English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

سماحة مفتي الديار الشرق أوسطية الجديدة!!
القسم : عام

| |
2006-08-01 19:39:13


 

من خلال جولتها الأخيرة في المنطقة للاطلاع على آخر التطورات الجارية في تحولات العدوان الصهيوني الغاشم ضد لبنان، وبعد أن أعطت مسبقاً الضوء الأخضر والمساعدة والدعم للكيان الصهيوني باسم الولايات المتحدة الأميركية نظاماً وسياسة لمواصلة عدوانه الوحشي والهمجي في تدمير لبنان تدميراً شاملاً ونهائياً، وبعد أن التقت بمسئولي الحكومة اللبنانية، وتبادلت مع رئيسها كرم القبلات الودية، هذه الحكومة المنوط بها تمثيل الشعب اللبناني، أي تمثيل الضحية الكبرى من هذا العدوان، والدفاع عن حقوقه والحفاظ على وحدته الوطنية، وذلك في مواجهة ذلك العدوان الصهيوني، والخذلان والتواطؤ من أنظمة الغنيمة العربية وعروش البؤس الراهن، والتشجيع والتحريض الأميركي والدولي الأعلى على تغطية هذه الحرب بغطاء شرعي زائف متمثل في "حق الدفاع عن النفس"، فقد كان من الطبيعي والمتوقع أن تخرج وزيرة الخارجية الأميركية إعلامياً وتصرح بكل برود وصفاء بال بأن وقت وقف تبادل إطلاق النار والحرب لم يحن بعد، وبأن الموعد الضروري لولادة شرق أوسط جديد سوف يبعث قريباً بين ركام المباني والجسور والشوارع المدمرة المكللة ببقايا جثث وأشلاء المدنيين الأبرياء في هيمنة أغلبية مطلقة وواضحة للأطفال في ميدان الموت الدامي دون غيرهم.

  هذه المرأة والتي تبدو لي وكأنما هي "امرأة روبوت" لا تخرج أو تنطلق في عملها ومسعاها الحياتي بعيداً عن نطاق ما تشحنه وتمنحه إياه كهرباء المؤسسة وميكانيكا مصالحها ومصالح القائمين عليها، فهي بذلك تكون متجردة من كل قيم ومشاعر التعاطف الإنسانية العامة، كما أنها تكون قد عكست بهذا التجرد أداءً وتصرفاً وعجرفةً أزهى ملامح السياسة الأميركية الخارجية الكالحة، فكانت عن حق وبعيداً عن سكب المجاملات الأحق بهذا المنصب دون غيرها.

ومما لا شك فيه لم ينقص كونداليزا أي شيء في أن تنطلق بثقة عمياء ( حمقاء أصلاً) في سرد تلك التصريحات الممتلئة بالزهو الإمبراطوري والخيلاء والتمنيات والأحلام، وبما تستند عليه من ثقة واقعية يعكسها وضع المنطقة الراهن بدءً من خراب العراق تحت حكم الاحتلال وأزلامه، فمأساوية الوضع الذي تمر به القضية الفلسطينية نحو مقصلة التصفية بشكل غير مسبوق تاريخياً، إلى إجمالي الوضع في البلدان العربية الأخرى المحكومة بأنظمة مستبدة وفاسدة، وقبل ذلك فاقدة لكافة تنويعات وتوليفات الشرعية المتعارف عليها عالمياً، إلى حد أضحت فيه هذه الأنظمة وفي سبيل نصرة الكرسي وتثبيته رغم تآكله تتواطأ على حقوق وإرادة ومصالح هذه الشعوب وثوابتها القومية والوطنية، فهي لم تعتصم لا بحبل الله ولا حتى بحبل الشعب، بل ظلت جزءً لا يتجزأ من المنظومة الصهيونية والامبريالية العالمية، تؤدي وظيفتها التكميلية المراد منها متى ما شاء الأسياد في البيت الأبيض وتل أبيب ذلك!

ما كان ينقص كونداليزا وهي تبشر بهذا الشرق الأوسط الجديد قواعد أميركية عسكرية ذات وضع سرطاني يستوطن النسيج الجيوسياسي الإقليمي، كما لم ينقصها وجود كادر إعلامي ملمع وموجه عن قرب وعن بعد، ونخبة قشرية متواطئة على جماهير شعبها وأوطانها، فالخزانة امتلأت عن آخرها بأمثال هؤلاء، والموازنة النثرية تفي وتكفي لانجاز هذه المهمة المتمثلة في شن ما يسمى بـ  "حرب كسب القلوب والعقول" لاستهداف أبنية وركائز الوعي الفكري والقيمي لأبناء المنطقة، وإعادة تشييدها وتشكيلها بما يتناسب مع الأجندة المصلحية لسدنة وقراصنة الامبريالية الصهيوأميركية العالمية.

كما لم ينقص هذا الشرق الأوسط الجديد علاقات ود وغرام توثقها أعتى القوى الامبريالية العالمية مع بعض ما يسمى بـ " منظمات المجتمع المدني" في المنطقة، وربما هي احتاجت كثيراً في ظل الوضع الراهن إلى طاقة سيل جارف من الحماقات الطائفية والعنصرية الاثنية الموحلة، لتتكفل بإطلاقها بشكل رئيسي قيادات ومراجع دينية لها نفوذها الشعبي والتياري في المنطقة.

إذ أن من المنتظر من هذه القيادات والمرجعيات أن تنهض في مهمتها بــ "تفصيل" ما هو مطلوب من فتاوى وأحكام وقواعد وصياغات شرعية لازمة تتطابق مع النزعة الشرق الأوسطية الجديدة، على الرغم من كون تلك الصياغات والفتاوى والتخريجات الشرعية مطمورة مع الجذور في الجزء القصي من التراكمات الجيولوجية لأرضية الوعي الجمعي لشعوب المنطقة، تلك القيادات والمرجعيات المطلوب منها أن تركز جهودها على ترويج الحلل الانتهازية الجديدة لمسائل فقهية مرتبطة بــ "طاعة ولي الأمر" إلى حد التقديس، الذي وللأسف وبسببه أدى إلى أبشع أشكال الاستغلال والتسييد لقيم الاتكالية، والتهرب من المحاسبة والمصارحة، ومن أداء الواجبات والمسئوليات المفترضة فردياً وجماعياً، والإدراك السطحي لحساسيات الظرف الراهن الذي تمر به المنطقة، والتغييب والتخدير للوعي والإرادة الشعبيان حتى تشل قدراتهما عن التفاعل الإيجابي والفهم العميق لما يجري ويدور في المنطقة من سلسلة أحداث مصيرية!

وأخذاً بمجريات الأزمة اللبنانية وصمود حزب الله البطولي في وجه أعتى قوة عسكرية بالمنطقة مدعومة إقليمياً ودولياً، صدقت توقعاتنا بصدور فتوى انتهازية عاجلة من وعاظ السلاطين، و"مشيخة وقت الحاجة"  في صحراء شبه الجزيرة العربية حيث الموطن الأصلي التاريخي لفتنة الإسلام الكبرى، والذي  نخشى أن يراد له حالياً أن يستعاد دوره التاريخي بإحيائها ولو على أسس مغايرة ستكون أسس وجذور سياسية وسلطوية/مصلحية بحتة، كما هو يراد أن يؤدي وضع منطقة المشرق العربي المعروفة بالتعاضديات والتشابكات الطائفية والإثنية الواضحة كأساس لبناء التحالفات وغرس الولاءات في مرمى النار كخطوة أولى لتصدير ودحرجة تلك الأزمات والكوارث نحو الأقطار الأخرى في منطقة تبادل حرة ومفتوحة بينها ولها!

على أمل أن يتم وبفعل جهود جهيدة بذلتها وتبذلها مؤسسات ومعاهد الأبحاث والدراسات الأمنية والاستخباراتية الصهيوأميركية وبموجب تلك الآليات والأهداف تعميم الرؤية الطائفية السياسية / الاجتماعية في الإدراك والتعامل والتطلع نحو ما يجري على الساحة الإقليمية من تفاعلات الأحداث.

 فكان بموجب ذلك من الضروري أن تبقى حركات المقاومة العراقية حركات احتجاج سنية ( بكل ما في المدلول الطائفي من معنى)، وأن تكون المقاومة اللبنانية هي حركة احتجاج وتمرد شيعية صرفة مدعومة من قوى إقليمية لا تريد السلام في المنطقة!

لذا فقد كانت الفتوى الصادرة في وقتها والخاضعة لموضتها الشرق أوسطية القديمة/ الجديدة ( بكل ما في هذا الاصطلاح الاستعماري من قبح ) وذلك حول عدم جواز نصرة حزب الله لسبب مذهبي، هي فتوى انتهازية كان لابد منها، عسى أن تقوي من عزم النعرات الطائفية في المنطقة، وتصبغ الوعي العربي العام بلونها الفاقع والرديء فتحقق بالتالي مطلباً ضرورياً لتقديم مشروع الشرق الأوسط الجديد نحو واجهة الواقع ليحظى بالقبول والتسليم جوهرياً إن لم يكن ظاهرياً !

هذه الفتوى المصاغة بوقاحة طائفية لاذعة وتحت دعم وغطاء سياسي أعلى يسترجع إرث التحالف القبلي/ الديني المشترك، لم يكن لها أن تنطلق في هجومها على حزب الله إلا من جبهة طائفية مذهبية خطيرة.

 فمن دون شك لم يكن هذا الحزب المقاوم لديها رافضياً لأنه رفض الانصياع والاستكانة وهدر الكرامة والتخلي عن كل المكتسبات الوطنية والقومية للعدوان الهمجي، وإنما هو "رافضي" لأسباب أخرى أكره أن أذكرها ولا أؤمن حتى شخصياً بجدوى استحضارها واقعياً أو الاعتقاد والتسليم بها في وقتنا الحالي!

وحسب علمنا ومتابعتنا لمثل هذا النمط من الفتاوى المطاطية فهي لم تخرج لتهاجم تبذير "ولي الأمر" في الصرف والشراء لأسلحة متطورة وباهظة الثمن دونما أن يكون لذلك دواعي في ظل أفق ال خذلان والتواطؤ الغادر وانعدام الحياء القومي والوطني والديني والإنساني سواسية، وفي زمن فقدان جوهرة العار ، وطالما لم تكن هذه الأسلحة لنصرة القضايا العربية والإسلامية والوطنية!

ولم تخرج هذه الفتاوى من قبل لتهاجم وتنهى عن منكر "البترودولار" وأفاعيله العجيبة في لبنان الشقيق، ففي حين زرعت إيران المقاومين والمقاتلين الصامدين الأبطال وأسست لها امتداداً أيديولوجيا فرعياً مسانداً لها في جنوب لبنان في مواجهة الكيان الصهيوني منطلقة في ذلك برؤية إستراتيجية واقعية وصحيحة، زرع لنا أرباب البترودولار الراقصات وسفه المطربين والمطربات ومجمعات الكازينوهات( الرموز الرئيسية لمشروعهم)!

ومثل هذه الفتاوى الشيطانية السوداء لطالما لبت وتلبي رغبات إدامة رمق أنظمة الغنيمة العربية وعروش البؤس الراهن، ورغبات تنفيذ مخططات البنية الأساسية الشرعية والفقهية للشرق الأوسط الجديد وإن كان ذلك بحماقة تشريعية غير مقصودة!

مثل هذه الفتاوى الساقطة التي تستفز الفتنة القائمة، وتطعن الظهر العروبي الإسلامي الممانع والمقاوم بخسة وغدر، والتي تتناسق صناعتها مع صناعة الأحذية والتبليط والتمليط، ليس لنا حيالها أي اهتمام وتعليق، ولكن لنا أن نزف البشرى والتهنئة لوزيرة الخارجية الأميركية بصدور هذه الفتوى، فهنيئاً لها بسماحة مفتي الديار الشرق أوسطية الجديدة!  

وهنيئاً لنا بالتفافات الشعوب العربية والإسلامية من شتى الأقاصي دون مبالاة برجس ودنس هذه الفتاوى البالية، وذلك من أجل دعم أممي لجبهة الصمود والمقاومة في لبنان إيماناً منها بنصرة الحق على الباطل، وباحتمالية أن يتحقق ما قاله الشاعر الكبير الراحل نزار قباني في أحد الأيام :

"سيذكرُ التاريخُ يوماً قريةً صغيرةً
  بين قرى الجنوب،
  تدعى "معركة "
  قد دافعت بصدرها
  عن شرفِ الأرض، وعن كرامة العروبة
  وحولها قبائلٌ جبانةٌ
  وأمةٌ مفككة".

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro