English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عبدالرحمن النعيمي
القسم : عام

| |
2007-05-01 11:30:10


 

مثل غيري من محبي الأخ عبدالرحمن النعيمي أفتقدُه وأتمنى ألا يطول مرضه وغيابه المؤقت. فمازال الطريق ممتداً وطويلاً ومازال العمل السياسي في البحرين في حاجة إليه وإلى حضوره وإسهاماته المتعددة. حين شـبّه أخونا رشاد أبوداود[1] رقدة أبي أمل الآن في المستشفى بأنها مثل سنديانة تريد أن ترتاح قليلاً أخذني التشبيه إلى كل ما تصوِّره السنديانة لنا نحن الذين عرفنا ما تعنيه تلك الشجرة الوارفة والصامدة بكبرياء في وجه الريح. وهي صورة قرّبها لأذهان من لم يَزُرْ منا لبنان كتابُ ‘’السنديانة الحمراء’’ الذي وضعه الصديق محمد دكروب بمناسبة الاحتفالية الخمسينية لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني العام 1974 وانتشر انتشاراً لا يُصّدق في البحرين وقتها .

يحتاج الوطنُ إلى عبدالرحمن كما يحتاج إليه التيار الوطني الديمقراطي. مثل غيري من محبيه أفتقده في فترة تفرض تطوراتها عدداً من المهمات على جميع المهتمين بالتيار الوطني الديمقراطي التي يأتي في مقدمها. من وجهة نظري، مراجعة ممارسات طوال الأعوام الستة الأخيرة على الأقل التي تخلى فيها التيار عن استراتيجية مواجهة النظام لتتقاذفه تكتيكات لا يهدف غالبها إلى ما هو أبعد من تحسين شروط الانضواء. ولقد كررتُ الدعوة إلى هذه المراجعة قبل مرض عبدالرحمن لمعرفتي أنها تحتاج إلى ما يمثله أبو أمل من تاريخ وما يمتلكه من صدقية، خصوصاً في هذه الأيام التي حصرت بعض القيادات دورها النضالي في إعادة صياغة توجيهات جهات رسمية باستعارة كلمات من القاموس اليساري .

ليس جديداً القول إن كل نشاط إنساني يتطلب المراجعة الدورية بين حينٍ وآخر. ولعل العمل السياسي هو أكثر أنشطتنا حاجة لها. فعلاوة على أن مختلف أشكال تقييم الأداء بما فيها النقد الذاتي توفر للنشطاء أدوات مجربة لمراجعة أخطاء الممارسة اليومية من جهة وأخطاء الاستراتيجية التي تعتمد عليها تلك الممارسات فإنها تسهم في تأكيد صدقية النشطاء والقيادات في أعين الناس الذين هم هدف العمل السياسي وأدواته في آن .

لا شك لديّ أن عبدالرحمن هو أول من يقول إن العمل السياسي ليس مجرد مجموعة من التَكْتكَات الفهلوية والمناورات كما يردد دعاة ‘’السياسة فن الممكن’’، بل هو أداة لتنظيم الناس وتمكينهم. فهو، كغيره من المناضلين، عرف العمل السياسي مدرسةً نضالية كما هو مجالٌ يتم من خلاله مراكمة خبرات الناس وربط وعيهم بحاضرهم بإنجازات الماضي وإخفاقاته. وهو، إضافةً، المختبر الذي تتمكن الناس من خلاله اختبار نجاعة مختلف الخيارات الممكنة واكتشاف تلك الخيارات المحتملة التي يجب تحويلها إلى ممكنة .

من الواضح أن بعض أصحابنا يعتبر الكشف عما يعتري العمل السياسي في البحرين من أخطاء بمثابة إذاعة أسرار خطيرة، بل بمثابة الكشف عن عورات لابد من التستر عليها بكل ثمن. ويستخدم هؤلاء الحجج المعتادة التي تبدأ بالتحذير من ‘’نشر الغسيل الوسخ حتى لا يستفيد الآخرون، بمن فيهم السلطة، من معرفة أخطائنا ونقاط ضعفنا’’. والمغالون من بين هؤلاء لا يريدون أن يُنشر الغسيل حتى في الغرف المغلقة. تأتي هذه التحذيرات في الوقت الذي يعرف فيه الآخرون، بمن فيهم السلطة والتنظيمات المنافسة، ما يريدون معرفته عن تفاصيل العمل السياسي عن طريق من يزرعونهم في هذا التنظيم أو ذاك .

وبطبيعة الحال، هناك أيضاً حارقو البخور في كل تنظيم أو جمعية أو مؤسسة. وهؤلاء يتدافعون في العادة لتأكيد أن لا أحد يحب القيادة مثلما يحبونها هم، فنراهم يرفعون الراية الحمراء عند كل انتقاد لها حتى ولو كان الانتقاد محقاً ومبرراً. ولتأكيد ولائهم نراهم يعترضون على كل دعوة إلى المراجعة وتقييم الأداء بحجج معتادة أيضاً ومن بينها الحفاظ على ‘’هيبة’’ القيادة. ما يزيد من خطر حارقي البخور هو وقوع قيادات لا يمكن لعاقل أن يشكك في إخلاصها في فخ تبخيرهم. وهنا تتالى سلسلة من الأخطاء الإضافية ذلك لأن جهود الحفاظ على تلك الهيبة من تداعيات النقد العلني سيتطلب هدرَ جهود في التستر على الأخطاء أو تبرير ما يكون قد تكشّفَ منها. وفي نهاية الأمر تتحول القيادات من بشر من لحم ودم وعواطف يصيبون ويخطئون إلى قادة معصومين .

هناك من يقول إن هذا ليس وقت المراجعة وتقييم الأداء. وبعض هؤلاء وجدوا في مرض أبي أمل مبرراً للتشاغل عن البحث عن مخرج من الأزمة التي يعاني التيار الوطني الديمقراطي منها. وهناك أيضاً الذين لا يروْن إلا شبح ‘’الظروف الموضوعية’’، كما بدا من خلال التركيز على دور المراكز العامة لتبرير فشل ممثلي التيار الوطني الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية والبلدية الأخيرة. بل جاءني من يقول، مُهدداً مُتَعَنتراً، إن مجرد الدعوة إلى مراجعة مسار السنوات الماضية فيه إهانة لعبدالرحمن النعيمي. وبطبيعة الحال، فإنني لا أتفق مع شيء من هذا. بل أرى فيه إساءة لتاريخ نضالنا الوطني كما هو إساءة لما يمثله عبدالرحمن في ذلك التاريخ. فأبو أمل، كما أعرفه، لا يمكن أن يقبل تعليق تعطيل العمل الوطني على مرضه ولا هو من أولئك الذين يُصرون على الاستمرار في الخطأ كما يفعل آخرون بدافع الطمع في جاهٍ أو مال. وفوق ذلك فهو لا يدعي العصمة. فأبو أمل، كما أعرفه، هو من تلك القيادات التي تعرف أنها بشر من لحم ودم وعواطف. ولأنها كذلك فهي مثل بقية الناس تصيب وتخطئ في قراءة الوضع السياسي وتحليل معطياته أو استخلاص ما تراه ملائماً من استراتجيات وممارسات. فما يفرق قيادة تاريخية عن القيادات العابرة ليس أنها لا تخطئ أبداً ولا حتى قدرتها على تقليل الأخطاء. بل إن الفرق يكمن في شجاعتها في الاعتراف بأخطائها في قراءة معطيات الواقع وتحليلها أو في إدارة العمل السياسي علاوة على المسارعة في معالجة آثار تلك الأخطاء على مسيرة عملها .

مثل غيري من محبي تلك السنديانة، التي تستريح مؤقتاً الآن، أفتقدُ الأخ عبدالرحمن النعيمي، وأتمنى ألا يطول مرضه وغيابه المؤقت. فمازال الطريق ممتداً وطويلاً، ومازال العمل السياسي في البحرين في حاجة إليه .

 

[1] رشاد أبوداود ‘’عبدالرحمن النعيمي.. السنديانة العربية’’، صحيفة ‘’الوقت’’، 22 أبريل/ نيسان .2007

 

صحيفة الوقت

Tuesday, May 01, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro