English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حرية الرأي والتعبير في المواثيق الدولية
القسم : عام

| |
2007-04-12 13:29:32


 فاصلة أولى

لعل التأمل العميق في مفهوم الحرية ـ وبرغم كل التأويلات التي أشارت له في الفلسفات المختلفة عبر العصور ـ يبدو مفهوم الحرية اكبر من مجموع أجزاءه، هذا إذا افترضنا أن الحرية يمكن أن تجزأ كما في الفكر السياسي والحقوقي. والحرية يمكن التعبير عنها على شكل نزوع أصلي في الكائن البشري مرتبط بالمستوى المعرفي المتحقق، وذلك النزوع يخاض في اتجاهين احدهما يتشكل ضمن عملية إخضاع الطبيعة، التي يحاول عبر فهمها وتملك قوانينها الإفلات من قطب الضرورة نحو الحرية، والقطب الثاني الأكبر هو تأصيل ذلك النزوع الذي لا ينتهي نحو الحرية عبر الصراع الاجتماعي، والذي يفرز مجموعة من الانجازات تسير سيرا حثيثا نحو الحرية التي لا تتحقق بمطلقها أبدا إنما تظل في أفق الممكن، ومن هنا نجد أن خطاب السياسيين والحقوقيين على السواء ينصب في قوالب وأطر محددة الملامح تحد من انفلات الحرية، وبالتالي تظهر لنا جلية تلك العلاقة بين القانون والاقتصاد والفكر السياسي كتعبير عن المجتمع وما يدور فيه من صراعات.

حرية الرأي والتعبير في القوانين الدولية:

لقد عاشت الشعوب الأوروبية إرهاصات التغير وأثبات الذات في صراعها مع أنظمتها السياسية والسلطة الدينية ، استطاعت معها أن تخلق نقلة نوعية على الصعيد الإنساني باعتبار الحرية جزء أصيل لايتجزء من الكائن البشري فجاءت ( الماغنا كارتا ـ 1215م) البريطانية لتقيد صلاحيات الملك في صالح الشعب ولتصبح الأساس الذي بنى عليه الشعب البريطاني قوانينه الداعمة للحريات والقانون ،حيث تعزز مفهوم حرية الرأي والتعبير في المملكة المتحدة عام 1689 بإصدار البرلمان البريطاني قانون (حرية الكلام في البرلمان) وما نص علية دستور الولايات المتحدة الأمريكية لعامي (1776-1778) من حق حرية الرأي والتعبير. وصولا إلي  الإعلان الفرنسي لحقوق المواطنة عام 1789 ( حرية التعبير هي من الحريات الأساسية للإنسان ) حيث أرسى مفهوم الحريات كجزء أساسي في تكوين الإنسان وليس حق من الحقوق المكتسبة . والذي أخذت به الشعوب الأوروبية في دساتيرها  والأمم المتحدة بعد إنشائها في 14/12/1946، كأساس لترسيخ الحريات العامة . فنجدها تقر في القرار 59/د-أ ( إن حرية المعلومات هي حق أساسي للإنسان وحجر الزاوية لجميع الحريات الأساسية التي تنادي بها الأمم المتحدة )وصولا إلي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10/12/1948 / في المادة (19) منه ( لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير . ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيله كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية ) . 

و جاء العهد  الدولي للحقوق المدنية والسياسية المعتمد من الأمم المتحدة في 16/12/1966م ليعزز الحريات وحق الإنسان في التعبير عن رأيه دون حدود سياسية أو دينية أو جغرافية، فنص  في المادة / 19 منه على أن :

1.     لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.

2.  لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

3.  تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:

أ. لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،

ب. لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

 

 

وبذلك يتضح لنا أن  حرية الرأي والتعبير ليست حق ،على الشعوب المطالبة به، بل جزء أصيل من تكوين الإنسان كحقه في الحياة، وبالتالي يتبع ذلك عدم حق الأنظمة السياسية بكل أشكالها تقنين الحريات وتقيدها بقوانين كقانون الصحافة، وغيره من القوانين التي تسئ للحريات عوضا عن الدفاع عنها، ولعلنا بحاجة اليوم في وطننا العربي إلي تعديلات في دساتيرنا تحرم انتقاص الحريات والرقابة على الصحف وجميع الأوعية الناقلة للمعلومات، كما حدث في أمريكا عام 1791م عندما تم تعديل الدستور لصالح استقلال الإعلام عن الدولة حيث جاء فيه ( أن الكونجرس سوف لن يصدر أي قانون يحد من حرية الرأي أو حرية الصحافة ) .

 

و للأسف فأن أنظمتنا العربية أول ماقامت به بعد الاستقلال تشكيل وزارة الإعلام لقمع حرية الرأي والتعبير والسيطرة التامة على الصحف والمجلات ناهيك عن الإذاعة والتلفزيون واليوم، تسيطر على فضاء الانترنيت وكل ذلك تحت مزاعم المحافظة على الأخلاق والقيم والصالح العام .

 

أن حرية الرأي والتعبير، تشكل العمود الرئيسي لحرية الإعلام وبدون هذه الحرية يصبح الإعلام بجميع أوعيته فارغ من مضامينه الأساسية  خاصة مع التطور التكنولوجي الهائل في عالم الاتصالات ،الذي جعل دور الإعلام يتعاظم ويتغلغل لحياة الإفراد ويغير في اتجاهاتهم وأساليبهم ومعتقداتهم  . ولعلنا لانجافي الحقيقة عندما نقول أن الانترنيت تجاوز بشكل خيالي في تأثيره على الحياة اليومية للإنسان  اختراع  المذياع والتلفزيون .

و عبر الفيلسوف جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill (1806 - 1873 عن ذلك حيث قال "إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فان إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة".

تقييد المقيد

تثير حرية الرأي والتعبير العديد من الإشكاليات في الوطن العربي مع بدأ تنفيذ خطة الشرق الأوسط الكبير، وتداعياتها في المنطقة . فمع الضغوط الأمريكية أصبح الكلام عن حقوق المواطنين في المشاركة السياسية والتعبير بحرية دون قيد أو شرط عن أفكارهم ورؤاهم في شتى المجالات الموضة السائدة، وأصبح مصطلح (حرية الرأي والتعبير) هو المصطلح المفضل لعديد من الفئات التي تعبر عن النظم السياسية،  في الجرائد والصحف اليومية،و الإعلام المرئي والمسموع . ولكثرة تكرارها أصبحت الأنظمة قبل الناس تصدق هذه الأكذوبة التي أطلقتها. مما حذا بهذه الأنظمة إلي إصدار العديد من القوانين والمراسيم التي تقيد هذه الحريات بحجة الحفاظ على الأمن العام. فأصبحت الدول العربية وخاصة الخليجية منها مقيدة بحزمة من القوانين التي لم تكن موجودة أساسا لعدم وجود هذه الحريات، وبذلك انتصرت الأنظمة في تقيد ماهو مقيد ولكن بشكل دستوري وقانوني، واقتصرت حرية التعبير والشفافية فقط على الجرائد وكل أنواع الميديا التي تهاجم المدافعين والمطالبين بحرية الرأي والتعبير الأصيلين .

 

 

اختلاف مفاهيم أم عداء جديد:

رغم الأصوات التي كانت ولازالت تؤكد على إن الدين الإسلامي هو أول من أعطى الإنسان حقوقه ودافع عنها، إلا أن العالمين الإسلامي والعربي خاصة، هم أكثر الدول بعدا عن الحريات التي تضمن حقوق المواطن، حيث تكبل القوانين الدينية والأعراف المواطنين وحرياتهم بأشكال وأنماط تتنوع من دولة لأخرى حسب السطوة الدينية فيها، لذا لجأ المثقفون العرب إلي الغرب لخلق نهضة ثقافية حقوقية علمية في مواجهة عالم أصبح الإيمان بالغيبيات ملاذه الوحيد وتحييد العلم واستخدامه فقط في تعزيز التخلف داخل المجتمع العربي كسمة ضاربة الجذور فيه. ومع إرهاصات النضال الوطني والثورة والتغير في الدول العربية استطاعت القوى التقدمية أن تفرض العديد من الإصلاحات الديمقراطية المتعلقة بقضايا حرية الرأي والتعبير بشكل محدود جدا يعكس التناقض الصارخ بين البنود الدستورية المتقدمة في هذا الجانب والواقع المعاش. وأصبحت قضايا الرأي والتعبير مرهونة برضى النظم السياسية وعلاقاتها الدولية والضغط الشعبي. ورغم كل التضحيات في هذا الجانب ظل الوعي الشعبي متدن ومتباين في مسألة حرية الرأي، وذلك لما للجانب الأخلاقي العاطفي والديني  من دور رئيسي في تحديد أفق المفهوم، مقارنة بالدول المتقدمة التي تطالب بحذف البنود المقيدة لحرية الرأي والتعبير في دساتيرها وقوانينها، حيث أصبحت بحسب رأيهم تشكل قيدا يعيق قدرتهم على حرية طرح أفكارهم والتعبير عنها.

أن سنوات القمع والمنع من حرية الرأي والتعبير خلقت نوع من الحواجز الغير مرئية والتي تعيق انطلاق هذه الحريات حتى لو رغب أصحابها، فالموانع النفسية أخذت ادوار خطيرة ولعلها اخطر من الحواجز القانونية حيث لازال الخوف يمنع الإنسان العربي من الانطلاق في التعبير عن رأيه ومعتقداته بحرية مطلقة  وهذا ما جعل الأنظمة سواء العربية أو الغربية تستغل هذا الجانب وتجيره لمصلحتها، فأصبحت المعاير الغربية فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير والعقيدة مزدوجة، وبرزت هذه الإشكالية مع أزمة الرسوم الكاريكاتورية التي اعتبرها الغرب وسيلة لحرية التعبير وخاصة الدنمرك التي رفضت سحب الرسوم أو معاقبة الصحيفة بحجة حرية التعبير، بينما راءها العالم الإسلامي أساءه للدين والعقيدة.

و نجد في المثال التالي الازدواجية تأخذ منحى أكثر عدوانية حيث   تجرم الدول الأوروبية  المسيئين إلى الرموز الدينية، وتعتبر الإساءة للدين عملا مخالفا للقوانين ، و لكن يبدو أن هذه القوانين تمارس بشكل يميز بين  الشعوب حسب دينها و جنسها ، ففي فرنسا مثلا ( في 10 مارس 2005 منع قاضي فرنسي لوحة دعائية مأخوذة من فكرة لوحة العشاء الأخير لليونارد دافنتشي. لأنها مسيئة للروم الكاثوليك على الرغم من تمسك المحامي بأن منع الإعلانات هو نوع من الرقابة وقمع لحرية التعبير، إلا أن القاضي اقر بأن الإعلان كان تدخلا مشينا وعدوانيا في معتقدات الناس الخاصة. وحكم بأن محتوى الإساءة إلى الكاثوليك أكثر أهمية  من الهدف التجاريِ المقدم.). إلا أنها لم  تعتبر رواية "آيات قرآنية " مسيئة للدين، رغم احتجاج جميع المسلين في العالم عليها والمطالبة بمنعها، فتقوم الدول الأوروبية عوضا عن ذلك بحماية كاتب الرواية واعتبار الدول المسلمة مضادة لحرية الرأي والتعبير لطلبها سحب الرواية من الأسواق ومحاكمة مؤلفها.

من هنا تأتي المفارقة حيث أن الحريات والحقوق  تقاس بمقاييس خاصة ويبدو أن مقياس الدول العربية والإسلامية لا يتناسبان وهذه المقاييس في ضؤ التحولات الدولية الحاصلة. والتي أصبحت تجير الحريات والحقوق والقوانين لمصلحتها الخاصة، ضاربه عرض الحائط بأغلب القوانين الدولية في هذا الجانب.

إلا أنه وإنصاف للحق فأن الدول الغربية رغم كل المآخذ التي عليها تحترم حرية الرأي والتعبير ومتقدمة على أغلب دول العالم بما فيها أمريكا في هذا الجانب أما الدول العربية فعلى الرغم من وجود بنود في دساتيرها تضمن حرية الرأي والتعبير إلا أنها لم تخرج عن إطارها الشكلي إلى حيز التطبيق. حيث الانتهاكات في أوجها، معبرا عنها بالمطاردة المستمرة للكتاب والصحفيين وأصحاب الرأي، ناهيك عن أي رأي أو نقذ لايعجب السلطة السياسية أو السلطة الدينية.

وضع الحريات في مملكة البحرين :

رغم أن البحرين عضو منتخب في مجلس حقوق الإنسان ورغم مرور أكثر من 4 سنوات على الحياة البرلمانية والتوقيع على الميثاق كعقد مصالحة بين الحاكم والشعب لبدء صفحة جديدة لفتح بوابات الديمقراطية والإصلاح القانوني، إلا أن التجربة إذا أثبتت في بعض جوانبها سقطات إيجابية إلا إنها لازالت عرجاء لتراجع السلطة أولا عن عودها بالحرية والديمقراطية وثانيا لتحويل القانون والحق إلي مسلسل هبات وعطايا ملكية وبذلك استطاعت السلطة أن تصل بالشعب إلي مرحله صعبة من انعدام الثقة خاصة بعد إصدار مجموعة من القوانين التي تقيد حرياته وتعصف بحقوقه كقانون الإرهاب وقانون التجمعات وقانون الجمعيات السياسية وقانون  الصحافة .

و تعتبر عضوية البحرين في مجلس حقوق الإنسان خطوة إيجابية في صالح النظام السياسي إلا انه في كل منعطفاته في التعامل مع قضايا الحريات وخاصة حرية الرأي والتعبير وحرية الدين والمعتقد يغض الطرف عن كل الالتزامات الأخلاقية والنصوص القانونية الملزمة في هذا الجانب ويتصرف بمقتضى مصالح فئات وطوائف معينة .

أن أي بلد يعتريه التغير من حالة السكون السياسي والقمع اليومي إلي شكل من إشكال الحراك على جميع المستويات بحاجة إلي الحرية في التعبير عن نفسه من خلال العديد من الأشكال، سواء المهنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الدينية.  والتطرف أحيانا في التعاطي مع هذه الجوانب متوقع، فبلد مثل البحرين   يعيش حالة من المخاض لولادة مجتمع مبني على المؤسسات وسيادة القانون، لابد وأن يمر بمرحلة من التعثر والنهوض. ومن هنا تكون حرية الرأي والتعبير ضرورة  لعملية التحول بشكل سلس وتلقائي.

 

ولكن الوضع في البحرين جاء بشكل يتعارض مع كل هذه البديهيات فالسلطة رغم تكرارها اليومي بتمسكها بالحريات والإصلاح الديمقراطي، تنتهج وضع مخالف وتنتهج نهج الأنظمة العربية في التعامل مع قضية الحريات وأن كانت البحرين قد أضافت عنصر ( العفو الملكي )، حيث أصبح هذا العنصر هو الفاعل، عوضا عن الرجوع للقانون والدستور الذي يكفل حرية الرأي والتعبير .

بدا مسلسل التراجع عن الحريات والعودة إلي اعتقال الأفراد لتعبيرهم عن رأيهم مع بداية فترة الانفراج السياسي، حيث تم حجب موقع البحرين ( أون لاين ) العديد من المرات وانتهي بحجبه نهائيا في 28/2/2005م واعتقال مشرف الموقع السيد علي عبد الإمام بتهمة إذاعته بيانات وإشاعات مغرضة وبث دعايات مثيرة والتحريض على علانية على كراهية نظام الحكم والازدراء به. ورغم أن هذه التهم فضفاضة ولا يمكن لأي دولة تحترم القانون الأخذ بها، إلا أنها أصبحت التهمة المفضلة لدى النيابة العامة لأغلب معتقلي الرأي،  مثلها مثل العفو الملكي الذي يعقب الحكم على المتهمين . وبنهاية عام 2006 وبداية عام 2007 م انتهكت حرية الرأي والتعبير بشكل سافر، سواء من خلال إغلاق العديد من المدونات ( مدونة محمود دين ) والمواقع على الانترنيت ( موقع جمعية العمل الوطني الديمقراطي )  أو باعتقال الأفراد لتعبيرهم عن آرائهم ( اعتقال محمد السهلاوي ـ حسين الحبشي ـ عبد الهادي الخواجة ـ حسن مشيمع ) وسيظل قانون الصحافة الذي يجيز سجن الصحفيين لتعبيرهم عن أفكارهم بحرية وشفافية، النقطة المعتمة والأهم  في سجل البحرين الحقوقي.

 وعودة لمقولة  المفكر الايطالي الشهير انطونيوغرامشي (أن القديم لم يمت بعد.. وان الجديد ينتظر الولادة!). وهو ما ينطبق على وضع الحريات  في البحرين، ولكن مادامت قوى المصالح الضيقة قديمها وحديثها تسيطر على المشهد السياسي سيكون مشوار البحرين مع الحريات طويل جدا .

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro