتواطؤ الجهات الرسمية المختصة والتي يفترض أن تصحح هذا الوضع بفصلها, جمعية أصحاب الدكاكين عن جمعية العاملين فيها كما هو الحال بفصل المتهم عن المحقق والقاضي, كما تزدهر في ظل نقابة صحفيين مخطوفة من أناس لا يريدون أن يعملوا ولا يتركون غيرهم يعمل ويفضلون مجاملة أصحاب الدكاكين على الدفاع عن حقوق وحريات الصحفيين.

وتزدهر في ظل نظام سياسي يدعي استقلالية وحرية الصحافة ظاهرياً ويعمل على مصادرة هذه الاستقلالية والحرية باستعمال الجزرة في أحايين كثيرة والعصا في القليل منها.

والسؤال الأخير متى تزدهر صحافة المؤسسات وبالتالي صحافة الناس, والجواب في مجمله عندما يحدث عكس الظروف التي تزدهر فيها صحافة الدكاكين, وعلى الأخص ازدهار ديمقراطية حقيقية وبرلمان يمثل الشعب وله صلاحيات التشريع وتحتل السلطة التشريعية مكانتها المتعارف عليها في الدول الديمقراطية, فازدهار السلطة الأولى يؤدي بالضرورة إلى ازدهار السلطة الرابعة وتتمكن من ممارسة دورها في الرقابة والمساءلة وكشف الحقائق ومحاربة الفساد وبالتالي تكون داعمة للسلطة التشريعية أما وأن تصبح السلطة التشريعية تابعة للسلطة التنفيذية فمن الطبيعي أن تسير السلطة الرابعة بجوارها أو خلفها.

وتزدهر صحافة المؤسسات عندما تقوم وزارات الإعلام والتجارة والعمل بأدوارها في إقامة ودعم ومتابعة أنظمة وقوانين المؤسسات وإلزام دور الصحف بتطبيقها خاصة في الفصل بين رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير والمدير العام وتعيين مدراء الدوائر ومنها الموارد البشرية من البحرينيين أصحاب الكفاءة والخبرة وحصر تعيين الأجانب في فترة قصيرة محدودة مرتبطة بتمهين البحرينيين.

وتزدهر صحافة المؤسسات عندما يدعم القانون ويحمي حقوق الصحفي باعتباره حاملاً للواء الكلمة السلاح الأمضى والأكثر تأثيراً في الإنسان وفي المجتمع والأكثر قدرة على التطوير والتغيير والأكثر حاجة لتحسين ظروف معيشة الناس والتعبير عن هموم وتحقيق تطلعاتهم نحو الوصول إلى أجمل الأيام التي لم يروها بعد.

ورقة مقدمة بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة في بيت عبدالله الزايد (5 مايو 2007م )                            

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro