English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التجسيد العملي لشعار الوحدة الوطنية بين الحكم ومؤسسات المجتمع المدني...المعهد الديني نموذجاً
القسم : عام

| |
2007-04-09 22:22:58


وزارة التربية والتعليم والهروب الى الأمام :

تؤكد أغلبية الدراسات الجادة، وكذلك كافة الرؤى السياسية والفكرية الوطنية المخلصة، بأن للمسألة التربوية والتعليمية دور مهم في تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية عبر تربية وتعليم وتثقيف الناشئة على الولاء الوطني وحب الوطن واعتبار المواطنية فوق كافة الولاءات التقليدية الأخرى كالطائفية والمذهبية والعشائرية والقبلية.

وبعيداً عن الاشكالات التي تطرحها الدراسات والنظريات والاتجاهات بشأن تدريس مادة ( الدين ) ضمن المناهج التعليمية في مجتمع متعدد الأديان أو متعدد المذاهب والطوائف، حيث ان الأمر بحاجة الى دراسة علمية محايدة لآثار ذلك على النسيج الوطني وللنتائج المرجوة من ذلك استراتيجياً على كافة الصعد الوطنية او التربوية او الفكرية، ولحساسية ذلك أيضاً، فضلاً عن خطورته اذا ماتم تنفيذ ذلك دون مراعاة فعلية لكافة احتياجات ومتطلبات الاثنيات كلها، الأمر الذي دعى البعض من هذه الدراسات -وخاصة تلك المنحازة للأفكار العلمانية- بعدم تدريس مادة الدين ضمن مناهج التعليم العام. واعتقد بان مثل هذه الاطروحات العلمانية الفاقعة لا تنسجم ومع البنية المعرفية والثقافية والاجتماعية لمجتمعنا البحريني باعتبار انتماء هذا المجتمع للحضارة العربية الاسلامية اولا،ً وما يعني ذلك من تداخل نسبي تاريخيا بين الديني والتربوي والتعليمي والسياسي ايضاً، وثانياً التزام الاغلبية العظمى من ابناء هذا الوطن بكافة انتماءاتهم الفكرية والسياسية بدستور ينص على ان دين الدولة هو الاسلام، وان الشريعة الاسلامية مصدر اساسي للتشريع، وهو يعني ثالثاً ان الملتزمين باحترام الدستور لا يمكن الصاق صفة العلمانية الغربية عليهم بمفاهيمها المتعارف عليها كفصل الدين عن الدولة ما داموا يعملون لتعزيز دولة القانون حسب هذا الدستور ، مع التاكيد بالفرق الجوهري بين المنادين بفصل الدين عن السياسة كضرورة مجتمعية ولصيانة الثابت الديني عن المتغير البرغماتي السياسي ، واطروحة فصل الدين عن الدولة المتعارضة مع الدستور والخصوصية المجتمعية وانتماء ابناء هذا الوطن للحضارة العربية الاسلامية .

ويأتي التعليم الديني ضمن سياق المسألتين المشارة اليهما أعلاه، وحيث يعتبر كرافد من روافد السياسة التعليمية والتربوية في وزارة التربية والتعليم بمملكة البحرين، وبالتالي من المهم ربطه بدور الحكومة في تعزيز الوحدة الوطنية في بعدها التربوي والتعليمي، ومن خلال تمكنها من تنفيذ سياسة تعليمية دينية تثمر جيلاً بحرينياً متفهماً لكافة المذاهب في ديننا الاسلامي ومتسامحاً تجاه هذه المذاهب ومستوعباً لجذورها ومسبباتها وفرقها وتمايزها واختلافاتها بروح من العلمية الصارمة والنظرة التاريخانية لنشؤها دون أن تعكس كل تعقيداتها على الواقع الوطني الراهن والقادم من السنين.

وحسبي أن الحكم لم يكن يراعي تلك العلاقة بين التعليم عامة والتعليم الديني خاصة من جهة ودورهما في تعميم وتكريس وترسيخ وحدة أبناء الوطن ضمن نسيج وطني واحد ونشر مثل هذه القيم والثقافة التسامحية والتفاهمية بين المذاهب الاسلامية كلها وتدريسها, وبالأخص بين المذهب الجعفري والمذاهب السنية الأربعة.

المعهد الديني وتدريس المذاهب الخمسة:

وأولى مؤشرات تحقيق تلك السياسة التعليمية التربوية الدينية المطلوبة لإنهاء حالة التنافر المذهبي بين الطائفتين المكونة منهما مجتمعنا البحريني وتحقيق التفاهم والتسامح بينهما كانت التوجيهات التي صدرت من جلالة الملك، حيث اشارت الصحف المحلية في 13 يناير 2002 أنه (( بناء على توجيهات سمو الأمير تبحث وزارة التربية والتعليم إعادة النظر في مناهج التربية الدينية وأسلوب التدريس بالمعهد الديني وتدريس المذاهب الخمسة والفقه المقارن وتحديد معلمين لتدريس المذهبين السني والجعفري في مختلف المراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية بالمعهد الديني )).

كان هذا التصريح الصادر عن وزير التربية والتعليم السابق الدكتور محمد بن جاسم الغتم بمثابة نقلة نوعية في الاتجاه الصحيح، فاتجاه البوصلة التعليمية دينياً أصبح في صالح ثقافة الوحدة الوطنية رغم حساسية هذه الخطوة وصعوبة تحقيقها حيث انها بحاجة الى:

-       ثورة فعلية في المفاهيم والسياسات،

-        وثورة حقيقية في المناهج التعليمية،

-    وثورة ضرورية ومستحيلة دون وجود إرادة وقناعة حقيقية لتأهيل كوادر من المعلمين وتدريبهم ليصبحوا معلمين اسلاميين حقيقيين بعيدون تماماً عن أية نزعة أو تعصب مذهبي وطائفي ، يرون الحقيقة والصحة والصواب لمذهبهم فقط، وهي الثورة المعرفية والقيمية والسلوكية التي بدونها لن تنجح أية سياسة تعليمية دينية تهدف إلى تدريس المذاهب الخمسة في معهد واحد .

لقد كان تصريح الوزير هذا بمثابة تحول نوعي في السياسة التعليمية للحكم رسخ القناعة بأن عهد الانفراج وبدايات تباشير الحياة الديمقراطية والحريات العامة واحترام حرية الرأي والعقيدة هو العهد الذي سيحقق ماكنا نحلم به منذ عقود من الزمن، وكانت الحركة الوطنية تنادي بتحقيقها كثابت من ثوابتها وكمقدمة ضرورية لابد من تعزيزها حتى يتمكن المجتمع من الانطلاق الفعلي نحو التنمية الشاملة والمستدامة.

لقد أكد الأمير في تصريحه بأن البحرين تعيش اليوم ( يناير 2002) "مرحلة جديدة من الوفاق الوطني والانسجام ووحدة الهدف" كما أكد بأنه وفي "إطار التوجهات الحضارية التي جاء بها ميثاق العمل الوطني وجب ان يكون أبناء الوطن كتلة واحدة منسجمة ومتوافقة حول المبادئ الأساسية والتوجهات السامية للقيادة الحكيمة " كما كشف وزير التربية والتعليم السابق في تصريحه بأن (( الوزارة تعمل كذلك في الوقت الحاضر على تهيئة المعهد الديني لاستقبال الطلبة الراغبين في دراسة الشريعة للحصول على درجة البكالوريوس في الشريعة يتخصص في أحد المذاهب الخمسة والفقه المقارن وذلك بالتعاون والاعتمادية من جامعة الأزهر الشريف )).

ماذا حدث بعد هذا التصريح الرسمي الجميل !؟

ان ما حدث بعد ذلك يؤكد على صحة أطروحات المعارضة الوطنية التي تقول دوماً ان هناك غياب لأية رؤية حكومية واضحة لمسار المستقبل، غياب لأية استراتيجية واضحة المعالم ومستوعبة من قبل الأجهزة الرسمية تسير على هداها، لأية سياسة متفقة عليها ومقرة ومعتمدة، ليس على صعيد التعليم وحسب بل على كافة الصعد، فالدولة تسير على تصورات أولية تناقش مناقشة سريعة وتتغير أمام أي ضغط مجتمعي أو تسير على هدى توجيهات ملكية عامة دون أن تتحول الى خطط معتمدة . ومرد ذلك واضح للعيان، فعدم وجود جهاز تخطيطي مركزي ذو صلاحيات محاسبة ورقابة وتنفيذ، وعدم مشاركة مجتمعية من أصحاب الاختصاص يؤخذ برأيها ويتحول إلى قرارات تنفيذية عبر تشريع يقتنع به الحكم قبل المجتمع.

فبعد حوالي ستة أشهر من تصريح الوزير المذكور تسربت الأخبار بتراجع الحكم عن هذا المشروع الوحدوي  وطنياً تحت تبريرات قيل عنها (صعوبات فقهية ترجع الى وثيقة المعهد الحالي التأسيسية) وأن موضوع الأوقاف والزكاة وأموال الحقوق هي من أصعب القضايا, لأن هناك مسائل فقهية دقيقة تحتاج الى آراء الفقهاء والمتصدين لهذه الأمور).  وفي ضوء ذلك بدأ الهروب إلى الأمام وتحريف الوقائع الرئيسية حيث تم أولاً تغيير مصطلح ( توجيهات جلالة الملك بتدريس المذهب الجعفري في المعهد الديني ) إلى بروز مصطلح جديد، حيث صرح سعادة وزير العدل والشئون الاسلامية آنذاك الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة بأنه (( تنفيذاً للأمر السامي لحضرة صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى سوف يتم افتتاح معهد ديني جعفري لتدريس العلوم الفقهية للمذهب الجعفري تحت مظلة وزارة التربية والتعليم )) فمن التوجيه الملكي إلى الأمر الملكي ( الذي اعلن عنه وزير العدل دون ان يصدر هذا الامر رسمياً) و رغم تباين مضمون المصطلحين وقوة اجراءات تنفيذهما، إلى تغيير الاتجاه نحو فصل تدريس المذهبين في معهدين منفصلين، حيث ان التدريس في المعهد الديني الجعفري سيتم (( بتعيين مدير للمعهد من أبناء هذا الوطن الغالي من ذوي الخبرة والكفاءة والمؤهلات العلمية العالية، كما سيتم تعيين هيئة تعليمية تحمل المؤهلات التي تسمح بتدريس العلوم الشرعية و الفقهية للمذهب الجعفري )).

ماذا يعني الهروب إلى الأمام بدلاً من مواجهة عقلانية وتنظيرية جادة ضمن رؤية استراتيجية لدور التعليم, والتعليم الديني على وجه الخصوص، في تعزيز الوحدة الوطنية وإضعاف قيم وثقافة الطائفية عامة والمذهبية المتعصبة على وجه الخصوص؟

إن وزارة التربية والتعليم باعتبارها المؤسسة الرسمية المسؤولة في هذا الشأن لم تأخذ على عاتقها مهمة وطنية بالشكل المطلوب وبحثت عن أسهل السبل للتخلص من إحراج مذهبي في البلاد و لمراضاة مذهب جعفري كان مهمشاً في تدريسه بالمعهد الديني في العقود الماضية، ومجاراة لبعض المتعصبين من المذهب السني الذين حاولوا منع تدريس المذهب الجعفري في المعهد تحت حجج فقهية حسب ما ورد في الصحافة

إن الصعوبات الفقهية التي بررت لهذه الخطوة التراجعية كان بالإمكان البحث عن مخارج مقبولة دون أن يتخذ قراراً تراجعياً.

المعهد الديني تاريخياً:

 فالمعهد الديني الذي أسس في أواخر عام 1943 كانت مدرسة أمر الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة رحمه الله بإنشائها تحت إسم المدرسة الدينية العلمية الثقافية التي أصبحت تحت إشراف إدارة الأوقاف. وذلك بسبب أن تمويلها جاء بأموال ( الوقف ) من أجل تدريس المذهب السني على الفقهين المالكي والشافعي.

وبدأ التعليم بهذه المدرسة في بداياته بنظام الكتاتيب الديني وليس بالنظام الدراسي الحديث، غير أن ومع تطور ونمو الإدارة العامة الحديثة، أخذت الدولة تتحمل مسؤولية تمويل هذه المدرسة، وأصبحت ميزانية المعهد الديني جزء من اعتمادات وزارة التربية والتعليم، وبدأ الانفصال التدريجي عن التمويل الوقفي، وخاصة بعد انتقالها من وسط السوق القديمة إلى منطقة الحورة قبل انتقاله إلى مجمع الفاتح، موقعه الراهن، حيث بدأت المدرسة عام 1960/1961 تحت مظلة مديرية التربيه والتعليم وفي عام 1963/1964 تم إطلاق اسمها الجديد ( المعهد الديني )، وتم إدخال النظم التربوية والتعليمية وتسجيل الطلاب وغيرها حسب باقي مسارات التعليم، وأصبحت مصروفات المعهد (حوالي 580 ألف دينار سنوياً ) تصرف من ميزانية واعتمادات وزارة التربية والتعليم وليس من وزارة العدل والشؤون الاسلامية أو من أموال الوقف...

ولذا كان بالإمكان أن تدحض التبريرات ( الطائفية ) أو الفقهية ويتم الدفع والتأويل الفقهي نحو توحيد التعليم الديني لجميع المذاهب بدلاً من هذا الهروب وعدم الرغبة في مقارعة فكرية وفقهية متنورة للذين مازالوا يخشون الانفتاح المذهبي وتدريس المذاهب جميعها في مسار تعليمي واحد ولجميع أبناء الوطن.

نحن نعي الصعوبات التي تواجه أية سياسة تعليمية جديدة تهدف إلى تغيير نوعي في التعليم العام، ونعي أكثر بالصعوبات التي ستواجه أية محاولة جادة للاندماج المذهبي ومن أجل تأسيس ثقافة تسامح وتفاهم بين أبنائنا من الطائفتين يتمكنون من خلالها معرفة الاخر مذهبياً وفكرياً وفلسفياً ومن ثم يتسامحوا ويتصالحوا بدلاً من هذا الانفصال والتباعد وتقييم ثقافة الآخر دون معرفة علمية لها, بل من خلال التعبئة والتحريض الطائفي من قبل الأسرة أو العامة أو المسجد أو المآتم أوالجمعيات الاسلامية الخاصة بكل طائفة، بل بكل مذهب، الأمر الذي يعني في المحصلة ان كل طائفة أو مذهب يرى الحقيقة صوبه ويرى الآخر المختلف على باطل.

إن التحول من تغيير المختلف إلى المؤتلف ونسبية الحقائق بحاجة إلى عقول تعليمية وتربوية متحررة من أية نزعة طائفية أو مذهبية ترى الحقيقة عندها وتتعصب لها ولا تتصور وجود الآخر المختلف مع قناعاتها.

 ان هذا التحول بحاجة إلى تأهيل كادر تعليمي وإداري متحرر أيضاً من العصبويات المذهبية والطائفية وتقرأ قراءة تاريخانية موضوعية محايدة، تماماً كما تقرأ أي علم من العلوم الاجتماعية في المدارس والمعاهد والجامعات، قراءة تهدف إلى خلق ثقافة وقيم التسامح وفهم الاخر وتغرس كل ذلك في سلوك ومفاهيم الأجيال الصاعدة من أبناء هذا الوطن.

ان هذا التحول بحاجة إلى متخصصين أكفاء في إدارة المناهج لاعداد مناهج للمعهد الديني الموحد، مستوعبين تاريخ حضارتنا العربية الاسلامية, والصراعات الفكرية والعقائدية التي حدثت فيها, وأسباب نشوء هذه المذاهب وتطورها, وبروز التمايزات بينها, والتعمد أحيانا من خلق خصوصيات مذهبية فيما بينها من أجل حصانة الذات ضد الآخر ضمن الصراع السياسي الذي كان قائماً ولايزال، واستغلال التأويلات المتعددة للنص القرآني واقحام الأحاديث النبوية الصحيحة والمسندة أو غير الصحيحة في تأكيد مواقف وشعائر ومفاهيم كل مذهب.

مستوعبين بجانب ذلك أمثل الطرق للوصول إلى تدريس جميع المذاهب للوصول إلى المشترك فيما بينها، وتفسير علمي وموضوعي وهادئ للمختلف فيما بينها، وكيفية تدريس كل ذلك بهدف تقارب أبناء الوطن وفلذات أكبادنا، تلك الطينة الطرية الذي يسهل تكوينها وتحويلها وتحويرها حسب مايشاء الكبار دون أن يحسوا بخطورة تعبئة جيل يعتمد عليه الوطن في البناء والتنمية في مستقبل الأيام.

انها صعوبات كبيرة، أحسب بأنها فوق إمكانات وزارة التربية والتعليم وقدراتها الراهنة، وأحسب أنها تحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة المعالم، سياسة وبرامج وخطوات وإجراءات، وقبل كل شيء عقول واعية متمكنة متحررة من العصبويات تقود هذه الاستراتيجية وتنفذها.

صعوبات بحاجة إلى اقتحامها والغوض في متاهاتها والتصدي لكل عقباتها الفكرية والبشرية، بدلاً من الهروب منها صوب السبل السهلة ولكنها المعززة للطائفية والمذهبية.

إنها مسؤولية الحكم باعتباره السلطة التنفيذية وليست مسؤوليات مؤسسات المجتمع المدني وحدها، فأدوار ومسؤوليات هذه المؤسسات تكون في محطات أخرى جماهيرية وتثقيفية وتعبوية وتدريبية, ومن الطبيعي بان تنفيذ مثل هذه الاستراتيجية ستواجه في المقابل بقوى الرفض لهذا التغيير من مؤسسات وأفراد وبعض رجال الدين من الطائفتين مازالت ترى استراتيجيتها في بقاء العصبويات الطائفية والمذهبية تحت كافة التبريرات والتأويلات الفقهية والفكرية والسياسية، وهي تبريرات من الممكن مقارعتها بتأويلات فقهية وفكرية مستنيرة بجانب المنطق والعقلانية والحوار الهادئ والمجادلة العلمية الرصينة.

ما هي النتائج الوخيمة لسياسة الهروب إلى الأمام على المدى البعيد ؟

أولاً:  على صعيد تعزيز الوحدة الوطنية في بعدها المذهبي وعبر دور التعليم في ذلك، حيث تؤكد ساسية الهروب إلى الأمام عدم تحمل المؤسسة التعليمية الرسمية لدورها في تعزيز تعليم وثقافة وقيم بين الاجيال الصاعدة من أبناء الوطن تحمل مفاهيم التفاهم المذهبي والتسامح والتلاقح والاندماج، وبالتالي بقاء بنية المجتمع الاجتماعية والفكرية ضمن الثقافة السائدة التي تغذيها موروثات الماضي الاليم، واستمرار هيمنة العقلية العصبوية المذهبية أو الطائفية.

ثانياً: على صعيد التأثيرات على الأجيال الصاعدة التي ستدرس وتتعلم في المعهدين الدينيين المنفصلين مذهبياً، ستكون تأثيرات سلبية لن تخدم تلاحم الشعب بطائفتيه, حيث ستنشأ ثقافة وقيم اسلامية مذهبية لكل طائفة على حدة، فأبناء الطائفة الشيعية سيدرسون مذهبهم وسيتعاملون معه كما هو راهناً, وأبناء الطائفة السنية كذلك، وسيبقون في جزر تعليمية منفصلة، لا يختلطون بعضهم ببعض، ولا يتعرفون على مذاهب بعضهم، ولا يتعلمون مذاهب غيرهم ولا يستوعبون تاريخانية نشوء كل مذهب، ولا تنخلق بينهم ثقافة التسامح والتفاهم، بل الاعجاب بالمذهب الآخر.

وكيف يتحقق " تعزيز قيم التسامح والحوار والتعاون على الخير والاصلاح بين ابناء الوطن الواحد " حسب كلمة سعادة وزير التربية والتعليم في افتتاح المعهد الجعفري وابنائنا قد تم فصلهم عن بعضهم البعض في معهدين منفصلين .

ولنتأمل الواقع لو تم دمج المعهدين وتدريس جميع المذاهب الاسلامية لجميع أبناء هذا الوطن، لنتأمل نتائج ذلك على المدى البعيد، حيث يتم تعزيز ثقافة وقيم جديدة غير مألوفة راهناً في مجتمعنا إلاّ قليلاً، وحيث ستثمر أجيال تتعامل مع المذاهب كعقائد فرعية لنهر إسلامي يجمعهم، متنوع الفروع، بل من الممكن أن يصل الأمر إلى أن يتخصص الطالب من المذهب السني في دراسة أكاديمية عليا في المذهب الجعفري والعكس صحيح، وقد يتخرج لدينا قضاة وفقهاء من أصول مذهبية مختلفة متعمقين في مذاهب أخرى،،،

إنه واقع يصعب تصوره الآن ولن يتحقق مستقبلاً مادامت الدولة تمارس سياسات الهروب إلى الأمام, ومادامت مؤسسات المجتمع المدني لم تتعزز, ومادامت كثرة من متطلبات الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لم تتحقق، ومادامت استحقاقات الماضي حاضرة والتي كلها تغذي العصبويات الطائفية والقبلية والمذهبية ولا تعطي مجالاً لقيم المدنية والعقلانية من الانطلاق للوصول إلى مجتمع مدني حقيقي كما هو حاصل في المجتمعات ذات الجذور العريقة ديمقراطياً ومدنياً، حيث تصبح المواطنية المعيار الأساس في الولاء الوطني والكفاءة العملية.

ثالثاً : على صعيد تشوية مسارات التعليم التي بحاجة الى تأسيس سياسة متساوية فيما بينها وموحدة في منهجيتها التنفيذية، فدفع مكافئة مالية للذين سينخرطون في التعليم الديني (50 دينار شهرياً)، بجانب انها تثقل التكاليف الثابتة لوزارة التعليم التي هي بالأساس ذات اعتمادات ضعيفة قياساً للمطلوب منها على الصعيد المستقبلي، هي تخلق توجهات مشوهة، حيث تدفع أسر عديدة فقيرة أو متأزمة اقتصادياً أولادها إلى التعليم الديني، ليس بهدف المعرفة وإنما بهدف تحسين أوضاعها الاقتصادية، وبالتالي ستنخرط شريحة من الطلاب في هذا التعليم دون دراية أو دون رغبة أو سيفقد الوطن ثروة بشرية قد تكون مبدعة وموهوبة في مجالات علمية أو فنية أخرى.

إنها سياسة أخرى تشوه مسارات التعليم بدلاً من تصحيحها، بل وتربك أية خطة لتطوير المسارات التعليمية. وعلى سبيل المثال وحسب التصاريح العديدة للمسؤولين في وزارة التعليم، فلقد تم الكشف عن وجود خطة للتطوير الشامل للمعهد الديني أعدتها لجنة مشروع تطوير مناهج العلوم الشرعية بالمعهد الديني، تتضمن بجانب تطبيق نظام الساعات المعتمدة في المعهد، بحيث يصبح التعليم الديني مساراً تعليمياً جديداً يضاف إلى المسارات التعليمية الخمسة (الأدبي- التجاري- العام- الصناعي- الفني )، تتضمن أيضاً تمكين طلبة المسار الديني من الالتحاق بأي تخصص من تخصصات الدراسة الجامعية عبر معادلة شهادة خريجي المعهد الديني بالشهادة الثانوية العامة، كما تتضمن توزيع المسار الديني إلى ثلاث شعب ( الشريعة- الشريعة والآداب- الشريعة والعلوم ) ، وتدريس مقررات الفقه الاسلامي حسب رأي جميع المذاهب الاسلامية , (مع مراعاة طبيعة المجتمع البحريني وتنوع مذاهبه!!) .

هل ستنجح هذه الخطة في ظل وجود معهدين دينيين منفصلين مذهبياً، وكيف ستستقيم خطة تهدف إلى توحيد المناهج وخلق ( الجذع المشترك ) بجانب تهيئة الأرضية للدراسات العليا مع تدريس المذاهب في معاهد منفصلة ؟

ويتجلى التخبط والتغير العشوائي في استراتيجيات وزارة التربية والتعليم مع كل تغيير وزاري حيث ياتي الوزير الجديد لينسف ما كان يحاول سابقه ان يؤسسه، فها هي التصريحات الجديدة تنادي بتوحيد المسارات كلها في مسار واحد!! فكيف يستقيم ذلك ايضاً مع وجود معهدين دينيين ؟ انها اشكالية اخرى تؤكد سياسة الهروب الى الامام بدلاً من مواجهة المعضلات بشكل ممنهج ومدروس .

اننا نطرح تساؤلا مهما مطالبين المسؤولين في وزارة التربية والتعليم الجواب عليه :

هل يستحق ان ينشأ معهدين دينيين منفصلين بسبب تدريس كتاب واحد مختلف بين المذهبين ؟ فحسب تصريح مدير المعهد الجعفري الاستاذ عبدالكريم الصيرفي للصحافة المحلية بمناسبة افتتاح المعهد حيث قال " لا يوجد أي تمايز او فرق بين المعهد عن غيره من المدارس الحكومية , وان المعهد جزء من المنظومة التعليمية، الا ان المعهد الديني الجعفري يهتم ببعض الفروقات المذهبية البسيطة والتي تتلخص في الوضوء والصلاة , ولذلك فاننا ندرس في المعهد كل ما يدرس في المدارس الحكومية العادية بجميع الانشطة اضافة الى كتاب واحد خاص بالمعهد وهو ملحق بكتب مادة التربية الاسلامية وتصدره ادارة المناهج بوزارة التربية والتعليم وهو ( الوضوء والصلاة ) "

ايعقل ان تقوم الحكومة بهذا الفصل التعسفي والهروب الى الامام بسبب كتاب عن الوضوء والصلاة يوضح الفروقات بين المذهبين في هذا الشان !!! ؟ .

وبالطبع سيكون الرد جاهزاً بان هذا الكتاب الوحيد للسنة الاولى وسوف تضاف كتبا جديدة تميز المذهبين في المراحل التعليمية الاخرى، وهو الرد الذي يعزز الفرقة بدلا من العمل نحو التوحد في التعليم الديني.

 

مرة أخرى نقول إن دراسات ومقترحات اللجان المتخصصة في الوزارة في جزيرة والإجراءات العملية المنفذة في جزيرة أخرى منفصلة، إنها سياسات الجزر المنفصلة سواء على صعيد إدارات الوزارة أو فصل تدريس المذاهب الإسلامية أو غيرها !!؟؟

رابعا : ان هذه السياسة التراجعية من جهة والمراضاة والمجاملة من جهة ثانية , تمس احد اهم مباديء حقوق الانسان والمتمثل بالتعامل المتساوي دون تفريق او تمييز بين الطلبة من حيث توزيع المكافئات المالية عليهم , ولذلك فمن المفترض ان يتساوى طلاب المعهد الديني السني مع الجعفري في المكافئة , وحيث عددهم حسب احصاءات عام 2001  وصل الى 460 طالبا فان المكافئة المستحقة لهم تساوي 23000 دينار شهريا ( 276000 دينار سنويا ) اضافة الى طلاب المعهد الجعفري والبالغ (108 ) طالبا ويستلمون 5400 دينار شهريا وما مقداره 64800 دينار سنويا , فان اجمالي المكافئة السنوية للمعهدين سيكون 340800 دينار سنويا , بيد ان مبدأ المساواة لن يتحقق اذا ما تم تنفيذ هذه الخطوة المكلفة والمرهقة على موازنة الوزارة التي هي بالاساس موازنة فقيرة ( حوالي 122 مليون دينار حسب الموازنة التقديرية لعام 2003 م ) ولا تلبي الشعارات المرفوعة والمتمثلة بالاهتمام بالثروة البشرية وبمخرجات التعليم المنسجمة مع متطلبات السوق ومع التوجة نحو المجتمع الالكتروني وغيرها من الشعارات والتسويق الاعلامي!! ذلك ان هناك حوالي 114669 طالبا في جميع المراحل التعليمية لهم نفس الحق في المكافئة المالية اذا ما كنا نطمح تعزيز حقوق الانسان وعدم التمييز بين الطلبة حسب مسارات التعليم التي يختارونها ولا يقبل ان يتم التمييز بينهم وبين ابنائنا الذين اختاروا او اجبروا او تم اغراءهم لان ينجذبوا صوب المسار الديني من التعليم .

هذا اذا افترضنا ان سياسة المكافئات المالية صحيحة وتحقق اهدافها المنشودة وهي فرضية لا نؤمن بها .

علما بان تكلفة الطالب التعليمية المباشرة للمسار الديني قبل تاسيس المعهد الجعفري كانت في حدود 625 دينار للطالب الواحد وذلك للعام الدراسي 99-2000 م حسب الدراسة المعدة من قبل مركز البحرين للدراسات والبحوث (460 طالب في المعهد السني + 108 طالب في المعهد الجعفري = 568 طالب . أي اجمالي التكلفة =355000 دينار سنويا )

ولذا فان سياسة الهروب الى الامام والتخبط سوف تثمر جملة من النتائج السلبية التي تتراكم رويدا رويدا لتشوه اية تنمية صادقة للثروة البشرية الصاعدة التي من المفترض ان تعتمد عليها الدولة في تنفيذ وانجاح سياساتها التنموية القادمة ! .

لقد أرجعت وزارة التربية والتعليم بخطوتها التراجعية المتمثلة بتأسيس معهدين دينيين الوطن عقود إلى الوراء، حيث تمكنت الدولة عند بدايات تطور إدارتها العامة من السيطرة على المدارس الأهلية التي كانت تنشئها الأهالي بمبادراتهم الخاصة والتي كانت جوهرها مدارس لصالح ولخدمة طائفة دون الأخرى، وتمكنت بخطوتها الاندماجية أن تزيل أية تراكمات تعليمية طائفية حين أصبحت كافة المدارس الأهلية منذ العشرينات من القرن الماضي تحت مظلة مديرية التعليم، وها هي مرة أخرى ترجعنا إلى الوراء وتساهم في تأسيس ثقافة طائفية وبإشراف الدولة هذه المرة!!.

خامسا: يتجلى اخيرا التعزيز الطائفي والتمييز المذهبي في دلالات اسم المعهدين ، فالمعهد الديني الذي تدرس فيه المذاهب السنية الاربعة يسمى بالمعهد الديني فقط، في حين المعهد الجديد سمي بالمعهد الديني الجعفري، وكأن الابعاد اللاشعورية المسكوت عنها تدفع نحو فصل المذهب الجعفري عن الدين الاسلامي، وهي دلالة خطيرة ومعززة لكل ما طرحناها في هذه الورقة.

 

الوحدة الوطنية وتجسيدها العملي ضد العدو الأجنبي :

الوحدة الوطنية كشعار تاريخي وفي هذه الجزيرة تبنتها الحركة الوطنية في الخمسينات من القرن لماضي والتف حولها الشعب وحقق دورها الإيجابي في توحيد الصف الوطني وتلاحم الشعب بطائفتيه كلما كانت القوى الاستعمارية البريطانية أو القوى أصحاب المصلحة في بقاء الشعب مشتتاً تمارس وتنفذ سياسات التمييز الطائفي، والتفضيل الطائفي، وهي سياسة استوعبتها الشخصيات الوطنية آنذاك وتمكنت في معظم المحطات السياسية المفصلية أن تجهضها وخاصة حينما تمكنت هذه الشخصيات في تأسيس هيئة الاتحاد الوطني كتنظيم سياسي فوق طائفي، نفذت رغم قصر عمرها سلسلة من البرامج التي كانت تقرب أبناء الشعب الواحد ولا تفرق بينهم، أهمها:

1-      الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات المشتركة الوطنية الهادفة الضغط على الحكم والمستشار البريطاني من أجل تحقيق مطالب الشعب الوطنية والديمقراطية في المشاركة السياسية وإيجاد المؤسسات التمثيلية،

2-       تمكنها من تأسيس إتحاد عمال البحرين كتنظيم نقابي وحد الشعب العامل فيه دون تمييز، ورفع مطالب عمالية مشتركة، وإذا ما كان القدر والظروف مع هذه الحركة الوطنية الرائدة ومع بقاء اتحاد عمال البحرين منذ ذلك الحين لتحقق جزاً ليس باليسير من تلاحم وتمازج الشعب في طبقة اجتماعية هي في أساسها نتاج الحداثة المدنية ونقيض الأشكال الاجتماعية، لما قبل الصناعة، كالطائفية والعشائرية، ولاستطاع أن يكون رافعة حقيقية لاستنهاض الحس الوطني على حساب الحماية والالتجاء الطائفي والقبلي والعشائري، بل وحتى الإثني الشوفيني،

3-       ومن أهم البرامج كذلك إنشاء صندوق التعويضات، كمؤسسة تأمينية تضامنية لأصحاب سيارات الأجرة، وهي مدنية بالضرورة تحقق المصالح المشتركة لأصحاب المهنة الواحدة، وهي خطوة كانت البداية لسلسلة خطوات في ذات الهدف الوطني العام نحو التقارب والتلاحم بين أبناء الطائفتين من الشعب الواحد في إطار المصالح الحياتية المشتركة التي كلما تعززت في الواقع ومن ثم في الثقافة والقيم والسلوك كلما طغى التسامح والتفاهم محل الصراع والفرقة والتشكيك.

شعار الوحدة الوطنية كان مؤثراً كذلك في مرحلة الاستقلال الوطني للبلاد ولمواجهة ادعاءات شاه إيران وحقق الشعب والأسرة الحاكمة انتصاراً وطنياً بالتفاف الجميع حول هذا الشعار وتجسيده على أرض الواقع قولاً وفعلاً.

وقبل مرحلة الاستقلال وفي فترة الستينات جسد الشعب الواحد وحدته في انتفاضة عمالية ومن ثم شعبية امتدت من المصانع والمدارس إلى جميع المدن وجميع القرى لمواجهة واضطهاد شركة نفط أجنبية لم تفرق في اضطهادها واستقلالها بين السني والشيعي، بل قررت فصل العشرات من العمال دون رحمة، فتوحدت الجماهير العمالية في المصانع وتضامنت معهم الجماهير الطلابية في المدارس والمعلمين وعموم الشعب واشتعلت انتفاضة وطنية ضد الانتداب البريطاني، قدم فيها شعبنا كوكبة من الشهداء ومئات المعتقلين وعشرات الهاربين خارج الوطن الملاحقين والمطلوبين من أجهزة الأمن السياسي من ابناء الطائفتين دون تمييز في الاضطهاد والقمع عليهم!!!.

كان واضحاً من هذه المحطات الثلاث المشار إليها أعلاه، بأن الخطر الرئيسي والعدو الأجنبي, هو الذي كان العامل الأساسي في وحدة الصف الوطني، كان هو التناقض الرئيسي، رغم التحالف الداخلي لقوى اجتماعية ذات المصلحة الاستراتيجية معه.

وكان واضحاً في العموميات بأن القضايا الوطنية والديمقراطية هي المظلة التي تحتها توحدت القوى الاجتماعية والشخصيات الوطنية ورجال الدين من الطائفتين.  ولذلك كانت القوى الدينية في الطائفتين من ( المؤسسات الدينية ) و ( الشخصيات الدينية ) و ( العلماء والمرجعيات الدينية ) لم تمانع من العمل المشترك في إطار تلك المظلة الوطنية ولم تمانع من أن تشارك باقي الشخصيات الوطنية في قيادة الحركة الشعبية بشكل مشترك بل وأحياناً لم تمانع من أن تتبع برامج ونضال القوى السياسية دون حرج أو إحراج.

ولقد حقق المجتمع في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والقيَمية والأسرية ثمار طيبة من هذه الوحدة، حيث تراجع التعصب الطائفي وبرز التداخل والتزاوج والمصالح الاقتصادية المشتركة بين أبناء الطائفتين، وتجسد ذلك بشكل كبير في السبعينات من القرن العشرين حيث ساهمت القوى السياسية التي كانت سائدة آنذاك ( اليسار – القوميين ) والمؤسسات المدنية الأهلية، وخاصة التنظيمات السياسية والعمالية السرية، والاتحاد الوطني لطلبة البحرين في الخارج وأسرة الأدباء والكتاب والجمعيات النسائية والمهنية، وبالاساس الأندية الثقافية والرياضية في القرى وعملها الاجتماعي المشترك والمستمر في تعزيز هذا التوجه اللاطائفي والتسامح والتداخل والتفاهم، رغم وجود هوامش متطرفة في الطائفتين، ورغم وجود مؤسسات دينية بشخصياتها في الطائفتين والتي كان التعصب المذهبي دينياً يمنعها من الانجذاب ضمن هذا التيار المجتمعي التصالحي .

الانتكاسة ودور الحكم في ذلك :

بيد أن هذه الحقبة كانت قصيرة ولم تستمر طويلاً حتى يمتد التيار التصالحي في نسيج المجتمع القيمية والمؤسساتية والفكرية والتشريعية، فعلى صعيد الأوقاف كان هناك الوقف الشيعي والسني، وعلى صعيد المحاكم الشرعية كذلك كانت هناك المحكمة الجعفرية والمحكمة السنية، وعلى صعيد المناسبات الدينية كانت المرجعيات غير موحدة، والأهم من كل ذلك على صعيد مناهج التعليم وبرامج الإعلام الرسمي كان التمييز الطائفي فاضحاً وكبيراً، حيث كان المذهب الشيعي مهمشاً في الإعلام والصحافة، اللهم في المناسبات الكبرى كعاشوراء، أما الصفحات الإسلامية في الصحف والبرامج التلفزيونية والإذاعية الإسلامية فلقد كانت منحازة صوب المؤسسة الدينية ذات المذهب السني، ولم تكن المناهج التعليمية للمواد الإسلامية تشذ عن هذه القاعدة.

في هذه الحقبة السبعينية والتي كان المجتمع بقواه المدنية والأهلية والسياسية يسير في اتجاه التحديث المدني المابعد الطائفي، كانت الحكومة مازالت متخلفة في تطوير إداراتها وسياساتها لتتماشى ومع هذا التيار الحداثي، وبحكم تركيبتها القبلية ذات الطائفة السنية، ومما ساهم في استمرار الوضع هادئاً هو الطفرة النفطية الهائلة التي ساعدت الحكومة في توزيع ريعها بعقلية ريعية تؤكد كافة الدراسات الجادة التي حللت مثل هذه الاقتصاديات الريعية بأنها عززت قيماً وسلوكاً طفيلياً وتابعاً بل ومطبلاً لمثل هذه السياسات، حيث أن المنافع الريعية قد امتدت إلى كافة الشرائح المؤثرة في المجتمع بطائفتيه ومؤسساته الدينية والاقتصادية والاجتماعية.

كانت الحكومة توزع القوى الاجتماعية طائفياً، الوظائف والوزارات ومراكز القوى الاقتصادية، غير أن الجميع كان يستفيد من الثروة الريعية والتوزيع الطائفي فتكتل أبناء الطائفة الواحدة في الوزارات التي كان يرأسها الوزير القادم من ذات الطائفة، وكذلك المصالح الأخرى، والكل كان يرى ذلك والكل كان ساكتاً عن كل ذلك، اللهم تلك القوى السياسية السرية التي كانت متواجدة في الساحة ولكنها بدأت تتراجع ثقلها الجماهيري وتأثيراتها السياسية من جرّاء النتائج الاقتصادية للطفرة النفطية من جهة, وللقمع والضربات المستمرة في صفوفها من جهة ثانية، ولعدم تمكن هذه الحركات من قراءة الواقع السياسي الاقتصادي الجديد ومن ثم تغيير برامجها وخططها وهياكلها من جهة ثالثة، وبروز الاسلام السياسي كاحد نتاجات هزيمة 1967 وانتصار الثورة الاسلامية في ايران من جهة رابعة.

وفي هذه الحقبة وأمام هكذا ظروف موضوعية وذاتية لم تتمكن القوى السياسية في تفعيل شعار الوحدة الوطنية بحكم انتقال العدو الأجنبي والخارجي إلى الصفوف الخلفية وبروز تناقض رئيسي بين هذه القوى السياسية والحكم الذي كان جزءاً من طائفة حضى شريحة كبيرة من أصحاب المصالح الطبقية من الطائفة الأخرى واستفادت الطائفتين من هذا الريع ولو نسبياً ، واستفاد رجال الدين ومن الطائفتين من ذلك وتحالفوا استراتيجيا مع الحكم الريعي ضد كافة قوى التقدم والحداثة والمنادين بدولة ديمقراطية غير طائفية وغير قبلية، وحصن الحكم نفسه بالتوزيع الريعي للثروة النفطية.

واكتسح المجتمع حقبة طائفية بعد انتصار الثورة الإيرانية الإسلامية الشيعية في جوهرها، حقبة بمثابة موجة ضخمة قضيت على كافة البنى الاجتماعية والقيمية التي شيدت على الشاطئ،وكشفت مدى هشاشة هذه البنى، كشفت بأنها قد بنيت من رمال ما إن هاجمتها موجة كاسحة ذابت وبقيت آثاراً وأطلالاً.

وعكست ممارسات القيادة الدينية في الثورة الإيرانية نفسها على كافة المواقع التي تبنت أفكارها، فالثورة ابتداءاً أكلت أبنائها، وقضت على كافة حلفائها من غير الإسلاميين الذين شاركوا في الثورة ضد الملكية الشاهنشاهية مثلما كانت تمارس دورها النضالي قبل هذه الثورة بعقود من الزمن، ثم بدأت التصفية للقوى الدينية المنفتحة المؤمنة بالتعددية وهكذا دواليك، وهي بذلك مارست ذات الأخطاء التي مارستها الثورات الاشتراكية في روسيا والصين وأوروبا الشرقية، بل مارستها كافة الثورات العظيمة التي انتصرت على عدوها الأساسي لتبدأ بعد ذلك في تصفية ابنائها ثم جيرانها ثم أقاربها.

وكان رفض التعددية والإيمان بالانتصار النهائي لقيمها وأفكارها وبتصدير الثورة وتحقيق دولة إسلامية شيعية عالمية، تأثيرها على الطائفة الشيعية في كل مكان في العالم العربي والإسلامي، والبحرين لم تكن شاذة عن القاعدة أيضاً.

وبوجود عوامل موضوعية ساهمت في انخفاض المداخيل النفطية ومن ثم تراجع التوزيع الريعي للثروة كالحرب العراقية الإيرانية والإرهاق الكبير على موازين دول الخليج وتراجع أسعار النفط...فلقد بدأ التمييز الطائفي يأخذ مجرى جديداً، والاصطفاف الطائفي اخذ يبرز بشكل فاضح وواضح وخطير. القبائل والعشائر والسنة مع الحكم، والطائفة الشيعية بأغلبية شرائحها وأبنائها في الضفة الأخرى من النهر، والقلة القليلة الباقية من اليسار وبعض القوميين والليبراليين أصبحوا هم وحدهم في الوسط الرافض لهذا الاصطفاف الطائفي الكبير الذي أخذ يؤثر على قواعد وقيادات هذه الحركات اليسارية والقومية لدرجة أن شريحة كبيرة منها بدأت تصيبها التحولات الفكرية وتنجذب صوب أصولها المذهبية والطائفية تحت منطلقات عديدة منها الرجوع إلى كنف الإسلام المساوي هنا للطائفة والمذهب.

لم يكن أمام هكذا اصطفاف أن ينجح أية محاولات لرفع شعار الوحدة الوطنية، خاصة أمام هيمنة كاملة للسياسات الأمنية والقمع وممارسة العنف والعنف المضاد والمؤامرات...

هنا بالضبط تحققت حكمة قالها حكيم قديم " إذا قررت أن تمارس سياسة الانتقام مع خصمك فاحفر قبرين " وهذا ما جرى فالجميع خسر، المجتمع بتراكمات قيمة الحداثية المدنية، والطائفتين بتراكمات مصالحهما المشتركة، والاقتصاد الوطني، الشعب كله أصبح في يد عفريت.

 

العريضة الشعبية:

وجاءت حقبة التسعينات بعد حرب الخليج الثانية، وبظروف دولية جديدة مختلفة تماماً عن ظروف الاستقطابات الايديولوجية والحرب الباردة والصراع بين المعسكرين الاشتراكي و الرأسمالي والحروب العسكرية والأهلية والايديولوجية التي كانت تشتعل في العالم الثالث بالوكالة عن المعسكرين.

وبدأت القوى والحركات السياسية الإسلامية تغير خطابها السياسي من خطاب متطرف لا يعترف بالحكم إلى خطاب ديمقراطي يطالب بالمشاركة السياسية، وكان قبلها بعقدين قد تغير الخطاب السياسي للحركة اليسارية التي تبنت منذ هجمة حل المجلس الوطني في أغسطس 1975 خطاباً سياسياً يدعو إلى الاعتراف بالشرعية الدستورية للحكم ،ومطلبها عودة المجلس الوطني وتفعيل مواد دستور 1973 المعطلة.

وهنا التقى الخطابين وتمكن المجتمع السياسي عبر لجنة العريضة الشعبية أن يفعل شعار الوحدة الوطنية، إلا أن التفعيل كان محدوداً، فما زالت طائفة حذرة لا تصدق ما تقولها شخصيات دينية من الطائفة الأخرى والتي قادت الحركة الدستورية مع شخصيات وطنية ديمقراطية، إلا أنها على الأقل ساهمت في رص الصفوف من جديد والتحرك العلني والسلمي الضاغط داخلياً إلى أن تم الانفراج الأمني والسياسي بتولي جلالة الملك حمد بن عيسى ال خليفة سدة الحكم وبداية تغيير تدريجي في لغة الخطاب السياسي للحكم إلى أن وصل المجتمع إلى المصالحة التاريخية بالتصويت الكبير على ميثاق العمل الوطني في فبراير 2001.

هذه هي مسيرة الوحدة الوطنية في عمومياتها الكبرى وهي مسيرة تكشف عن ان القوى المجتمعية هي التي كانت تستنهض الشعب في المحطات المفصلية، إما لمواجهة عدو أجنبي أخذ يمارس سياسة ( فرق تسد )، و أما سياسة الاضطهاد لأبناء الشعب أو الضغط أو الإغراء لصالح تبعية الوطن لدولة أجنبية، وإما لمواجهة القوى الحاكمة من أجل تحقيق مطالب وطنية ديمقراطية شاملة لجميع أبناء الشعب .

غير إن مضمون هذه الوحدة الوطنية في مسيرتها الطويلة كان مضموناً سياسياً بحتاً... ولم تتحول إلى مضمون ثقافي وفكري وقيمي، مضمون يتعزز في نسيج المجتمع لدرجة راسخة لا تضعضعها المؤامرات أو المخططات التي تنفذها القوى المحلية أو الخارجية ذات المصلحة في التفرقة وتشتيت القوى وإضعاف الوحدة لتمرير مصالحها وأهدافها الخاصة الطبقية أو الاقتصادية أو الفكرية!!!

الوحدة الوطنية راهناً:

وجاء عهد الميثاق وتباشير الديمقراطية وهو عهد من المفترض أن يتجسد شعار الوحدة الوطنية بكل أبعادها على أرض الواقع، أكان ذلك من قبل الحكم بوزاراته وتشريعاته وسياساته وممارسات رموزه، أو من قبل قوى المجتمع بمؤسساته الحديثة والأهلية, وعلى الأخص تنظيماته السياسية، ذلك أن التوافق والتصالح المجتمعي الذي تجلى بعد التصويت الكبير على الميثاق وما تم تنفيذه بعد ذلك من إزالة أسباب الاحتقانات الأمنية كالاعتقالات السياسية والنفي والإبعاد والقمع وكبت الحريات...الخ، فضلاً عن إزالة بعض أسباب الاحتقانات السياسية، كان كفيلاً أن يتم تفعيل الوحدة الوطنية عبر آليات وإجراءات وسياسات وتشريعات وممارسات، أكان على صعيد دمج الإدارات والمؤسسات الرسمية التي أنشئت أساساً على أساس طائفي ومذهبي كالأوقاف أو إدارات القضاء أو سياسات التوظيف في وزارات الدولة أو القبول في الجامعات أو برامج التلفاز الرسمي أو غيرها، أو على الصعيد الشعبي والأهلي كدمج الصناديق الخيرية التي تكونت أيضاً على أسس طائفية ومذهبية أو الجمعيات السياسية أو الفعاليات الوطنية والقومية والإسلامية.

وكان من الممكن_ إذا ما وجدت العزيمة الصادقة والقناعة والإرادة _ أن يخفف من القيد الفقهي في هذا الشأن، وفي ديننا الإسلامي جملة من التأويلات والمحطات السياسية التي مكن من اجتياز مثل هذه التمايزات المذهبية ولما تخدم الأمة، "فالضرورات كانت دائماً تبيح المحظورات" في القضايا المفصلية.

على الصعيد الشعبي:

تقع على مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية وطنية عظيمة بهدف التجسيد الفعلي للوحدة الوطنية، وحتى تصبح انموذجاً تتعلم منها إدارات الحكومة وتساهم في التخفيف من حالات الاحتقانات الطائفية والمذهبية.

فعلى صعيد التنظيمات السياسية ( الأحزاب السياسية ) فإن بمقدورها أن تقوم بهذه المهمة وتجييش الجماهير حول برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تخدم المصلحة العامة دون تمييز، ومن شأن هكذا أحزاب والتي قررت تعويم الايديولوجيا كما هو حاصل لدى الأحزاب الغربية الحديثة ( وليست التقليدية كالأحزاب الشيوعية او الاسلامية المتطرفة ) حيث أصبح مقياس القبول للعضوية هو قناعة المرء بالبرنامج العام وليس بمدى قناعاته الفكرية والايديولوجية والعقائدية التي تصبح جزء من حريته الشخصية في تبني أية عقيدة أو فكرة دون أن يجير حزبه لصالح قناعاته الفكرية الخاصة، ويمكن أيضاً أن تقوم مثل هذه الأحزاب عبر تحالفاتها السياسية إضعاف الحالة الطائفية عبر الاتفاق على قوائم مشتركة من الشخصيات الوطنية الديمقراطية التي أثبتت في المحطات السياسية إخلاصها الصادق للدفاع عن مصالح الشعب دون تمييز، وكلما كانت هذه القوائم تتضمن شخصيات من الطائفتين كلما تمكنت هذه الأحزاب من المساهمة الفاعلة في خلق قيم وسلوك وطني غير طائفي على الصعيد السياسي أو المهني أو في مؤسسات المجتمع الأهلي.

وعلى صعيد النقابات والاتحادات العمالية والنسائية والشبابية وكذلك الجمعيات المهنية والأهلية والحقوقية والتي تدافع عن القضايا القومية أو الإسلامية والصناديق الخيرية، فإن دورها جد مهم في تعزيز القيم والسلوكيات غير الطائفية، خاصة إن هذه المؤسسات قادرة أن توحد صفوف أعضائها حول الأهداف المهنية أو المطلبية او الخيرية، حيث يندمج كل أبناء الوطن حسب مهنته أو وظيفته دون أن ترتبط هذه الأهداف بالطائفية أو المذهب أو الايديولوجيا أو العقيدة، وكذلك فإن هذه المؤسسات المهمة في المجتمع قادرة إذا ما أصبحت مستقلة وغير مسيسة أو مؤدلجة أن تساهم في تذويب المشاعر الطائفية بين أبناء المهنة الواحدة أو القضية الواحدة او خدمة ابناء المدينة الواحدة والقرية الواحدة.

إن العقيدة أو الايديولوجيا الوحيدة التي ستكون مقبولة في هذه التنظيمات السياسية أو المدنية الأخرى، هي تلك القيم الإنسانية الكبرى التي آمنت بها النظريات الوضعية أو بشرت بها الأديان السماوية، وهي قيم عظيمة تتمثل في الحق والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية.

فهل يقوم الحكم بثورة قيمية عبر دمج الإدارات والمعاهد وتأسيس سياسة واحدة تخدم أهداف الوحدة والمصلحة العامة لكل الشعب؟.

وهل تقوم مؤسسات المجتمع المدني بنقلتها النوعية في تأسيس تنظيمات سياسية ونقابية وصناديق خيرية على أسس غير طائفية وتوحد الشعب حول مطالب واحدة ومهنة وصناديق خيرية واحدة وثقافة وقيم تصب في تعزيز الوحدة الوطنية؟

هل نتمكن من الانتقال من مرحلة تعايش الطائفتين بجانب بعضهما البعض الى مرحلة العيش المشترك والاندماج الحقيقي والانصهار وتحقيق المواطنية الحقه؟

هذا هو التحدي الذي يواجه الحكم بالدرجة الاولى، ومؤسسات المجتمع المدني وصولا للتجسيد الفعلي لشعار الوحدة الوطنية !!

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro