English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أزمة التعليم العالي في البحرين: التعليم التطبيقي مثالاً ((نادي العروبة: 29 8 2006 ))
القسم : عام

| |
2006-09-02 11:35:31


 

الخبر الذي هز الأوساط الجامعية و الطلابية بدون منازع و تناولته أعمدة الصحف ما بين مؤيد و معارض هو إحالة 3000 طالب من أصل 4376 إلى كلية التعليم التطبيقي. هذا الخبر مرشح للتضخم و الإنفجار كما كرة الثلج التي تكبر وتزداد سرعتها كلما تدحرجت من أعلى الجبل حتى تنفجر في سفحه، و عندها يحدث انفجارها دوياً عالياً ربما أكبر من قضية التجنيس الأخيرة التي تأخذ حيزاً في الحوارات التي تجري على الساحة السياسية، خاصة و البحرين ستشهد انتخابات قادمة تشير جميع الدلائل إلى درجة سخونتها العالية. و لكن قضية التعليم التطبيقي ستكون في المقدمة كونها تمس شريحة الشباب وهي شريحة كبيرة في المجتمع تمثل المستقبل الذي لا يبدو جلياً حتى لواضعي السياسات العليا و المخططين لهذا البلد.

من الملوم ؟ الجامعة أم وزارة التربية أم شح الميزانية المرصودة للجامعة أم الطلبة أنفسهم ؟ سوف نتطرق إلى مسئولية كل جهة و نرصد العوامل التي أدت إلى تفاقم تلك المشكلة ثم نقدم الحل أو الحلول المختلفة لأبنائنا الطلاب كي يختاروا الطريق الذي يريدون:

1)    جامعة البحرين : بدأت المشكلة لدى جامعة البحرين بعد القرار الذي أصدره جلالة الملك حين أعلن منذ بضع سنوات عن تخفيض الرسوم و قبول جميع الطلبة ممن حازوا على معدل 70%. و بالطبع فقد كان جلالته يقصد خيراً لأبنائه الطلبة خاصة أولئك الذين لا يستطيعون دفع رسوم الجامعة العالية كونهم من ذوي الدخل المحدود. لقد تمكن الكثيرون من الإلتحاق بالجامعة و التخرج منها و الحصول على عمل في معظم الأحيان. لكن أعداد الطلبة تضاعفت خلال فترة بسيطة حيث وصل عددهم إلى ثلاثة أضعاف ما كانوا عليه قبل خمس سنوات. هذا العدد الضخم أربك الجامعة و أربك ميزانيتها التي تبلغ 15 مليون دينار سنوياً بينما تبلغ الميزانية العامة حوالي مليار دينار بمعنى هنا أن ميزانية الجامعة تشكل 1،5% من الميزانية العامة وهو رقم بالغ الضآلة إذا قورن بما يصرف على التعليم العالي في الدول المتقدمة. و قد اضطرت الجامعة إلى غلق أبوابها للدراسة الصيفية بسبب نقص المال و كانت تحتاج إلى 3 ملايين فقط لكن نوابنا الكرام لم يحركوا ساكناً لانتشال الجامعة من أزمتها المالية. و السؤال الذي لا بد من الإجابة عليه ذات يوم: إلى متى تستطيع الجامعة استيعاب تلك الآلاف المؤلفة من الطلبة ؟  و بدلاً من أن تنفق الجزء الأكبر من ميزانيتها المحدودة في تعزيز بعض التخصصات المطلوبة في سوق العمل نراها تصرفها على بناء فصول جديدة و على رواتب الموظفين و الأساتذة الجدد.

2)    كلية التعليم التطبيقي : بدأت كلية التعليم التطبيقي نشاطها عام 2005 بقبول دفعة من الطلاب عددهم حوالي 540 طالباً فقط حيث لم ترصد ميزانية كافية للكلية وقد تم توزيعهم  بحسب قدراتهم و ميولهم على ثمانية برامج أكاديمية لنيل شهادة الدبلوم المشارك في تخصصات مختلفة تلبي الحاجة لسوق العمل وقد تم استحداث برامج جديدة وصل عددها إلى 14 برنامجاً ستطرح في العام المقبل. و ذكر القائم بمهام عميد كلية التعليم التطبيقي الدكتور خالد الرويحي أن الهدف الأساسي للكلية هو "تقليص الفجوة بين مخرجات الجامعة و المتطلبات الآنية و المستقبلية لسوق العمل". إلا أن الكلام الخطير الذي ذكره المسئول عن الكلية هو أن 29% من الطلبة الجدد لم يحققوا الحد الأدنى من الدرجات الذي يبلغ 70% و أيضاً نسبة 33% من الطلبة الذين حققوا معدلات أكثر من 90% في الثانوية العامة لم يستطع إلا 2% منهم تحقيق معدلات أكثر من 90% في امتحان القدرات، و لم يستطع أي طالب تحقيق درجة أعلى من 95% في امتحان القدرات بينما في امتحان الثانوية العامة 10% من الطلبة حققوا أكثر من 95% علماُ بأن امتحانات القدرات التي أجرتها الجامعة مستواها أقل من مرحلة الثاني ثانوي، و جميع الأسئلة التي يشملها هذا الإمتحان مأخوذة من مرحلتي الثاني إعدادي و ثاني ثانوي، و أن الجهة التي قامت بإجراء الإختبار و تصحيحه هي معهد سعودي محايد، حسب قول المسئول، و ليس له أي علاقة بالجامعة. السؤال الذي يشغل بال المراقب هو على أي أساس تم اختيار هذا المعهد ؟ هل تمت مقارنته بمعاهد مشابهة في الدول العربية ؟ هل تمت استشارة مؤسسات تعليمية دولية كاليونسكو مثلاً. المعهد، كما تنامى إلى علمنا، مؤسسة سعودية برمجية خاصة تعتمد على تصحيح الكومبيوتر. المشكل هنا هو الزج بهذا العدد الضخم من الطلبة في برنامج لم يمض على تجريبه إلا سنة واحدة فقط. أما ميزانية هذا البرنامج للسنة القادمة فهي تقدر بمليون دينار منحها للجامعة المجلس الإقتصادي للتنمية وهو مبلغ ضئيل بشتى المقاييس.

3)    الجامعات و المعاهد الخاصة : تأسس في السنوات الخمس الماضية عدد من الجامعات و المعاهد الخاصة أجنبية وو طنية في ظاهرة غير مسبوقة ليس في البحرين وحدها و لكن في منطقة الخليج كافة و قد بلغ عددها 25 جامعة ومعهد تمنح خريجيها شهادات الدبلوم و البكالوريوس و الماجستير و الدكتوراه. كما وصل عدد الطلبة في قطاع التعليم العالي الخاص إلى حوالي 4500 طالب. هذا الأمر يعد، في نظري، ظاهرة صحية لولا أن معظم الطلاب لا يستطيعون دفع أقساط تلك الجامعات غير الحكومية. في دول العالم المتقدم نرى الجامعات الخاصة تقبل المتفوقين من الطلبة مع إعفائهم من رسوم التسجيل إلا أننا في البحرين لا نجد تلك الظاهرة. فهؤلاء الطلبة المتفوقون يرفعون من مستوى الجامعات التي تقبلهم، و بهم تزداد حيوية الحوار و النقاش بين صفوف الطلبة الشباب. و لكن تلك الجامعات الخاصة (الوطنية و الأجنبية) ليس لديها تاريخ عريق في التأسيس فهي وليدة اليوم و هذا لا يعد عيباً فالظروف قد خلقت هذا الوضع. و لكننا انتهينا إلى معادلة غير منضبطة تتمثل في جامعة حكومية وحيدة تضطر إلى استيعاب ألوف الطلبة الجدد بينما الجامعات الخاصة تحاول اجتذاب الطلبة للإلتحاق بها فلا ينضم لها إلا من لديه القدرة المالية لتحمل رسومها الباهضة و هؤلاء قلة في مجتمعنا.

4)    مقترحات للخروج من المأزق : من غير المعقول أن يساق أكثر من ثلثي المتقدمين إلى الجامعة لتخصص لا يريدونه و لم يتهيأوا نفسياً لتقبله. يجب أن نبحث عن الخلل إما في الإختبار الذي أجرته المؤسسة السعودية عبر التصحيح المبرمج، أو أن تكون الجامعة قد وقعت في حيرة بين تنفيذ أوامر جلالة الملك بقبول كل طالب يحصل على معدل 70% وهي لا تملك ميزانية لاستيعابهم جميعاً. سوف نطرح حلولاً مؤقتة و أخرى بعيدة المدى. الحلول المؤقتة تفرض أن يعاد الإختبار عبر مؤسسة ثانية للتأكد من سلامة الإختبار أو أن يقبل حوالي 75% من مجموع الطلبة المحولين إلى كلية التعليم التطبيقي في التخصصات التي يطلبونها على أن تخصص ميزانية طارئة لتغطية عجز الجامعة المالي المترتب عن قبول هذا العدد الضخم من الطلبة. أما الطلبة الباقون و عددهم حوالي 25% (750 طالباً) فيحولون إلى كلية التعليم التطبيقي كي تنمو الكلية بصورة طبيعية و تدريجية. بقيت الحلول طويلة الأمد وسنلخصها كالتالي:

 

*   تشكيل مجلس أعلى للتعليم صدر قانون التعليم العالي في أبريل عام 2005، إلا أنه لم يتم حتى هذه اللحظة اختيار أعضاء لمجلس التعليم العالي. و يشير القانون إلى أن وزير التربية و التعليم سيرأس المجلس المقترح و لكنه أيضاً يرأس مجلس أمناء جامعة البحرين مما يبرز بعض الإزدواجية في المنصب و يطرح موضوع فصل التعليم العالي عن وزارة التربية و التعليم. كما يفترض أن يقوم هذا المجلس بمهمة التخطيط ووضع السياسات العامة و التفصيلية للتعليم في البحرين ويتم اختيار أعضاء المجلس من الكفاءات الوطنية مع الإستعانة بمستشارين من بيوت الخبرة العالمية و المنظمات الدولية. و لكن لا يبدو أن واضعي السياسات العليا يعيرون اهتماماً لهذا الموضوع الحيوي الذي تترتب على تجاهله أزمات ربما تؤدي إلى كوارث في المستقبل.

 

*   تأسيس صندوق خاص تساهم فيه الدولة لتمويل جزء من مصروفات الطلبة ذوي المعدلات العالية وكذلك أن تقبل الجامعات الخاصة عدداً من المتفوقين مع إعفائهم من رسوم الدراسة

 

*    إنشاء مؤسسة لإقراض الطلبة بحيث لا تقطع فوائد على السلفة شرط أن يسدد ما استلفه الطالب على أقساط مريحة بعد تخرجه وعمله. ربما تكون المؤسسة التي تقرض الطالب ما يحتاجه لدراسته ملحقة ببنك التنمية مثلاً و الذي من مهماته الأساسية إقراض من يرغب في إنشاء مشاريع تجارية. وهل هناك مشروع أجل و أكبر من مشروع بناء الإنسان المواطن ؟ هذا النموذج يطبق في دول متعددة من ضمنها الولايات المتحدة.

مشكلة الجامعة هي جزء من مشكلة أكبر و أوسع هي قضية التعليم و إصلاحه  وهي تحتاج إلى تسخير الموارد و رصد الأموال و الطاقات والإستعانة بالدول والمؤسسات الحديثة التي تستطيع مساعدتنا على البدء بعملية الإصلاح. و لا بد أيضاً من دراسة أدق التفاصيل للتجارب الناجحة في دول تقدمت حديثاً ووصلت إلى تحديث تعليمها في سرعة قياسية مثل سنغافورة و آيرلندا.

إن الجامعة جزء من المنظومة التعليمية العامة، و نظرة فاحصة إلى مجالس الأمناء في جامعاتنا نرى أن معظم أعضائها قد تم اختيارهم على أساس الولاء دون الكفاءة. فالولاء هو المعيار الذي يأخذ به واضعي السياسات العامة و غيره لا يهم في ميزان تلك القوى، أما الخبرة و الكفاءة فتأتي بدرجة أقل ومعظم الأحيان لا تأتي مطلقاً.

إن الجامعة تحتاج إلى مال كثير.. أتعجب كيف لم يخطر على بال حكومتنا الرشيدة تخصيص مبلغ سنوي مقتطع لتأسيس وقفية للجامعة مثلما تفعل الجامعات الكبرى في العالم و التي تبلغ وقفية بعضها بلايين الدولارات معظمها تبرعات تأتي من الخريجين. و لكن الأمر يختلف عندنا فخريجي جامعاتنا الوطنية بالكاد يلتحقون بعمل بعد تخرجهم أو يظلوا معظم الأحيان ضمن طابور العاطلين لذلك لا بد أن تقوم الدولة باقتطاع نسبة من الميزانية السنوية و إيقافها على الجامعة حتى يتكون لدى الجامعة رصيد يتم استثماره ليغذي أي نقص في ميزانية الجامعة. و يبقى الشرط الأساس لإبقاء الجامعة على قيد الحياة هو تحديد عدد الطلاب المقبولين في الجامعة سنوياً.        

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro