English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 

واشنطـن «تعيـد توجيـه» استراتيجيتهـا مـن العـداء للسـلفيين إلـى محاربـة الشيعـة
القسم : عام

| |
2007-04-05 01:51:03


تقرير «نيويوركر» حول السياسة الأميركية الجديدة: هل تعود بالنفع على أعدائنا؟

واشنطـن «تعيـد توجيـه» استراتيجيتهـا مـن العـداء للسـلفيين إلـى محاربـة الشيعـة

تحول استراتيجي

في الأشهر القليلة الماضية، وفي وقت تدهور فيه الوضع في العراق، قامت إدارة جورج بوش، عبر دبلوماسيتها العامة وعملياتها السرية، بإجراء تحول مهم في إستراتيجيتها في الشرق الأوسط. «إعادة التوجيه» تلك، حسبما يسميها البعض في البيت الأبيض، قادت الولايات المتحدة إلى موقع أقرب نحو مواجهة مفتوحة مع إيران وبعض أجزاء المنطقة، دافعةً إياها باتجاه نزاع طائفي متّسع بين الشيعة والسنة.

وبهدف تقويض إيران، ذات الغالبية الشيعية، قررت إدارة بوش إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط. ففي لبنان، تعاونت الإدارة مع الحكومة السعودية، وهي سنية، في عمليات سرية تهدف إلى إضعاف حزب الله، المنظمة الشيعية المدعومة من إيران. كما شاركت الولايات المتحدة في عمليات تستهدف إيران وحليفتها سوريا. وكانت إحدى النتائج الجانبية لتلك النشاطات دعم المجموعات السنية المتطرفة التي تعتنق رؤية عسكرية للإسلام وهي معادية لأميركا ومتعاطفة مع القاعدة.

ويكمن أحد الجوانب المتناقضة لهذه الإستراتيجية الجديدة، في العراق، حيث تأتي غالبية عنف المتمردين ضد القوات الاميركية، من القوى السنية وليس الشيعية. ولكن من وجهة نظر الإدارة، تعتبر العاقبة الأبرز والعميقة وغير المقصودة للإستراتيجية الجديدة هي تقوية إيران. وقد أطلق رئيسها محمود أحمدي نجاد تصريحات تحدٍ بشأن إزالة إسرائيل وحول حق بلاده بمواصلة برنامجها النووي. والأسبوع الماضي، قال أبرز قادتها الدينيين آية الله علي خامنئي، في تصريح تلفزيوني، إن «الحقائق في المنطقة تظهر أن الجبهة المتغطرسة، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، ستكون الخاسر الأساسي في المنطقة».

بعد أن حملت ثورة العام 1979 الحكومة المتدينة إلى السلطة، قطعت الولايات المتحدة علاقتها مع إيران وبنت علاقات أوثق مع قادة الدول السنية مثل الأردن ومصر والسعودية. ثم أصبحت هذه الحسابات أشد تعقيداً بعد هجمات الحادي عشر من أيلول، وخصوصاً مع السعوديين. فالقاعدة منظمة سنية، والكثير من ناشطيها يتحدرون من دوائر متدينة متطرفة داخل السعودية.

قبل غزو العراق في العام ,2003 افترض مسؤولون في الإدارة، متأثرين بإيديولوجيين من المحافظين الجدد، أن وضع حكومة شيعية هناك (في العراق) قد يؤمن التوازن الموالي لأميركا مع المتطرفين السنة، بما أن الغالبية الشيعية في العراق كانت مقموعة أيام صدام حسين. وقد تجاهلوا تحذيرات مجتمع الاستخبارات بشأن الصلات بين قادة الشيعة في العراق وإيران، حيث عاش بعضهم منفيين لسنوات. الآن، ولسوء حظ البيت الأبيض، عقدت إيران علاقة وثيقة مع حكومة نوري المالكي الشيعية.

ونوقشت السياسة الأميركية الجديدة، في خطوطها العريضة، على الملأ. وخلال شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في كانون الثاني الماضي، قالت وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس إن هناك «اصطفافا استراتيجيا جديدا في الشرق الأوسط» يفصل بين «الإصلاحيين» و«المتطرفين»، مشيرة إلى أن الدول السنية تمثل مراكز الاعتدال، فيما تقع إيران وسوريا و«حزب الله»، حسبما قالت، «في الجهة الأخرى من هذا التقسيم». (سوريا ذات غالبية سنية تحكمها الطائفة العلوية). وأضافت أن سوريا وإيران «اتخذتا خيارهما وهو زعزعة الاستقرار».

ومع ذلك، فإنّ بعض التكتيكات الجوهرية لإعادة التوجيه ليست علنية. ففي بعض الحالات، ابقيت العمليات السرية مستترة، من خلال ترك التنفيذ أو التمويل للسعوديين، أو من خلال إيجاد طرق أخرى للالتفاف حول الآلية النظامية لصرف المخصصات في الكونغرس، على حد قول مسؤولين حاليين وسابقين مقربين من الإدارة.

وقال لي عضو بارز في لجنة المخصصات في مجلس النواب إنه سمع عن الاستراتيجية الجديدة، ولكنه أحسّ بأنه، وبعض زملائه، لم يتم إطلاعهم عليها بشكل لائق. وأضاف «لم نحصل على أية معلومات.. سألنا عما يدور، فأجابوا أن لا شيء يحصل.. وعندما وجّهنا أسئلة محددة، قالوا سنطلعكم عليها في ما بعد»، واصفاً ذلك بـ«المحبط جدا».

إن اللاعبين الأساسيين وراء إعادة التوجيه هم نائب الرئيس ديك تشيني، ونائب مستشار الأمن القومي اليوت ابرامز، السفير الأميركي في العراق (ومرشح لمنصب سفير الأمم المتحدة) زلماي خليل زاد، ومستشار الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان. وفيما كانت رايس مسؤولة بشكل وثيق عن رسم السياسة العلنية، قال المسؤولون الحاليون والسابقون إن الجانب السري كان موجهاً من قبل تشيني. (ورفض مكتب تشيني والبيت الأبيض التعليق على هذه القصة، أما البنتاغون فلم يجب عن أسئلة محددة ولكنه قال بأن «الولايات المتحدة لا تخطط لحرب مع إيران»).

إن التحول في السياسة دفع السعودية وإسرائيل إلى ما بشبه «العناق الاستراتيجي الجديد»، لا سيما أن كلا البلدين ينظران إلى إيران على أنها تهديد وجودي. وقد دخلوا (السعوديون والإسرائيليون) في محادثات مباشرة، والسعوديون، الذين يعتقدون أن استقراراً أوسع في إسرائيل وفلسطين سيعطي لإيران نفوذاً أقل في المنطقة، أصبحوا أكثر تدخلاً في المفاوضات العربية الإسرائيلية.

وقال مستشار حكومي أميركي له علاقات وثيقة مع إسرائيل إن الاستراتيجية الجديدة «تعتبر تحولاً رئيسياً في السياسة الأميركية. إنها بحر من التغييرات»، مضيفاً أن الدول السنية «متخوفة من انبعاث شيعي.. وهناك امتعاض متنامٍ حيال مراهنتنا على الشيعة المعتدلين في العراق.. لا يمكننا ردّ الفوز الشيعي في العراق ولكننا نستطيع احتواءه».

وقال لي الباحث في مجلس العلاقات الخارجية فالي نصر، الذي كتب بشكل موسع عن الشيعة وإيران والعراق إن «نقاشاً جرى على ما يبدو داخل الحكومة حول أيهما يمثل خطراً أكبر: إيران أو الراديكاليون السنة»، مضيفاً أن «السعوديين والبعض في الإدارة يعتقدون أن التهديد الأكبر يتمثل في إيران وأن الراديكاليين السنة هم الأعداء الأقل شأناً.. انه انتصار للخط السعودي».

من جهته، قال المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية في إدارة بيل كلينتون مارتن انديك، والذي عمل سفيراً لدى إسرائيل، إن «الشرق الأوسط يتجه نحو حرب باردة خطيرة بين السنة والشيعة». وأضاف انديك، وهو مدير مركز «صابان» حول سياسة الشرق الأوسط في مؤسسة «بروكينغز»، أنه من غير الواضح، من وجهة نظره، ما إذا كان البيت الأبيض مدركاً تماماً للمضامين الإستراتيجية لسياسته الجديدة.

وقال إن «البيت الأبيض لا يضاعف رهانه في العراق فحسب، بل يضاعف المراهنة عبر المنطقة، وذلك قد يصبح شديد التعقيد. وكل شيء مقلوب رأساً على عقب».

ويبدو أن السياسة الجديدة للإدارة من أجل احتواء إيران تعقّد استراتيجيتها من اجل كسب الحرب في العراق. ومع ذلك قال الخبير في الشؤون الإيرانية باتريك كلوسون، ونائب مدير معهد واشنطن للأبحاث حول سياسة الشرق الأدنى إن علاقات أوثق بين الولايات المتحدة والسنة المعتدلين وحتى الراديكاليين قد تبث «الخوف» في حكومة نوري المالكي و«تجعله قلقاً من أن السنة قد يكسبون الحرب» الأهلية هناك.

واعتبر كلوسون أن ذلك قد يعطي المالكي حافزاً من أجل التعاون مع الولايات المتحدة في قمع الميليشيات الشيعية الراديكالية، مثل جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر.

وبالرغم من ذلك، تبقى الولايات المتحدة، في الوقت الراهن، معتمدةً على تعاون القادة العراقيين الشيعة. قد يكون جيش المهدي معادياً للمصالح الأميركية، بشكل صريح، ولكن الميليشيات الشيعية الأخرى تعتبر حليفة للولايات المتحدة. وكلاهما، مقتدى الصدر والبيت الأبيض، يدعمان المالكي.

واقترحت مذكرة، كتبها مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي في أواخر العام الماضي، أن تحاول الإدارة فصل المالكي عن أشد حلفائه الشيعة راديكاليةً، من خلال بناء قاعدته وسط السنة المعتدلين والأكراد، ولكن حتى الآن، تميل النزعات نحو الوجهة المعاكسة. ففيما يستمر الجيش العراقي بالإخفاق في مواجهاته مع المتمردين، فإن نفوذ الميليشيات الشيعية قد ارتفع بشكل منتظم.

وقال لي المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي في إدارة بوش فلينت ليفيريت «ليس هناك أي شيء عرضي أو يدعو إلى السخرية» في الإستراتيجية الجديدة تجاه العراق، ويتابع «الإدارة تحاول جعل القضية أنّ إيران أكثر خطورة واستفزازاً من المتمردين السنة بالنسبة للمصالح الأميركية في العراق، في حين أنك تجد، إذا ما نظرت إلى عدد الإصابات الحالية، أنّ الهجمات التي تصيب الأميركيين من قبل السنة هي أكبر من حيث الخطورة».

ويقول ليفيريت «هذا كله جزء من حملة اتخاذ خطوات استفزازية لزيادة الضغوط على إيران، وتقوم الفكرة على أساس أنّ الإيرانيين في مرحلة ما سيردون، وبالتالي يصبح الباب مفتوحاً أمام الإدارة لضربهم».

وقد أعرب الرئيس جورج بوش، في كلمة ألقاها في العاشر من كانون الثاني الماضي، عن هذه المقاربة حين قال إن «هذين النظامين (إيران وسوريا) يسمحان للإرهابيين والمتمردين في استخدام أراضيهما للتحرك من وإلى العراق»، مضيفاً أن «إيران توفر دعماً مادياً للهجمات على القوات الأميركية. سنحبط الهجمات على قواتنا. سنعترض تدفق الدعم من إيران وسوريا، وسنعمل على تدمير الشبكات التي تؤمن الأسلحة المتطورة والتدريب لأعدائنا في العراق».

في الأسابيع التي تلت ذلك، أطلقت الإدارة موجة من المزاعم حول تورّط إيران في حرب العراق. ففي 11 شباط الماضي أظهرت التقارير أجهزة تفجير متطورة تم ضبطها في العراق، وزعمت الإدارة أن مصدرها إيران. وكان جوهر رسالة الإدارة بهذا الخصوص أنّ الوضع السيئ في العراق لم يكن نتاجاً لفشلها في التخطيط والتنفيذ، بل بسبب التدخل الإيراني.

إضافة إلى ذلك قام الجيش الأميركي بتوقيف واستجواب المئات من الإيرانيين في العراق، وفي هذا الإطار قال أحد مسؤولي الاستخبارات السابقين أن «الأوامر صدرت إلى الجيش في آب الماضي للإمساك بأكبر عدد ممكن من الإيرانيين في العراق»، مضيفا «لقد قاموا باحتجاز 500 شخص دفعة واحدة، ونحن نتعامل مع هؤلاء للحصول على المعلومات منهم»، مضيفاً أن «هدف البيت الأبيض يكمن في جعل القضية تبدو أنّ الإيرانيين يقومون بإثارة التمرد وأن إيران، في الواقع، تدعم قتل الأميركيين». ويقول مستشار في «البنتاغون» أنّ القوات الأميركية اعتقلت مئات الإيرانيين في الأشهر الماضية، لكنه اخبرني أنّ من بين هؤلاء عدداً كبيراً من العاملين في مجال المساعدات الإنسانية «تم الإفراج عنهم خلال فترة قصيرة» بعدما اخضعوا للتحقيق.

وفي وقت أعلن وزير الدفاع الأميركي الجديد روبرت غيتس في الثاني من شباط «أننا لا نخطط لحرب على إيران»، فإنّ أجواء المواجهات باتت أعمق. وبحسب مسؤولين أمنيين وعسكريين حاليين وسابقين، فإنّ عمليات سرية تمّ تنفيذها في لبنان ترافقت مع عمليات سرية استهدفت إيرن، حيث قامت فرق عسكرية وفرق عمليات خاصة بزيادة وتيرة نشاطاتها في إيران لجمع المعلومات الإستخباراتية. وبحسب مستشار البنتاغون، فإن بعضها تجاوز الحدود لملاحقة ناشطين إيرانيين في العراق.

وخلال مثول رايس أمام مجلس الشيوخ، طرح السيناتور الديموقراطي جوزف بيدن، سؤالاً محدداً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة خططت لتجاوز الحدود الإيرانية أو السورية للقيام بملاحقات، حيث أجابت رايس «من الواضح، أنّ الرئيس لن يقدم على أي قرار خارج إطار حماية قواتنا، لكن الخطة تقضي بالقضاء على هذه الشبكات في العراق»، مضيفة «أعتقد أن كل شخص سيفهم ذلك، الشعب الأميركي ينتظر من الكونغرس أن يتوقع قيام الرئيس باتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية قواتنا».

وقد دفعت إجابة رايس الملتبسة بالسيناتور الجمهوري عن ولاية نبراسكا تشاك هاغل، المعروف بانتقاده للإدارة، إلى الرد قائلا «يتذكر البعض ما حدث في كمبوديا في العام ,1970 عندما كذبت حكومتنا على الشعب الأميركي قائلة إننا لم نتجاوز الحدود باتجاه كمبوديا، وفي الواقع كنا فعلنا ذلك. أعرف شيئاً حول هذا الأمر، كما هي الحال بالنسبة للبعض في هذه اللجنة، وبالتالي، السيدة الوزيرة، عندما تشرحين السياسة التي يتحدث عنها الرئيس فإنّ أمراً كهذا يعتبر خطيراً جداً جدا».

ويترافق القلق الذي تبديه الإدارة حول دور إيران في العراق، بالإنذار المتواصل الذي تطلقه تجاه البرنامج النووي الإيراني. ففي حديث لشبكة «فوكس نيوز» في 14 كانون الثاني الماضي، حذر تشيني من أنّه خلال سنوات قليلة، سيكون هناك احتمال في أن تصبح «إيران مسلحة نووياً ومتحكمة بإمدادات النفط، وقادرة على التأثير بشكل غير ملائم على الاقتصاد العالمي، ومستعدة لاستخدام التنظيمات الإرهابية، إضافة إلى أسلحتها النووية لتهديد جيرانها والدول الأخرى حول العالم». وقال «إذا ذهبتم للتحدث مع دول الخليج، أو إذا تحدثتم مع السعوديين والإسرائيليين والأردنيين، ستجدون أنّ المنطقة بأكملها قلقة... التهديد الذي تمثله إيران يتنامى».

وتقوم الإدارة حالياً بتفحص موجة من المعلومات الإستخباراتية الجديدة حول برامج الأسلحة الإيرانية. وقد أخبرني مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون، أنّ المعلومات التي أوردها عملاء إسرائيليون يعملون في إيران، تزعم أنّ طهران قامت بتطوير صاروخ عابر للقارات بمراحل دفع ثلاثية، قادر على توجيه عدد من الرؤوس المتفجرة الصغيرة، بدقة محدودة، إلى داخل أوروبا. إلا أنّ صحة هذه المعلومات ما زالت موضع نقاش.

لقد شكلت حجج مشابهة، تناولت التهديدات الوشيكة لأسلحة الدمار الشامل والتساؤلات التي أثارتها الاستخبارات في الإعداد لهذه القضية، مقدمة لغزو العراق. وقد استقبل كثيرون في الكونغرس هذه المزاعم حول إيران بحذر. ففي مجلس الشيوخ قالت السيناتور هيلاري كلينتون في 14 شباط الماضي «لقد تعلمنا جميعاً الدروس من النزاع في العراق، وعلينا أن نطبق هذه الدروس على أي من المزاعم التي تثار حول إيران، لأن ما نسمعه هو انذار غير رسمي، وعلينا أن نحرص على ألا نتخذ مجدداً قراراتنا استناداً إلى معلومات تتجه إلى أن تكون خاطئة».

ويواصل البنتاغون بهدوء إعداد خطة مكثفة لضربة محتملة لإيران، وهي عملية بدأت في العام الماضي تحت إشراف الرئيس. وفي الأشهر الماضية، أبلغني مسؤول استخبارات السابق، أنّه تم تشكيل فريق خاص للتخطيط على مستوى كبار القادة العسكريين، حيث جرى تكليفه بوضع خطة لقصف إيران يمكن تطبيقها خلال 24 ساعة بناءً على أمر يصدره الرئيس.

في الشهر الماضي، أبلغت من قبل مستشار في سلاح الجو وآخر في البنتاغون، أن فريق التخطيط حول إيران تلقى مهمة جديدة وهي تحديد أهداف في إيران يمكن أن تكون مصدراً لتجهيز ومساعدة المقاتلين في العراق، بينما كان التركيز في السابق على تدمير المنشآت النووية في إيران واحتمالات تغيير النظام.

وتتواجد الآن في بحر العرب حاملتا الطائرات «إيزنهاور» و«ستينيس». وفيما تقضي إحدى الخطط بتخفيض مهمتهما بحلول الربيع المقبل، تتوقع مصادر عسكرية أن تصدر الأوامر بالإبقاء على وجود الحاملتين في المنطقة بعد وصول حاملات جديدة.

(من ضمن مصادر القلق الأخرى، جاءت المناورات العسكرية لتظهر ان حاملات الطائرات ليست محصنة لمواجهة تكتيك إرسال عدد كبير من السفن الصغيرة، وهي تقنية طبقها الإيرانيون في السابق، حيث تمتلك الحاملات قدرة محدودة على المناورة خصوصاً في المناطق الضيقة كمضيق هرمز على السواحل الجنوبية لإيران).

ويقول مسؤول كبير سابق في الاستخبارات إنّ خطط الطوارئ الحالية تسمح بتنفيذ هجوم بحلول الربيع. لكنه يوضح أنّ الضباط الكبار في رئاسة الاركان يراهنون على أن لا يكون البيت الأبيض «على هذه الدرجة من الحماقة للقيام بذلك وسط ما يجري في العراق وما ستثيره من مشكلة في وجه الجمهوريين في العام 2008».

لعبة الأمير بندر

اعتمدت جهود الادارة لتحجيم القوة الايرانية في الشرق الأوسط بشكل كبير، على السعودية والأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان. وقد عمل بندر في منصب سفير الولايات المتحدة لمدة 22 عاما، حيث حافظ على صداقة مع الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني. وفي ظل منصبه الجديد، استمر في الاجتماع بهما بشكل سري. وقد قام مسؤولون في البيت الأبيض بزيارات عديدة الى السعودية مؤخرا، بعضها غير معلن.

في تشرين الثاني الماضي، توجه تشيني الى السعودية لعقد لقاء مفاجئ مع الملك عبد الله وبندر. وذكرت «التايمز» حينها ان الملك حذر تشيني من ان السعودية ستدعم حلفاءها السنة في العراق اذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب. وقال لي مسؤول استخباراتي اوروبي ان اللقاء ركز أيضا على المخاوف السعودية من «صعود الشيعة»، وانه ردا على ذلك «بدأ السعوديون يستخدمون نفوذهم المالي».

وفي عائلة ملكية تظللها المنافسة، تمكن بندر على مر الأعوام من بناء قوة تعتمد بشكل كبير على علاقته الوثيقة بالولايات المتحدة، التي تعد حاسمة بالنسبة للسعوديين. وخلف بندر في منصبه كسفير الأمير تركي الفيصل؛ استقال تركي بعد 18 شهراً وخلفه عادل الجبير، البيروقراطي الذي عمل مع بندر. وقال لي دبلوماسي سعودي سابق إنه خلال فترة عمل تركي، عرف هذا الأخير بلقاءات بندر ومسؤولي البيت الأبيض وبينهم تشيني وآبرامز. وقال المسؤول السعودي «اعتقد ان تركي لم يكن سعيداً بهذا الأمر». لكنه أضاف انه رغم ان تركي لا يحب بندر، فإنه تشارك معه في هدفه وهو مقارعة انتشار القوة الشيعية في الشرق الأوسط.

ويعود الفراق بين السنة والشيعة إلى انقسام مرير من القرن السابع، حول من الذي يجب ان يخلف النبي محمد. وهيمن السنة على خلفاء القرون الوسطى والإمبراطورية العثمانية، فيما نظر الى الشيعة على انهم دخلاء. عالمياً، 90 في المئة من المسلمين هم من السنة، لكن الشيعة يمثلون غالبية في إيران والعراق والبحرين، وهم أكبر جماعة مسلمة في لبنان. ان تمركزهم في منطقة هشة غنية بالنفط أثار القلق لدى الغرب والسنة حول انبثاق «الهلال الشيعي» ـ خاصة بالنظر الى تنامي القوة الإيرانية الجيوسياسية.

«لا يزال السعوديون ينظرون الى العالم من خلال الإمبراطورية العثمانية، عندما كان السنة يحكمون، والشيعة في أسفل الدرجات»، كما قال لي فريدريك هوف، وهو ضابط عسكري متقاعد يعمل كخبير حول الشرق الاوسط. وأضاف انه إذا نُظر الى بندر على انه يحدث تحولاً لدى السياسية الاميركية تجاه السنة، فإن هذا الأمر سيعزز موقعه لدى العائلة الحاكمة.

ويسيطر على السعوديين الخوف من أن تتمكن إيران من قلب موازين القوى ليس فقط في المنطقة بل في بلدهم أيضاً. ففي السعودية، أقلية شيعية في مناطقها الشرقية، حيث أهم حقول النفط، وحيث ترتفع حدة التوتر المذهبي. وتعتقد العائلة الحاكمة ان الناشطين الإيرانيين، الذين يعملون مع الشيعة المحليين، كانوا وراء العديد من الهجمات الارهابية داخل المملكة، وذلك بحسب فالي نصر. «اليوم، الجيش الوحيد القادر على احتواء إيران ـ الجيش العراقي ـ دمر من قبل الولايات المتحدة. نحن نتعامل مع إيران التي تستطيع ان تكون قادرة نووياً وتملك جيشاً نظامياً من 450 ألف جندي».

السعودية تملك جيشاً نظامياً من 75 ألف جندي

ويضيف نصر إن «السعوديين يملكون وسائل تمويل ضخمة، وعلاقات قوية بالإخوان المسلمين والسلفيين» ـ المتشددين السنة الذين يعتبرون الشيعة مرتدين. «في المرة الأخيرة التي شكلت فيها إيران تهديداً، تمكن السعوديون من تحريك أسوأ أشكال الإسلاميين الراديكاليين. حينما يخرجون من الصندوق، من الصعب إعادتهم إليه».

لقد أدت العائلة الملكية السعودية دور الراعي وكانت في الوقت ذاته هدفاً للمتشددين السنة، الذين يعارضون الفساد والانحطاط بين آلاف الأمراء. وهؤلاء الأمراء يراهنون على انه لن يتم الانقلاب عليهم طالما انهم مستمرون في دعم المدارس الدينية والجمعيات الخيرية المرتبطة بالمتشددين. إن الاستراتيجية الجديدة للإدارة تعتمد بشكل أساسي على هذه المساومة.

ويقارن نصر الوضع الحالي بالفترة التي ظهرت فيها القاعدة للمرة الأولى. ففي الثمانينات وأوائل التسعينات، عرضت الحكومة السعودية تقديم العون المالي لحرب وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية على الاتحاد السوفياتي في افغانستان. وتم إرسال المئات من الشبان السعوديين الى مناطق الحدود مع باكستان، حيث أقاموا المدارس الدينية ومخيمات التدريب ومنشآت التجنيد. وحينها، كما اليوم، فإن العديد من الناشطين الذين تلقوا أموالا سعودية، كانوا من السلفيين. وبينهم طبعاً، كان أسامة بن لادن ومساعدوه، الذين أسسوا القاعدة عام .1988

في هذه المرحلة، قال لي مستشار الحكومة الاميركية إن بندر وسعوديين آخرين أكدوا للبيت الأبيض انهم «سيراقبون المتطرفين عن كثب. كانت رسالتهم: خلقنا هذا التحرك، ونستطيع التحكم به. ليس الأمر اننا لا نريد أن يرمي السلفيون القنابل؛ إن الأمر يتعلق بالجهة التي يرمونها بها ـ حزب الله، مقتدى الصدر، إيران، والسوريون أيضا إذا استمروا بالعمل مع حزب الله وإيران».

وقال الدبلوماسي السعودي إنه من وجهة نظر بلده، فإن الانضمام الى الولايات المتحدة في تحديها لإيران، يعد مخاطرة سياسية: ينظر الى بندر على انه مقرب جداً من إدارة بوش. ويقول لي الدبلوماسي السابق «لدينا كابوسان. امتلاك إيران القنبلة وهجوم الولايات المتحدة على إيران. أفضل ان تهاجم اسرائيل الإيرانيين، حتى نستطيع إلقاء اللوم عليهم. إذا نفذت أميركا الأمر، نحن من سيلام».

 

نصر اللـه: الأميركيون يريدون تقسيـم العـراق ولبنـان وسوريـا إلى دويلات طائفية

خلال العام الماضي، توصل السعوديون والإسرائيليون وإدارة بوش الى سلسلة من الاتفاقات غير الرسمية حول توجههم الاستراتيجي الجديد. وقد شمل هذا الأمر أربعة عناصر رئيسية على الأقل، كما قال لي مستشار الحكومة الاميركية: أولا، طمأنة إسرائيل الى ان أمنها هو الأمر الأسمى وأن واشنطن والسعودية والدول الخليجية الأخرى تشاركها قلقها حول إيران.

ثانياً، يحث السعوديون حماس، الحركة الاسلامية الفلسطينية التي حصلت على دعم إيران، على التخفيف من عداوتها لإسرائيل والبدء في محادثات جدية حول التشارك في القيادة مع فتح، الجماعة الفلسطينية الأكثر علمانية. (في شباط الحالي، توسط السعوديون حول اتفاق في مكة بين الفصيلين. ومع ذلك، عبرت الولايات المتحدة وإسرائيل عن عدم رضاهما عن الشروط).

الأمر الثالث هو ان تعمل إدارة بوش بشكل مباشر مع الدول السنية من اجل كبح الصعود الشيعي في المنطقة.

رابعاً، توفر الحكومة السعودية، بموافقة واشنطن، الأموال والمساعدة اللوجستية لإضعاف حكومة الرئيس السوري بشار الأسد. ويعتقد الإسرائيليون إن فرض ضغط مماثل على حكومة الأسد سيجعل من الأمر أكثر ليونة وسيفتح الباب أمام المفاوضات. أن سوريا قناة أساسية لتمرير الأسلحة الى «حزب الله». والحكومة السعودية أيضا في خلاف مع السوريين حول اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء السابق، في بيروت عام ,2005 حيث تعتقد ان حكومة الأسد مسؤولة عن الاغتيال. والحريري، الملياردير السني، كان مقرباً جداً من النظام السعودي والأمير بندر. (أشارت لجنة تحقيق دولية الى ان السوريين متورطون، لكنها لم تقدم دليلاً مباشراً؛ هناك خطط لإجراء تحقيق آخر عبر إنشاء محكمة دولية).

يصف باتريك كلاوسون، من معهد واشنطن حول سياسات الشرق الأدنى، التعاون السعودي مع البيت الأبيض بالاختراق المهم. وقد قال لي «يدرك السعوديون انهم إذا أرادوا من الادارة ان تقدم عرضاً سياسياً أكثر سخاء الى الفلسطينيين فإن عليهم حث الدول العربية على تقديم عروض أكثر سخاء الى الإسرائيليين». وتظهر هذه المقاربة الدبلوماسية الجديدة «مستوى مرتفعاً من الجهود والمهارة التي ليست مرتبطة دائماً بهذه الادارة. من يقود الخطر الأكبر ـ نحن أم السعوديون؟ حين يصبح الموقع الاميركي في الشرق الاوسط في أدنى مستوياته، فإن السعوديين يعانقوننا. علينا ان نحصي نعمنا».

غير أن لمستشار البنتاغون رأي مخالف، حيث يقول إن الادارة التفتت الى بندر على انه «بديل» لأنها أدركت ان الحرب الفاشلة في العراق ستترك الشرق الأوسط «عرضة للاغتصاب».

الجهاديون في لبنان

إن وجهة تركيز العلاقة الأميركية السعودية، بعد إيران، هي نحو لبنان، حيث ان السعوديين متورطون بقوة في جهود من قبل الإدارة لدعم الحكومة اللبنانية. إن رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة يكافح من اجل البقاء في السلطة ضد معارضة مستمرة يقودها حزب الله، المنظمة الشيعية، وزعيمها حسن نصر الله.

حزب الله يتمتع ببنية تحتية شاملة، تُقدّر بألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل ناشط، وآلاف الأعضاء الإضافيين. وتم وضعه على لائحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية منذ عام .1997 وقد تورطت هذه المنظمة في عملية تفجير ثكنات المارينز في بيروت عام ,1983 التي أسفرت عن مقتل 241 جندياً. كما اتهمت بالاشتراك في اختطاف أميركيين، بمن في ذلك رئيس مركز وكالة الاستخبارات المركزية في بيروت الذي توفي في الأسر، وكولونيل في البحرية كان يخدم في مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الذي قتل أيضاً.(نصر الله نفى ضلوع مجموعته في هذه الحوادث).

وينظر الكثيرون إلى نصر الله على أنه إرهابي قوي، وهو من قال بأنه يعتبر إسرائيل كياناً لا يحق له أن يكون موجوداً، ولكن الكثيرين في العالم العربي، وخصوصاً الشيعة، ينظرون إليه على أنه زعيم مقاوم صمد في وجه إسرائيل خلال الحرب الأخيرة في لبنان، التي دامت 33 يوماً، فيما كان السنيورة، كسياسي ضعيف يعتمد على دعم أميركا، غير قادر على إقناع الرئيس بوش بدعوة إسرائيل إلى وقف قصفها للبنان. (صور السنيورة وهو يقبل وجنة رايس، عندما زارت لبنان خلال الحرب، نشرت بشكل واسع خلال التظاهرات في بيروت).

لقد تعهدت إدارة بوش، علناً، بمنح حكومة السنيورة مليار دولار كمساعدات منذ الصيف الماضي. أما مؤتمر المانحين في باريس، الذي عقد في كانون الثاني الماضي والذي ساهمت الولايات المتحدة في تنظيمه، فجمع تعهدات تزيد عن ثمانية مليارات دولار، بما في ذلك وعد بأكثر من مليار دولار من السعوديين. ويتضمن التعهد الأميركي أكثر من 200 مليون دولار كمساعدات عسكرية، و40 مليون دولار للأمن الداخلي.

كما أعطت الولايات المتحدة دعماً سرياً لحكومة السنيورة، بحسب ما أفاد مسؤول الاستخبارات الكبير السابق والمستشار الحكومي الأميركي.

وقال مسؤول الاستخبارات الكبير السابق «إننا في خضم برنامج من أجل تعزيز القدرة السنية على مقاومة النفوذ الشيعي، كما أننا نوزّع المال هنا وهناك بقدر ما نستطيع». والمشكلة أن مثل هذا المال «يصل دائماً إلى جيوب أكثر مما تعتقد»، مضيفاً «بهذا المعنى، إننا نموّل الكثير من الأشرار الذين لديهم عواقب محتملة خطيرة غير مقصودة. ولا توجد لدينا القدرة على تحديد... أو الحصول على إيصالات بالدفع موقعة من الأشخاص الذين نحبهم، وتجنّب الأشخاص الذين لا نحبهم... إنها مغامرة تحتمل مجازفة كبيرة».

وقال المسؤولون الأميركيون والأوروبيون والعرب الذين تحدثت معهم إن حكومة السنيورة وحلفاءها سمحت لبعض هذه المساعدات أن تصل إلى أيادي مجموعات سنية راديكالية صاعدة في شمال لبنان والبقاع وحول المخيمات الفلسطينية في الجنوب. هذه المجموعات، ولو صغيرة، يُنظر إليها على أنها حاجز في وجه حزب الله، وفي الوقت ذاته، فإن علاقاتها الإيديولوجية مرتبطة بالقاعدة.

خطف الدولة... والسلفيون الكريهون!

وأثناء حديثه معي، اتهم الدبلوماسي السعودي السابق نصر الله بمحاولة «خطف الدولة»، ولكنه أيضاً عارض الرعاية اللبنانية والسعودية للجهاديين السنة في لبنان، قائلاً إن «السلفيين مثيرون للاشمئزاز وكريهون... وأنا أعارض بشدة فكرة مغازلتهم»، مضيفاً «إنهم يكرهون الشيعة، ولكنهم يكرهون الأميركيين أكثر. وإذا حاولت التفوق عليهم دهاءً، سيتفوقون علينا. وسيصبح ذلك شنيعاً».

وقال لي الباحث في مركز أبحاث «منتدى الصراعات» في بيروت الستير كروك، الذي أمضى نحو 30 عاماً في جهاز الإستخبارات البريطانية «ام أي 6»، إن «الحكومة اللبنانية تفتح المجال أمام هؤلاء الناس، وذلك قد يصبح خطيراً للغاية». وقال كروك إن إحدى المجموعات السنية المتطرفة «فتح الإسلام» قد انشقت عن مجموعتها الأم الموالية لسوريا «فتح الانتفاضة»، في مخيم نهر البارد في شمال لبنان. وفي الوقت ذاته، عضويتها تقدر بأقل من مئتين، مضيفاً «قيل لي أنه خلال 24 ساعة، تم إعطاؤهم الأسلحة والمال من قبل أشخاص عرّفوا عن أنفسهم بأنهم ممثلون عن مصالح الحكومة اللبنانية ـ ربما للإجهاز على حزب الله».

أكبر هذه المجموعات، عصبة الأنصار، تتمركز في مخيم عين الحلوة، وقد تلقت الأسلحة والعتاد من أجهزة أمنية داخلية وميليشيات مرتبطة بحكومة السنيورة.

عام ,2005 ووفقاً لتقرير لمجموعة الأزمات الدولية، ومقرها في الولايات المتحدة، ورث سعد الحريري، زعيم الغالبية السنية في البرلمان اللبناني وابن رئيس الوزراء الأسبق، أكثر من أربعة مليارات دولار بعد اغتيال والده، وقد دفع 48 ألف دولار ككفالة للإفراج عن أربعة عناصر من مجموعة إسلامية عسكرية من الضنية. وكان هؤلاء الرجال قد أوقفوا خلال محاولة تأسيس دولة إسلامية صغيرة في شمال لبنان. وأشارت مجموعة الأزمات إلى أن الكثير من المقاتلين «تدربوا في مخيمات القاعدة في أفغانستان».

وبحسب تقرير مجموعة الأزمات، استخدم سعد الحريري في ما بعد غالبيته البرلمانية للحصول على العفو من اجل 22 إسلامياً في الضنية، وسبعة مقاتلين مشتبه بهم في تورطهم في مؤامرة تفجير السفارتين الإيطالية والأوكرانية في بيروت، العام الماضي. (كما أنه رتب استصدار عفو عن سمير جعجع، وهو زعيم ميليشيا مسيحية مارونية، وكان قد أدين بجرائم قتل أربعة سياسيين، بمن فيهم اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رشيد كرامي عام 1987). ووصف الحريري أعماله، أمام المراسلين، بالإنسانية.

وفي مقابلة في بيروت، اعترف مسؤول نافذ في حكومة السنيورة أن هناك جهاديين سُنة يعملون داخل لبنان، وقال «لدينا موقف ليبرالي يسمح لأصناف القاعدة بأن تتخذ لها تواجداً هنا»، رابطاً ذلك بمخاوف إزاء قرار قد تتخذه إيران أو سوريا لتحويل لبنان إلى «مسرح للصراع».

وقال المسؤول إن حكومته ليست في موقع الفوز. فمن دون تسوية سياسية مع حزب الله، لبنان قد «ينزلق إلى صراع» حيث يتقاتل حزب الله على نحو واسع مع القوى السنية، مع احتمال وقوع عواقب وخيمة. ولكن إذا وافق حزب الله على تسوية، بالإضافة إلى احتفاظه بجيش منفصل متحالف مع إيران وسوريا، «قد يصبح لبنان هدفاً. في الحالتين، سنصبح هدفاً».

ووصفت إدارة بوش دعمها لحكومة السنيورة بأنه مثال على إيمان الرئيس بالديموقراطية، ورغبته في الحؤول دون تدخل قوى أخرى في لبنان. عندما قاد حزب الله تظاهرات في الشارع في بيروت في كانون الأول الماضي، وصفهم السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتون بأنهم «جزء من انقلاب مدعوم من إيران وسوريا».

وقالت الرئيسة السابقة لمجلس العلاقات الخارجية ليسلي جيلب إن سياسة الإدارة كانت أقل قرباً للديموقراطية منها إلى «الأمن القومي الأميركي. والحقيقة، قد يصبح الوضع خطيراً جداً إذا أدار حزب الله لبنان»، مضيفة إن سقوط حكومة السنيورة ستعتبر «كإشارة في الشرق الأوسط إلى انحدار الولايات المتحدة وصعود التهديد الإرهابي. ولذلك أي تغيير في توزيع السلطة السياسية في لبنان يجب أن تواجهه الولايات المتحدة، ونحن لدينا تبريرنا في مساعدة أي أحزاب غير شيعية تقاوم هذا التغيير... يتوجب علينا ان نقول ذلك علناً عوضاً عن الحديث عن الديموقراطية».

ومع ذلك، قال مارتن انديك، من مركز صابان، إن الولايات المتحدة «لا تملك ما يكفي من اجل إيقاف المعتدلين في لبنان من التعامل مع المتطرفين»، مضيفاً إن «الرئيس يرى المنطقة مقسمة بين معتدلين ومتطرفين، ولكن أصدقاءنا الإقليميين يرونها مقسمة بين سنة وشيعة. السنة الذين ننظر إليهم على أنهم متطرفون، يعتبرون بنظر حلفائنا السُنة مجرد سُنة».

في كانون الثاني الماضي، بعد ثورة العنف الشارعي في بيروت والتي تورط فيها مناصرون لحكومة السنيورة وآخرون لحزب الله، توجه الأمير بندر إلى طهران لمناقشة المأزق السياسي في لبنان وللقاء المفاوض الإيراني حول المسائل النووية علي لاريجاني.

إيران سوريا والإخوان المسلمون

بحسب سفير في الشرق الأوسط، كانت مهمة بندر، المدعوم من البيت الأبيض على حد قول ذلك السفير، تهدف إلى «خلق المشاكل بين الإيرانيين وسوريا». وكان هناك توترات بين الدولتين بشأن المحادثات السورية مع إسرائيل، وكان هدف السعوديين هو تعزيز هذا الصدع. ومع ذلك، قال السفير أنها «لم تفلح. سوريا وإيران لن تخونا بعضهما بعضاً.. ومبادرة بندر مرشحة بشدة إلى الفشل».

وليد جنبلاط، وهو زعيم الدروز (وهم أقلية) في لبنان وحليف قوي للسنيورة، اتهم نصر الله بأنه عميل لسوريا، وقال مراراً للصحافيين الأجانب بأن حزب الله يخضع لإدارة مباشرة من القيادة الدينية في إيران. وفي حديث معي في كانون الأول الماضي، وصف جنبلاط الرئيس السوري بشار الأسد بأنه «قاتل متسلسل»، وأن نصر الله «مذنب معنويا» في اغتيال رفيق الحريري، وفي مقتل النائب بيار الجميل في تشرين الثاني الماضي، لأنه يدعم السوريين.

بعدها قال لي جنبلاط أنه التقى نائب الرئيس ديك تشيني في واشنطن في الخريف الماضي من أجل مناقشة إمكانية تقويض الأسد، من بين الكثير من المسائل التي نوقشت. وقد نصح جنبلاط وزملاؤه نائب الرئيس الأميركي بأنه إذا حاولت الولايات المتحدة التحرك ضد سوريا، سيكون أعضاء جماعة الأخوان المسلمين في سوريا هم «الأشخاص الذين سيتم التحدث إليهم»، على حد قول جنبلاط.

جماعة الاخوان المسلمين في سوريا، هي فرع من الحركة السنية الراديكالية التي تأسست في مصر في العام ,1928 وقد دخلت قبل أكثر من عقد من الزمن في مواجهة عنيفة مع نظام حافظ الأسد، والد بشار. في العام ,1982 سيطرت الجماعة على مدينة حماه، فقام الأسد بقصف المدينة على مدى أسبوع، متسبباً بمقتل ما بين ستة آلاف و20 ألف شخص. الانتساب إلى الجماعة أمر يعاقب عليه بالإعدام في سوريا. كما ان الجماعة عدو معلن للولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك قال جنبلاط «قلنا لتشيني أن الرابط الأساسي بين إيران ولبنان هو سوريا ـ ومن أجل إضعاف ايران يجب فتح باب أمام معارضة سورية فاعلة».

من الواضح أن الجماعة استفادت بالفعل من استراتيجية الإدارة حول إعادة التوجيه. جبهة الخلاص الوطني السورية، هي ائتلاف من مجموعات المعارضة، أبرزها الحزب الذي يقوده النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام، والجماعة.

وقال لي مسؤول كبير سابق في وكالة الاستخبارات المركزية أن «الأميركيين قدّموا الدعم السياسي والمالي. السعوديون يقودون الدعم المالي ولكن هناك تدخلا أميركيا». وأضاف أن خدام، الذي يعيش في باريس، يتلقى الأموال من السعودية بمعرفة البيت الأبيض. (في العام ,2005 التقى وفد من الجبهة بمسؤولين من مجلس الأمن القومي، وفقاً للتقارير الإعلامية). وقال لي مسؤول سابق في البيت الأبيض أن السعوديين زوّدوا أعضاء الجبهة بوثائق السفر.

وقال جنبلاط أنه يدرك بأن المسألة كانت حساسة بالنسبة للبيت الأبيض، مضيفا «قلت لتشيني أن بعض الأشخاص في العالم العربي، وخصوصاً المصريين (قيادة مصر السنية المعتدلة تحارب منذ عقود جماعة الأخوان المسلمين في مصر) لن يحبذوا فكرة أن تساعد الولايات المتحدة الجماعة. ولكن إذا لم نجهز على سوريا، سنصبح في لبنان، وجهاً لوجه مع حزب الله، في حرب طويلة.. قد لا نكسبها».

السيد

خلال ليلة دافئة وصافية من كانون الأول الماضي، وفي ضاحية طاولها القصف على بعد أميال من وسط بيروت، استعرضت ما يمكن لاستراتيجية الإدارة الأميركية أن تقوم به في لبنان. وافق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على إجراء مقابلة معي. لقد كانت الترتيبات الأمنية للقاء سرية ومتقنة. تمّ اقتيادي، عبر المقعد الخلفي لسيارة مموهة بزجاج داكن، إلى مرأب تحت الأرض مدمّر، في مكان ما في بيروت، حيث اخضعت لتفتيش بواسطة جهاز مسح يدوي، قبل أن أنقل مجدداً عبر سيارة أخرى إلى مرأب آخر مدمّر أيضاً من جراء القصف.

خلال الصيف الماضي، ذكرت التقارير أن إسرائيل تحاول قتل نصر الله، ولكن هذه التدابير الوقائية لم تكن فقط بسبب هذا التهديد، حيث قال لي مساعدو نصر الله أنّهم يعتقدون أنّه هدف أساسي لأطراف عربية، خصوصاً عملاء الاستخبارات الأردنية، بالإضافة إلى الجهاديين السنة الذين يتبعون تنظيم «القاعدة».

(إشارة إلى أنّ مستشاراً حكومياً وجنرالاً متقاعداً قالا لي أنّ الاستخبارات الأردنية سعت، بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى اختراق المجموعات الشيعية للعمل ضد حزب الله. إضافة إلى أنّ الملك الأردني عبد الله الثاني حذر من أن قيام حكومة شيعية في العراق قريبة من إيران، سيؤدي إلى ظهور هلال شيعي).

وفي تحوّل يدعو إلى السخرية، جاءت معركة نصر الله على إسرائيل الصيف الماضي لتحوّله، كشيعي، إلى الرمز الأكثر شعبية وتأثيراً في أوساط السنة والشيعة على امتداد المنطقة. لكن في المقابل، خلال الأشهر الماضية نظر إليه العديد من السنة ليس كرمز للوحدة العربية ولكن كمشارك في الحرب الطائفية.

كان نصر الله بانتظاري في شقة عادية، مرتدياً كالعادة زيه الديني. وقد قال لي أحد مساعديه أنّه لن يبقى في المكان حتى الصباح، وأنّه يتنقل باستمرار منذ أن قرّر في تموز الماضي أسر جنديين في عملية عابرة للحدود أطلقت حرباً امتدت 33 يوماً. وقد قال نصر الله علناً، وكرّر ذلك لي، أنّه أخطأ في تقدير الرد الإسرائيلي، قائلا «لقد قررنا فقط اسر جنود لغرض التبادل ولم نكن نريد جر المنطقة إلى حرب».

واتهم نصر الله إدارة بوش بالعمل مع إسرائيل على التحريض المتعمد على الفتنة، وهي كلمة عربية تعني العصيان والتقسيم بين المسلمين. وأضاف «باعتقادي هناك حملة ضخمة في الإعلام على امتداد العالم لجعل كل طرف يقف ضد الآخر»، وتابع «اعتقد أن هذا كله يتم تنفيذه من قبل المخابرات الأميركية والإسرائيلية»، (من دون أن يقدّم أي دليل على ذلك)، مشيراً إلى أنّ الحرب الأميركية على العراق زادت من التوترات الطائفية، لكنه أوضح أن حزب الله يسعى لتفادي امتدادها إلى لبنان (بعد أسابيع من حديثنا ازدادت المواجهات العنيفة بين السنة والشيعة).

وأعرب نصر الله عن اعتقاده بأنّ هدف الرئيس الأميركي كان «رسم خريطة جديدة للمنطقة»، وتابع «هم (الأميركيون) يريدون تقسيم العراق. العراق ليس على حافة الحرب الأهلية، هناك حرب أهلية، هناك عمليات تطهير عرقية وطائفية»، موضحاً أن «القتل والتهجير الذي يجري في العراق يستهدف إقامة ثلاثة أقاليم عراقية على أسس طائفية وعرقية كمقدمة لتقسيم العراق». وتابع «خلال سنة أو سنتين على الأكثر، ستكون هناك مناطق سنية بالكامل وأخرى للشيعة وأخرى للأكراد، وحتى في بغداد هناك مخاوف من أن تقسم المدينة إلى منطقتين سنية وشيعية».

وتابع نصر الله «ما يمكنني قوله أنّ الرئيس بوش يكذب عندما يقول أنّه لا يريد تقسيم العراق، فكل الوقائع التي تجري الآن على الأرض تؤكد أنّه يجر العراق باتجاه التقسيم، وسيأتي يوم يقول فيه: لست قادراً على القيام بأي شيء طالما أن العراقيين يريدون تقسيم بلادهم وأنا احترم إرادة الشعب العراقي».

وأعرب نصر الله عن اعتقاده أنّ الولايات المتحدة تريد أيضاً تقسيم لبنان وسوريا. وأوضح أنّه في سوريا ستكون نتيجة ذلك دفع البلاد «باتجاه الفوضى والحروب الداخلية كما في العراق»، أما في لبنان فستكون هناك «دولة سنية ودولة علوية ودولة مسيحية ودولة درزية»، وأضاف «لا أعلم ما إذا كان سيصبح هناك دولة شيعية».

وقال نصر الله أنّه يشتبه في أن يكون الهدف من الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان «تدمير المناطق الشيعية وتهجير الشيعة من لبنان»، موضحاً أنّ الفكرة كانت جعل الشيعة يفرون من لبنان وسوريا إلى جنوب العراق» الذي يسيطر عليه الشيعة. وتابع «لست أكيداً لكني أشتمّ ذلك».

وقال أن التجزئة ستترك حول إسرائيل «دولا صغيرة هادئة. أستطيع ان اؤكد لك ان المملكة السعودية ستقسم أيضا، وان المسألة ستطال الدول الافريقية الشمالية. ستكون هناك دول أثنية». وأضاف «بكلمات أخرى، ستصبح اسرائيل أهم وأقوى دولة في منطقة تجزأت الى دول اثنية على توافق في ما بينها. هذا هو الشرق الاوسط الجديد».

في الواقع، قاومت إدارة بوش الحديث عن تقسيم العراق، وبات موقفها العلني يفيد بان البيت الأبيض يرى مستقبل لبنان سليما مع «حزب الله» ضعيفا ومنزوع السلاح ويؤدي دورا سياسيا صغيرا. وليس هناك أيضا من دليل على دعم فكرة نصر الله بان الاسرائيليين يعملون على نقل الشيعة الى جنوب العراق. لكن رغم ذلك، فان وجهة نظر نصر الله حول صراع طائفي أوسع تتورط فيه الولايات المتحدة، يطرح نفسه كنتيجة للإستراتيجية الجديدة للبيت الأبيض.

خلال المقابلة، قدم نصر الله إشارات تهدئة ووعود يمكن ان تقابل بالشك من قبل خصومه. وقال «اذا أكدت الولايات المتحدة ان المناقشات مع أمثالنا يمكن ان تكون مفيدة ومؤثرة في تحديد السياسة الاميركية في المنطقة، فليس لدينا أي اعتراض على المحادثات واللقاءات. لكن اذا كان هدفهم من وراء هذه اللقاءات فرض سياستهم علينا، فانها ستكون مضيعة للوقت». وأَضاف ان ميليشيا «حزب الله»، ما لم تتم مهاجمتها، فانها ستعمل فقط ضمن حدود لبنان، متعهدا بنزع السلاح حين يصبح الجيش اللبناني قادرا على النهوض. وقال نصر الله انه ليس مهتما في بدء حرب جديدة مع اسرائيل. ومع ذلك، أكد انه يستبق ويستعد لهجوم إسرائيلي آخر في وقت لاحق من هذا العام.

وأصر نصر الله على ان التظاهرات في شوارع بيروت ستستمر حتى تسقط حكومة السنيورة أو تلتقي مع مطالب حلفه السياسي. وقال لي «عمليا، لا تستطيع هذه الحكومة ان تحكم. قد تصدر قرارات، لكن غالبية الشعب اللبناني لن تكون ملزمة بتنفيذها ولن تعترف بشرعية الحكومة. السنيورة باق في منصبه بفضل الدعم الدولي، لكن هذا الأمر لا يعني ان السنيورة يمكن ان يحكم لبنان».

وقال نصر الله ان اشادات الرئيس بوش المتكررة تجاه حكومة السنيورة «هي أكبر خدمة يمكن تقديمها للمعارضة اللبنانية، لانها تضعف موقعهم أمام الشعب اللبناني والشعوب العربية والإسلامية. هم يراهنون على اننا سنتعب. لم نتعب خلال الحرب، فكيف سنتعب في تظاهرة؟».

هناك انقسام حاد داخل وخارج إدارة بوش حول أفضل سبيل للتعامل مع نصر الله، وحول ما اذا كان يستطيع، في واقع الامر، ان يكون شريكا في تسوية سياسية. وكان مدير الاستخبارات القومية جون نيغروبونتي قال في شهادة وداعية امام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ في كانون الثاني ان «حزب الله في وسط الاستراتيجية الايرانية الارهابية.. قد يقرر شن هجمات ضد المصالح الاميركية حينما يشعر ان بقاءه أو بقاء ايران مهدد.. حزب الله اللبناني يرى نفسه على انه شريك طهران».

في العام ,2002 وصف ريتشارد ارميتاج الذي كان حينها نائب وزير الخارجية، حزب الله بـ«الفريق الاول» للارهابيين. غير انه في مقابلة أجريت مؤخرا، قال ان المسألة أصبحت أكثر تعقيدا. وذكر لي ارميتاج ان نصر الله يظهر «كقوة سياسية معينة، مع دور سياسي يؤديه داخل لبنان اذا أراد ذلك». وفي ما يتعلق بالعلاقات العامة والتقيد باللعبة السياسية، قال ارميتاج ان نصر الله «أذكى رجل في الشرق الاوسط». لكنه أضاف ان على نصر الله «ان يوضح بانه يريد ان يؤدي دورا مناسبا في ما يتعلق بالمقاومة المخلصة. اعتقد ان هناك دما يجب ان يدفع،». في إشارة الى العقيد الذي قتل وتفجير ثكنة المارينز.

كان روبرت باير، وهو عميل استخباراتي عمل لوقت طويل لدى وكالة الاستخبارات المركزية، من أشد منتقدي «حزب الله»، وقد حذر من ارتباطاته بالرعاية الايرانية للإرهاب. لكنه قال لي «لدينا الآن سنة عرب يحضرون لصراع كارثي، وسنحتاج الى شخص يحمي المسيحيين في لبنان. كان الفرنسيون والأميركيون يؤدون هذا الدور، لكن الآن سيكون الشيعة ونصر الله».

وأضاف باير «أهم قصة في الشرق الاوسط هي صعود نصر الله من رجل شارع الى قائد. من إرهابي الى رجل دولة. الكلب الذي لم ينبح هذا الصيف ـ خلال الحرب مع لبنان ـ هو الارهاب الشيعي». وكان باير يشير بذلك الى المخاوف من ان نصر الله، الى جانب اطلاق الصواريخ باتجاه اسرائيل وخطف جنودها، قد يطلق شرارة حملة من الهجمات الارهابية على أهداف إسرائيلية وأميركية حول العالم. وقال «كان يمكن ان يطلق العنان لذلك، لكنه لم يفعل».

تعرف معظم المجتمعات الاستخباراتية والدبلوماسية علاقة «حزب الله» بإيران. لكن هناك اختلافا حول المدى الذي يمكن ان يضع فيه نصر الله مصلحة ايران على حساب مصلحة حزب الله. وقد وصف ضابط استخباراتي سابق عمل في وكالة الاستخبارات المركزية في لبنان نصر الله بـ«الظاهرة اللبنانية»، مضيفا «نعم ان ايران وسوريا تساعدانه، لكن حزب الله ذهب أبعد من ذلك». وقال لي انه كان هناك فترة في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات حين كانت محطة وكالة الاستخبارات المركزية في بيروت تستطيع ان تتنصت بشكل سري على مكالمات نصر الله. فوصف نصر الله بانه «رئيس عصابة تمكن من التعامل مع العصابات الاخرى. لقد كان يقيم اتصالات مع الجميع».

تبليغ الكونغرس

إن اعتماد إدارة بوش على العمليات السرية التي لم يتم إعلام الكونغرس بها وتعاملها مع وسطاء حول جدول أعمالها المشكوك فيه ألغيت. منذ عقدين، حاولت إدارة الرئيس (رونالد) ريغان تمويل (ثوار) الكونترا في نيكاراغوا عبر بيع أسلحة سرا إلى إيران. إن أموالا سعودية كانت متورطة في ما أصبح يعرف بفضيحة إيران ـ كونترا، كما أن عددا قليلا من اللاعبين وقتها. أبرزهم الأمير بندر واليوت ابرامز. متورطون في تعاملات اليوم.

وأوضح المسؤول السابق في الاستخبارات أن إيران ـ كونترا كانت موضوع بحث منذ عامين بين المتورطين في الفضيحة حول «الدروس المستقاة» منها. وقاد ابرامز المناقشات. وخرجوا باستنتاج واحد هو انه برغم من انه تم فضح البرنامج، فانه كان من الممكن تنفيذه من دون إعلام الكونغرس. وحول ما علمتهم التجربة، بالنسبة إلى العمليات المستقبلية، فقد وجد المشاركون: «اولا، لا يمكنك الوثوق بأصدقائنا. ثانيا، يجب أن تكون الـ«سي أي ايه» خارج الموضوع تماما. ثالثا، لا يمكنك الوثوق بالعسكريين، ورابعا، يجب أن يتم الأمر بعيدا عن مكتب نائب الرئيس «في إشارة إلى دور تشيني.

لقد قال لي مستشاران للحكومة والمسؤول الرفيع في الاستخبارات في ما بعد أن نتائج إيران ـ كونترا كانت عاملا في قرار نيغروبونتي الاستقالة من إدارة مكتب الاستخبارات القومية وقبول مركز نائب وزيرة الخارجية. (رفض نيغروبونتي التعليق على الموضوع).

كما قال لي المسؤول السابق في الاستخبارات إن نيغروبونتي لم يكن يريد تكرار تجربته خلال إدارة ريغان، عندما خدم كسفير في هندوراس. ونقل عن «نيغروبونتي قوله، مستحيل. أنا لا أريد أن أسير على تلك الطريق مجددا، مع وجود مجلس الأمن الوطني يدير العمليات من خلال الكتب، من دون أي نتائج، (في حالة قيام الـ«سي أي ايه» بعمليات، فانه يجب على الرئيس أن يعلم الكونغرس بالنتائج)». وأوضح أن نيغروبونتي وافق على منصب نائب لوزيرة الخارجية لأنه «يعتقد انه يمكن له التأثير على الحكومة بطريقة ايجابية».

وأشار المستشار الحكومي إلى أن نيغروبونتي يتشارك مع البيت الأبيض حول الأهداف السياسية إلا انه «يريد أن يتم هذا الأمر عبر الكتاب». وقال لي المستشار في الكونغرس إن نيغروبونتي عانى من «مشاكل من البدعة السياسية لروبي غولدبرغ حيال تثبيت (الاستقرار) في الشرق الأوسط».

وأضاف المستشار في البنتاغون أن إحدى الصعاب، من ناحية الإشراف، كانت كيفية الحصول على التمويل سرا. وأوضح «هناك العديد من الاموال السوداء (تمويل سري) موزعة في عدد من الأماكن ومستخدمة حول العالم في مهام منوعة». وحسب المسؤول السابق في الاستخبارات والجنرال المتقاعد فان الفوضى الموجودة في ميزانية العـراق، حيث لا يتم احتساب مليارات الدولارات، وسيلة لمثل هذه التحويلات.

وقال المساعد السابق في مجلس الأمن القومي ان «هذا يعود الى ايران ـ كونترا، ومعظم ما يقومون به هو لابقاء الوكالة خارج الموضوع». وأشار الى انه لم يتم اطلاع الكونغرس على الحجم الفعلي للعمليات الاميركية ـ السعودية، و»السي أي ايه تسال: ماذا يجري؟، انهم قلقون، لانهم يعتقدون انها ساعة هواة».

ان الكونغرس بدا يهتم بعملية مراقبة هذه القضية. في تشرين الثاني، اصدرت (لجنة) الكونغرس للابحاث تقريرا للكونغرس حول الادارة الضبابية للعلاقة بين نشاطات الـ«سي أي ايه» والنشاطات العسكرية البحتة، والتي لا تشترط نفس الاجراءات. كما ان لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، التي يتراسها السيناتور جاي روكفيلير، عينت جلسة استماع في 8 اذار حول النشاطات الاستخباراتية لوزارة الدفاع.

وقال لي العضو في اللجنة السيناتور الديموقراطي رون وايدن «لقد فشلت إدارة بوش في معظم الأوقات بتنفيذ تعهداتها باطلاع لجنة الاستخبارات بشكل دائم (على نشاطاتها). ان السؤال دائما «ثقوا بنا»...من الصعب بالنسبة لي ان أثق بهذه الإدارة».

السفير 26-2-2007


 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro