English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العدالة الانتقالية (إنصاف ضحايا مرحلة أمن الدولة في البحرين )
القسم : عام

| |
2006-04-27 10:05:14


العدالة الانتقالية

المنامة، مملكة البحرين 23/4/2006

إنصاف ضحايا مرحلة أمن الدولة في البحرين

تجربة ورؤية الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان

بقلم: المهندس عبدالنبي العكري

 

شكلت ولازالت قضية ضحايا عهد أمن الدولة في البحرين والتي امتدت 27 عاماً، محوراً أساسياً من محاور عمل الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان منذ إشهارها في 30 مايو 2001.

ويمكن القول أنه مع اكتمال إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين إلى الوطن، وإلغاء قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة فإن ملف ضحايا عهد قانون أمن الدولة قد بدأ تدريجياً بفرض نفسه على مختلف الجهات (الدولة، القوى السياسية، والمنظمات الحقوقية)، كما أضحى تدريجياً قضية النخب السياسية والشارع•  بالطبع فإن ملفاً معقداً ومتشعباً مثل ملف ضحايا عهد أمن الدولة لا يمكن أن يتبلور ويكتمل دفعة واحدة، كما لا يمكن للفئات المتضررة من عهد أمن الدولة أن تهب دفعة واحدة، في صف واحد مطالبة بالإنصاف، عدى أن خبرة القانونيين والحقوقيين البحرينيين لقواعد وتجارب العدالة الانتقالية محدودة جداً، لذا تتطلب الأمر بعض الوقت لتنظيم الضحايا لأنفسهم واكتساب القانونيين والحقوقيين البحرينيين بعض الخبرات الضرورية، وكان لابد من تحرك الضحايا أنفسهم ليفرض ملف الضحايا نفسه على الأجندة الوطنية.

إن الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان، وهي تعرض هذه التجربة والرؤية فإنها تعتبر نفسها مدافعاً عن جميع ضحايا عهد أمن الدولة بشكل خاص وجميع ضحايا الوطن بشكل عام، بدون تمييز هؤلاء الضحايا من الرجال والنساء تبعاً لعقائدهم وانتماءاتهم.  والجمعية هي واحدة من عدة تشكيلات تبتني اليوم قضية إنصاف ضحايا عهد أمن الدولة سواء تلك التي تمثل الضحايا أو تلك المنبثقة عن المجتمع المدني•  وبالفعل فإن الضحايا وتنظيماتهم (اللجنة الوطنية للشهداء وضحايا التعذيب، ولجنة العائدين إلى الوطن) والجمعيات الحقوقية والتنظيمات السياسية وجمعيات أهلية متنوعة، وشخصيات وطنية، كلها معنية بهذا الملف، لكن تعاونها لم يرق إلى تشكيل ائتلاف وطني متماسك يضغط على الدولة لحل هذا الملف.

يشكل ضحايا عهد أمن الدولة قطاعاً كبيراً من أبناء الشعب فضحايا الاعتقال والسجن السياسي بالآلاف، والعائلات المنفية بالمئات والشهداء بالعشرات، وإذا أضفنا لهؤلاء عائلاتهم التي لحقت بهم أضرار متفاوتة، يرتفع العدد إلى عشرات الآلاف•  لذا فإن أولويات الضحايا المباشره تختلف في كل مرحلة وتتفاوت من شخص لآخر، كما أن تبلور المطالب الجماعية لهؤلاء الضحايا أخذ بعض الوقت لأنه مرتبط بعاملين مهمين وهو مدى تنظيمهم لأنفسهم ووعي ممثليهم لهذه المطالب ولقد عملت الجمعية على مواكبة هذا الملف وأسهمت مع ممثلي الضحايا وتنظيمات المجتمع المدني، على تبني مطالب الضحايا، وحل بعض المطالب، وبلورة مشروع لإنصاف الضحايا وتمهيداً لمصالحة الوطنية.

 

أولاً:  المطالب الملّحة للضحايا

في مارس/ آذار 1999 تولى صاحب العظمه الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الحكم خلف للمرحوم والده، وكان ذلك مؤذنا بإخراج البلاد من نفق الحكم الاستثنائي المفروض على البلاد منذ الحل المجلس الوطني في 26 أغسطس/ آب 1975 وكان من أبرز تجليات عهد أمن الدولة، مصادرة الحريات العامة، والقمع الشامل والانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان، أما ضحايا تلك المرحلة فهم بالآلاف، من الشهداء والسجناء والمعتقلين السياسيين والمنفيين والمطاردين وأهاليهم، والملاحقين في حياتهم وأرزاقهم.

على امتداد أول سنتين من الحكم، جرى تدريجيا إطلاق سراح أعداد كبيرة من الموقفين والسماح بعودة عشرات من المنفيين ولكن بتوقيع التعهدات المعروفة - وإبداء الندم والتعبير بالامتنان للحكم علنا أمام الصحافة بطريقة مذله ومهينة.

لكن التحول الجدي في أجواء البلاد تمثل في تشكيل لجنة أعداد ميثاق العمل الوطني والذي كان مؤملا أن يشكل وثيقة الإصلاح الشامل، والعقد الجديد بين الحاكم الجديد وشعبه•  ترافقت مناقشات مشروع الميثاق في الديوان الأميري بمناقشات علنية وأشهرها ندوة نادي الخريجين، إذ أثيرت لأول مرة علنا قضية ضحايا مرحلة أمن الدولة

 

المعتقلين والمنفيين وضرورة حل هذه المشكلة قبل الاستفتاء على الميثاق، والذي يحب أن يتم في أجواء وفاق وطني.

وفعلاً فقد شهدت الأشهر الأخيرة من العام 2000 إطلاق سراح المئات من المعتقلين السياسيتين وبقى فقط المحكومين في قضية سترة، والذين صدر بحقهم عفواً أميري خاص.

وفي فبراير/ شباط 2001 صدر المرسوم بقانون رقم 10/ 2001 والذي نص على کالعفو الشامل عن الجرائم الماسة بالأمن الوطني وبموجب هذا القانون بدأ تدفق معظم المنفيين السياسيين وعائلاتهم طوال العام 2001.  من هذه البداية يمكننا رصد مسار قضية ضحايا مرحلة أمن الدولة والنضال من أجل إنصافهم، وذلك في مسار متعرج لم يحقق الإنصاف ولا إحقاق العدالة والتي هي شرط ضروري للمصالحة الوطنية المنشودة.

يجب علينا الانتباه في البداية أن مرسوم بقانون 10/ 2001 يؤكد أن الضحايا قد ارتكبوا جرائم بحق الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً) وأنه جرى العفو عنهم، في حين كان يتوجب اعتبارهم ضحايا نظام أمن الدولة، يتوجب اعتراف الدولة بما لحق بهم من ظلم وأن إطلاق سراحهم وعودتهم من المنافي غير المشروطة، هي مقدمة لتصحيح أوضاعهم واتصافهم.

وسنرى لاحقاً أنه ولكي تحصن الدولة نفسها من أي مطالبة قانونية وتحصين الموظفين العموميين ممن ارتكبوا جرائم ضد هؤلاء الضحايا من الملاحقة القانونية فقد أصدر لاحقاً مرسوم ملكي بقانون رقم 56/ 2002، تفسيرا لأحكام للمرسوم بقانون رقم 10/ 2001.  وباستثناء المرسوم بقانون رقم 10/ 2001 والمرسوم بقانون رقم 56/ 2002 والأمر الأميري للعام 2002 بشأن إعادة من شملهم العفو العام بموجب المرسوم بقانون رقم 10/ 2001 إلى وظائفهم العامة لدى الحكومة وتصحيح أوضاعهم، فليس هناك من قاعدة قانونية تؤطر تعاطي الدولة مع قضية ضحايا  مرحلة أمن الدولة.

على رغم عدم قيام الدولة بالإعلان رسمياً عن عزمها على معالجة ضحايا مرحلة أمن الدولة فقد كانت الأجواء التي تلت الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني بغالبية 98.4 في المئة، مؤشراً على الآمال الكبيرة لدى الضحايا خصوصاً والشعب عموماً في أن الاعتراف بفضل الضحايا في التحول الذي جرى، وإنصافهم مقدمة ضرورية للمصالحة الوطنية، والإصلاح الموعود• الذي بشر به ميثاق العمل الوطني وأكده حاكم البلاد وولي عهده.

خرج الآلاف من السجون ورجع المئات من المنافي، يحدوهم الأمل بالدولة بتعويضهم عن سنوات الحرمان، ومساعدتهم على تجاوز أوضاعهم الاستثنائية وقد واجه هؤلاء واقعاً مراً وهو غياب أي خطة للدولة لحل مشاكلهم وتوفير مصدر عيش كريم لهم، وتأمين متطلباتهم المعيشية والسكنية، والذي حدث هو إصدار الديوان الأميري (الملكي لاحقاً) لتوجيهات في بداية 2001 إلى إدارة الهجرة والجوازات لمنح جوازات سفر للعائدين والمطلق سراحهم، ثم صدرت توجيهات في عام 2002م إلى ديوان الخدمة المدنية ووزارات الدولة بإعادة من فصلوا من أعمالهم لأسباب أمنية ممن أطلق سراحهم ولكن بدون أن يشمل ذلك العائدين من المنافي، وأن يتم احتساب سنوات الفصل في مستحقات التقاعد وتضاف رتبتان لكادر كل منهم.  كما تشمل هذه التوجيهات الشركات المملوكة بأغليتها للحكومة.  كما شمل الأمر الملكي إعادة الجنسية البحرينية لمن استقطب عنهم وتم إبعادهم إلى إيران وكذلك منح الجنسية لمن حرموا منها من ذوي الأصول الإيرانية.

وقد تدخلت الجمعية ونجحت في إرجاع عدد محدود لكل من قوتي الدفاع والداخلية.  وقد واجهة عدد من العائدين أو من المنفيين مشكلة إثبات الجنسية وتأمين جوازات السفر لهم ولعائلاتهم وقد ساعدت الجمعية هؤلاء في إثبات جنسيتهم وحصولهم على جوازات السفر.

وتمثل عودة العسكريين المسرحين لأسباب أمنية نموذجاً لتعاطي الدولة مع ضحايا مرحلة أمن الدولة، بالرغم من صدور توجيهات من الديوان الملكي وديوان رئيس الوزراء، إلا أن تنفيذ ذلك أقتصر على عدد محدد فيما الأغلبية لم يعودوا لوظائفهم في الوزارتين.

وبالنسبة للشركات التي تملك فيها الحكومة أغلبية الأسهم، فإن تسوية أوضاع العاملين السابقين المفصولين لأسباب أمنية، قد اقتصرت على بعض الشركات (بابكو وبتكلو وألبا وطيران الخليج) وذلك من خلال جهود النقابات في الشركات المذكورة.  أما باقي الشركات الفردية، فإنها تعتبر نفسها غير معنية أبداً بالموضوع.

أما رجال الدين حيث أزداد عددهم بشكل محسوس من بين المنفيين، فقد جرى استيعاب معظمهم في الحوزات العلمية الدينية والبعض من خلال المجلس الإسلامي الأعلى ودائرة الأوقاف الجعفرية.

يترتب على عدم إصدار توجيهات من الديوان الملكي أو ديوان رئيس الوزراء بخصوص حل الشق المعيشي للعائدين من المنافي، أن غالبيتهم يواجهون صعوبات في تأمين مصدر لائق ومضمون للمعيشة•  وباستثناء القلة الذين جرى استيعابهم في دوائر الدولة والشركات المذكورتين (بابكو وبتلكو وألبا وطيران الخليج)، فإن الغالبية تعمل في القطاع الخاص بشروط مجحفة، خصوصاً أن غالبيتهم من كبار السن وذوي مهارات محدودة وقلة فتحت مشاريع خاصة بها، فيما هناك مجموعة من العاطلين وأخرى ممن لا تستوعبهم سوق العمل أو تجاوزوا سن التقاعد.

الشق الثاني من المطالب الملّحة هو توفير السكن لجموع المطلق سراحهم والعائدين، ولعل العائدين هنا يواجهون المشكلة بشكل أكبر ترتب على من قضوا سنوات طويلة في السجون أو المنافي بدرجة أساسية والسجناء والمنفيين بشكل عام، والذين وجدوا أنفسهم يواجهن معضلة السكن فبالإضافة إلى صعوبة الحصول على سكن من خلال الدولة للآلاف ووجود عجز متزايد بين طلبات الخدمات الإسكانية عن طريق الدولة، وما تلبيه الدولة، فإن المشكلة أعقد بكثير لهؤلاء الضحايا.  غير المسجلين في قائمة منتظري هذه الخدمات، كما أن الكثير منهم فقدوا شروط الاستفادة من هذه الخدمات حيث العديد منهم بلا عمل وبالتالي دون دخل ثابت، وكثير منهم تجاوز الخمسين وبالتالي لا يستحق هذه الخدمة•  والحقيقة أن أوضاع كثيراً من عائلات الضحايا تعيش أوضاعاً سكنية ضرريه•  أن الجمعية مثلها في ذلك مثل عدد من الجمعيات الأهلية والسياسية وبرلمانيين دعمت حق الضحايا من السجناء السياسيين والمنفيين السياسيين السابقين في تصحيح أوضاعهم كجزء من جبر الضرر.  وقد قامت الجمعية بمخاطبة الوزارات المعنية لحل المشاكل التي يواجهها الضحايا.

 

ثانياً:  العلاج والتأهيل الطبي

هناك العشرات ممن أصيبوا إصابات متفاوتة ممن يحتاجون للعلاج والتأهيل كما أن من بين ضحايا مرحلة أمن الدولة من السجناء السياسيين والمنفيين السياسيين بدرجة ثانية، وممن تعرضوا للتعذيب وظروف اعتقال قاسية، وممن عانوا أمراضاً مزمنة وعاهات مستديمة أو حالة اضطرابات نفسية تتفاوت في خطورتها.  إضافتا إلى هؤلاء هناك أقارب الشهداء والمعتقلين والمنفيين ممن تعرضوا إلى اضطرابات نفسية تحتاج إلى العلاج.  كما أن هناك البعض ممن توفوا متأثرين بإصاباتهم في الأحداث أو الذين عانوا من أمراضا مزمنة من جراء ظروف السجن.

ولقد كان ذلك حافزاً للجمعية للمبادرة إلى إقامة مركز الكرامة لضحايا التعذيب والعنف، كمركز مستقل مالياً وإدارياً.  شكل الأطباء أعضاء الجمعية من مختلف التخصصات، طاقم المركز وهؤلاء متطوعون.  وقد تلقا البعض منهم دورات تأهيلية في علاج ضحايا التعذيب والعنف الأسري في مراكز عربية وأجنبية متخصصة.

حصل المركز على ترخيص رسمي من وزارة الصحة بتاريخ 30/ 11/ 2004، حيث يقوم المركز بفحص الضحايا وإحالتهم إلى مجمع مستشفى السلمانية الحكومي، لعلاجهم في إطار تفاهم بين المركز ووزارة الصحة.  وينتدب المركز أطباء اختصاصيين لفحص ضحايا التعذيب أو العنف سوا في مراكز التوقيف والمستشفيات أو في عياداتهم الخاصة مجاناًً.

وهنا يجب أن ننوه أنه إذا اقترنت الإعاقة الجسدية أو النفسية للضحية مع مصاعب معيشة وسكنية، فإن ذلك يفاقم من وضع الضحية وعائلته.

 

ثالثاً:  جبر الضرر للضحايا

إن معالجة الاحتياجات المعيشية والسكنية للضحايا عنصر مهم في جبر الضرر ولكنه ليس كافياً•  وإذا أخذنا بالاعتبار أنه حتى ذلك لم يتحقق بشكل مرض، فلنا أن نتصور صعوبة تحقيق جبر الضرر الكامل للضحايا.

شهد عام 2002 مبادرة العائدين إلى الوطن من المنافي لتنظيم أنفسهم، فبعد أن ظلت لجنة توافقية تمثلهم خلال عامي 2001 و2002، جرى عقد اجتماع بتاريخ 23 سبتمبر/ أيلول 2002 عام حضره ما يقارب من 100 من العائدين وجرى انتخاب لجنة تمثلهم في الدفاع عن قضيتهم وتمثيلهم في التفاوض مع الدولة وهناك ورقة عمل مقدمة من قبل اللجنة لهذه الورشة.

وبالنسبة للشهداء وضحايا التعذيب والاعتقال السياسي؛ فقد تكتلوا أيضا وعقدوا اجتماعا عاما لأهالي الشهداء والضحايا في ديسمبر 2002 وشكلوا اللجنة الوطنية للشهداء وضحايا التعذيب، وهناك أيضا ورقة مقدمة من اللجنة لهذه الورشة والحقيقة أنه ومنذ ذلك الحين فإن قضية ضحايا مرحلة أمن الدولة أضحت مطروحة بقوة على أجندة العمل الحقوقي والسياسي.  يعود الفضل في ذلك أولا إلى الضحايا الذين نظموا أنفسهم، وإلى الجمعيات الحقوقية التي تبنت هذه القضية وتعاونت مع اللجان الممثلة لهؤلاء الضحايا• كما أن تنظيمات المعارضة وشخصيات وطنية وبرلمانية تبنت هذه المطالب.

ولقد شكل صدور المرسوم بقانون رقم 56/ 2002 صدمة للضحايا وعموم القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني، وجرس إنذار من أن الدولة غير مستعدة للإقرار بمسؤوليتها المادية والأدبية تجاه الضحايا، وإنصاف الضحايا.

 

رابعاً: تعاطي الجمعيات الأهلية مع قضية الضحايا

طوال السنتين الأوليتين للعهد الجديد، جرى إصدار عفو محدود لمجموعات من السجناء والمنفيين السياسيين عن كل من الأمير ورئيس الوزراء.  ثم صدر العفو العام عن كل المتورطين في جرائم ضد الدولة، وترتب عليه إطلاق سراح من تبقى من المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة الغالبية العظمى من المنفيين، وقد رحبت الجمعية كغيرها من منظمات وشخصيات المجتمع المدني بهذا المرسوم.

وهنا علينا أن نتمعن في استخدام تعبير ممن ارتكبوا جرائم بحق الدولة وكان الأحرى بالدولة أن تعتبرهم ضحايا قانون امن الدولة ومحكمة امن الدولية.  لكن الدولة استدركت لاحقا مع تصاعد أصوات الضحايا للمطالبة بالعدالة وملاحقة الموظفين العموميين (خصوصاً ضباط وزارة الداخلية المتورطين في ارتكاب أعمال التعذيب والتنكيل بحق الضحايا وعائلاتهم).  لذا ومن بين ترسانة القوانين لتحصين المسئولين في نظام امن الدولة، فقد صدر في 23 أكتوبر 2002 المرسوم بقانون رقم 56/2002، والذي وفر حصانة للموظفين العموميين المتهمين بارتكاب أعمال التعذيب والتنكيل من الملاحقة القضائية.

منذ صدور هذا المرسوم فقد وقفت الجمعية ضده بقوة مطالبة بإلغائه لأنه ينتهك العدالة بكل المعايير، ويتعارض مع ما نص عليه دستور دولة البحرين ثم مملكة البحرين والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي انضمت مملكة البحرين إليها منذ العام 1998، والتي يحرّم جميعها ممارسة التعذيب وغيره من صنوف العقوبة أو المسيئة أو الحاطة بالكرامة، وتعاقب عليها مرتكبها أو المتواطي أو الساكت عليها من الموظفين العموميين، وتعتبرها جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم ولا تحصن بقوانين أو عفو أو غيره.

ولقد تعاونت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان مع اللجنة الوطنية للشهداء وضحايا التعذيب في إطلاق الأخيرة عريضة شعبية من أكثر من 33 ألف توقيع وكذلك عريضة أخرى للجمعية وقعها ممثلو 24 جمعية أهلية وثمانية آلاف مواطن موجهة إلى جلالة الملك بتاريخ 16 مارس 2003 تعارض مرسوم بقانون 56/2001 وتطالب بإلغائه.  ومنذ ذلك الحين فإن الجمعية تنظم سنوياً أسبوعاً للاحتفال و26 يونيو لمناهضة التعذيب، وتؤكد فيه على موقفها تجاه قانون 56/2001  وحق الضحايا الإنصاف ومحاكمة الجلادين، كما أن الفعاليات الأهلية تنظم سنوياً اعتصاماً ومهرجاناً جماهيرياً أمام مكتب الأمم المتحدة بالبحرين في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب في 26 يونيو واليوم العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر كل عام.

لقد شكل إلغاء مرسوم بقانون 56/2002، واعتراف الدولة بمسؤوليتها عما لحق بالضحايا وتفويضهم مادياً ومعنوياً وإحقاق العدالة بحق الموظفين العموميين المسئولين عن هذه الانتهاكات محوراً مهماً لعمل الجمعية على كافة المستويات المحلية والعربية والدولية، سواء في إطار العلاقات مع الدولة، أو مع المنظمات الدولية أو مع المجتمع المدني.

ويمكننا هنا الاستدلال بما تمخض عنه اجتماع لجنة مناهضة التعذيب للأمم المتحدة والتي ناقشت مدى تنفيذ مملكة البحرين لالتزاماتها بموجب الاتفاقية في منتصف مايو 2005.

تقدمت مملكة البحرين بتقريرها الرسمي إلى اللجنة، دون أن تعرضه على المنظمات الحقوقية الوطنية، كما تقتضي بذلك الاتفاقية، والتي حصلت عليه متأخرة من موقع اللجنة الإلكتروني.

تقدمت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان بتقرير موازن كما تقدم مركز البحرين لحقوق الإنسان واللجنة الوطنية للشهداء وضحايا التعذيب بتقرير موازاً أخرى إلى اللجنة، وجرت مناقشة التقارير الثلاثة مع مقدميها بحضور مجلس الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، حيث الجمعية عضو فيها، والتي رتبت اعتماد الأطراف الأهلية الثلاثة.

ورغم السلبيات التي رافقت اجتماعات اللجنة من قبل الأطراف الأهلية من حيث عدم التنسيق في طرح أوراقهم، وما تبعها من خلافات ظهرت إلى العلن.  فإن توصيات اللجنة إلى حكومة البحرين تعد انتصاراً للعدالة وإنصافاً للضحايا:

  1. تعديل المرسوم بقانون 56 / 2002 بحيث لا يوفر حصانه للمواطنين الرسميين المتهمين في قضايا التعذيب وإساءة معاملة السجناء والمعتقلين السياسيين.
  2. أن تحرص مملكة البحرين أن لا تسوغ القوانين المتوقع إصدارها وخصوصاً قانون مكافحة الإرهاب، ممارسة الموظفين العموميين المناط بهم إنفاذ القانون، للتعذيب أو التعايش معه أو التغاضي عنه، وكذلك عدم انتهاكها لحقوق المتهمين وخصوصاً من خلال تبادل المطلوبين.

 

خامساً: الجانب التأهيلي

من الواضح أن الجوانب المعرفية والقانونية لإنصاف الضحايا غير معروفه جيداً لدى غالبية الحقوقيين والمحامين البحرينيين وممثلي الضحايا• ولذى ترتب على الجمعيات الحقوقية وممثلي الضحايا التدرب في هذا المجال.

وبهذا الخصوص فقد نظمت الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان أربع فعاليات كم يلي:

  1. ورشة تدريب الأطباء على تأهيل ضحايا العنف بالتعاون مع اللجنة العربية لحقوق الإنسان - باريس في الفترة 10 - 13/ 12 / 2002.
  2. ورشة حول المحكمة الجنائية الدولية بالتعاون مع الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والتحالف الدولي من أجل المحكمة الجنائية الدولية في يونيو 2004.
  3. ورشة حول العدالة الانتقالية بالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان في الفترة 24 - 29/ 12 / 2005.
  4. تنظيم اجتماع شبكة آمان لمراكز تأهيل ضحايا التعذيب في الوطن العربي بالتعاون مع المجلس الدولي لضحايا التعذيب - كوبنهاجن في الفترة 6 - 11 / 12 / 2005.

وباستثناء الفعالية الرابعة، فقد دعي للورش الثلاثة ممثلون عن الجمعيات الأهلية ولجان الضحايا والجهات الحكومية المعنية.

كما أن الجمعية شاركت في ورش وفعاليات عربية ودولية تناولت قضية ضحايا التعذيب والعنف والعدالة الانتقالية.

وطبعاً فإن الجمعيات الحقوقية البحرينية، قد نظمت أيضاً ورش وفعاليات مماثلة، ومنها ورشتنا هذه.

إن نضال الضحايا وأهاليهم ومناصريهم المستمر، وحسن تنظيم أنفسهم إذا ما أقترن بتبني قوى المجتمع الحية لهذه القضية، ووظفت فيها المعرفة القانونية، مقترنة بقناعة من الدولة بضرورة إحقاق العدالة، فإن ذلك سيقود إلى إنصاف الضحايا، مما يعتبر شرطا ضروريا للإصلاح والتحول الديمقراطي الحق.

 

 

 

* قدمت هذه الورقة لورشة العدالة الانتقالية وبها أخطاء قد تحرف المعنى وهذه نسخة مصححة.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro