English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المعارضة البحرينية وقدرتها على تخطى الأزمة الحادة الراهنة
القسم : عام

| |
2005-11-05 22:28:57


قدم خمسة من اعضاء الامانة العامة للمؤتمر الدستوري، ومن بينهم الأمين العام، السيدة جليلة السيد، استقالتهم الجماعية، احتجاجاً على موقف الجمعيات السياسية المعارضة (وبالتحديد الوفاق الاسلامية، والعمل الديمقراطي، والتجمع القومي، حيث لم تحسم العمل الاسلامي خياراتها بعد في موضوعة التسجيل او عدمه لدى وزارة العدل بموجب قانون الجمعيات السياسية الذي صدق عليه الملك، بعد اقراره من قبل غرفتي المجلس الوطني) مما دفع الازمة التي تعيشها المعارضة الى السطح، وجعلها حديث الشارع السياسي، كما وجد النظام فيها نجاحاً كبيراً في ارباك التحالف الرباعي واحداث الانقسامات في صفوفه، وبالتالي اقناع الشارع والمراقبين بأنه لا خيار أمامها سوى القبول بالمشروع التجميلي، وسط العائدات النفطية الكبيرة التي تتدفق على النظام والتي تجعله قادراً على رشوة كثرة من النخب، وتوزيع المكرمات يمنة ويسرة!!.

واذا كانت القوى الحية والفاعلة هي التي تتعرض للمزيد من الهزات والتحديات والانشقاقات والتحالفات واعادة بناء نفسها، ضمن عملية الصراع المستمرة داخل الاجسام والهيئات الحية، فان البعض يرى فيما يجري وسط المعارضة او وسط جمعية الوفاق، تعبيراً عن تحول التراكمات الكمية الى نوعية، من حيث عمليات الفرز والاصطفافات وكشف الفروق والاختلافات بين مكونات المعارضة نفسها، بل ان البعض يرى أن هذه الوضعية ستكشف للجميع مدى تطابق الاقوال مع الافعال حول المسألة الديمقراطية وممارستها وسط صفوف المعارضة، واحترامها للرأي الآخر في صفوفها، ومدى نضجها بأن تحول اختلافاتها في التكتيك الذي يجب اتباعه في مواجهة تكتيكات السلطة الى نقاط قوة بدلاً من نقطة ضعف تودي بالمعارضة عموماً وتحقق الضربة القاضية عليها في منتصف الطريق.

 

وبالرغم من ان ما حصل انما هو تعبير عن التراكمات من الخلافات والصراعات المتعددة الاشكال، خاصة في صفوف جمعية الوفاق، بصفتها التحالف الاسلامي الشيعي الكبير الذي انبثق بعد الانفراج السياسي، وجمع في صفوفه كافة التيارات الشيعية المعارضة خلال الفترة السابقة، والوسطية لاحقاً، ويحمل في احشائه تناقضات طبقية ومرجعية وسياسية لم تكن خافية على احد، الا ان البعض كان يؤجل باستمرار تفجير هذه التناقضات ويهربها الى الامام، للوقوف كتلة متراصة امام تكتيكات وأحابيل الحكم، حتى اصدرت السلطة قانون الجمعيات السياسية التي تضمن استناده الى دستور 2002، وكان ذلك مقصوداً من قبل السلطة واعوانها في مجلس النواب (حيث بصم مجلس الشورى دون مناقشة تذكر على القانون الذي يعرف اعضاؤه أن القصر هو الذي اوحى به الى المستقلين في البرلمان!)، وشجبت كافة الجمعيات السياسية ذلك القانون وطالبت الملك بعدم التصديق عليه، واغلقت مقارها لمدة ثلاثة ايام احتجاجاً عليه، كما سيرت المسيرات الاحتجاجية وغيرها للتعبير عن استيائها من المواد التي تضمنها القانون والتي تهدف الى تكبيل الحركة السياسية وشلها عن العمل، سواء في الداخل او الخارج.

 

الا ان قراءة متأنية لاحقة من قبل جميع الجمعيات السياسية قد دفعتها الى التراجع النسبي، للتقدم خطوات لاحقة الى الامام، حيث وجدت اهمية بالغة في ترتيب اوضاعها التنظيمية بصيغ متقدمة، ووضع انظمة داخلية تعبر عن رؤيتها الخاصة للعمل الحزبي والسياسي ودور الحركة السياسية، داخلياً وخارجياً، حسب المعايير الدولية في الانظمة الديمقراطية، وبالتالي وضع الكرة مرة اخرى في ملعب السلطة، ضمن فلسفة عبرت عنها جمعية العمل الديمقراطي (وعد) بخلق الفعل والتحدي باستمرار.

 

الا ان البعض من الراديكاليين في الجمعيات السياسية وجدوا في القانون فرصتهم للتعبير عن رفضهم لاملاءات النظام وبالتالي عدم استعدادهم للتسجيل، وفرض الصيغ التنظيمية التي يرونها مناسبة لنضالهم، اعتماداً على التجربة التاريخية السابقة للحركة السياسية التي عاشت سنوات وعقوداً خارج القانون تمارس قيادتها للجماهير في مختلف مواقع العمل.

 

ولم يقتصر الامر على القبول او عدم القبول بالقانون المذكور، بل ان الهاجس الاساسي لدى يسار المعارضة أن يكون التسجيل من قبل الجمعيات الاربع مقدمة لتخليها عن المقاطعة ومشاركتها في الانتخابات النيابية التي ستجري في نهاية عام 2006، وقبولها بالدستور الجديد، واسقاطها لكل ما رفضته سابقاً من عدم اعتراف بالدستور وافرازاته.. ولم يكن ممكناً الحديث عن رفضها للتسجيل دون الحديث المتكرر عن استسلام قيادات المعارضة وقبولها بالامر الواقع والانخراط في اللعبة القادمة، واستباقاً لما قد يجري في مطلع العام القادم، اراد يسار المعارضة ان يقوم بعملية فرز واسعة في صفوف كل الجمعيات المعارضة، لتشكيل هيئة واسعة تضم كل الشخصيات الاكثر تصلباً والاكثر صدامية، لتفعيل دورها في شهر نوفمبر حيث ستعقد الكثير من الفعاليات الدولية في البحرين، لتوصيل رسالة للولايات المتحدة بالدرجة الاساسية وبريطانيا مفادها رفضها الدستور المنحة ومطالبة هذه الدول بالضغط على حكومة البحرين لالغاء الدستور والعودة الى الدستور القديم!

 

واذا كان الامر مفهوماً على صعيد الجمعيات السياسية الاربع، نتيجة الحراك الحاصل في صفوفها، فقد كان متوقعاً أن تتخذ الامانة العامة للمؤتمر الدستوري مواقف متصلبة وتنفذ سلسلة من النشاطات الشعبية والسياسية لاحراج النظام من جهة واختبار صلابة الجمعيات الاربع بعد التسجيل من جهة ثانية، وبالتالي تقوم بدورها المرسوم لها في المؤتمر الدستوري بتنظيم وقيادة الفعاليات المختلفة، داخلياً وخارحياً، للتأكيد على ضرورة دستور عقدي يضمن سلطة تشريعية منتخبة كاملة الصلاحيات التشريعية والرقابية، والفصل بين السلطات.

 

الا ان ما جرى كان مفاجأة للجميع، حيث قدم خمسة من اعضاء الامانة الدستورية استقالتهم، بل وطالب بعضهم بحل الامانة الدستورية، مما احدث ارباكاً كبيراً في الوسط المعارض سرعان ماتم التغلب عليه بالاستعانة بالاحتياطي، وعقد سلسلة من الاجتماعات لقيادات المعارضة لتفعيل برنامج المؤتمر الدستوري، والتأكيد للجميع بأن الجمعيات الاربع قادرة على التغلب على الازمة الجديدة، وانها متمسكة بالثوابت المشتركة، الدستورية بالدرجة الاساسية، وانها ستنطلق في كل مواقفها القادمة، لتعزيز قدرة المعارضة في مواجهة السلطة، بناء على اعادة قراءة وتقييم تجربتها السابقة والاستفادة من دروسها لوضع خطط جديدة تحشر الحكم في زاوية، وتنقل المعارضة من مواقف دفاعية الى مواقف هجومية.

 

كلا الطرفين يريدان التأكيد على صحة موقفهما، وبالتالي يسعيان الى كسب المزيد من التأييد وسط الجمهور المعارض، الا ان التحدي الاساسي امام المعارضة عموماً هو قدرتها على التوفيق بين الاختلاف والوحدة، وعدم تصعيد الصراع بينهما، بل وانجاح المؤتمر الوطني لتوسيع صفوف المعارضة لتشمل قطاعات اخرى يزداد غضبها وسخطها على الفساد المالي والاداري والسياسات الخاطئة التي يسير عليها النظام.

 

خلال السنوات القليلة الماضية، طرحت القوى السياسية والحركة العمالية في البحرين مسألة العمالة الاجنبية والعاطلين المحليين عن العمل وضرورة ايجاد حلول جذرية لهذه المسألة التي شكلت باستمرار القشة التي تقصم ظهر البعير وتسبب الانتفاضات والتحركات الجماهيرية التي سرعان ما تتحول الى أزمة سياسية واسعة.

 

وبالرغم من اقتناع الجميع (الحكومة والمعارضة والتجار وغيرهم) بوجود ازمة حادة في سوق العمل تتجلى في الاعداد الكبيرة من العاطلين المحليين من جهة، والتدفق المتزايد للعمالة الاجنبية من مختلف الاتجاهات من جهة ثانية بحيث خلقت ازمة بطالة حادة ومتزايدة وسط هؤلاء الاجانب أيضاً، وبالرغم من ان الحكم سعى الى التخفيف من هذه الازمة بعد الانفراج السياسي (عام 2001) بضخ خمسة وعشرين مليون دينار لتوزيع بعضها على العاطلين وتكثيف برامج التدريب، لكن الجزء الاكبر من هذه المبالغ قد وجد طريقه الى المتنفذين الذين يبتلعون كل الاموال المخصصة للشأن العام، بالرغم من كل ذلك، الا ان الحديث يتجدد ويتصاعد هذه الايام مع مناقشة البرلمان لمشروع تحرير سوق العمل، وتسويق وزير العمل لمشروعه حول التوظيف الذي اضفى عليه مسمى (الوطني).

 

الا ان الجديد في الامر أن الملف الاقتصادي باكمله قد تم تسليمه الى ولي العهد، والى مجلس التنمية الاقتصادية التي اعتمدت على (تقرير مكينزي) في تقديم الحلول الشاملة للمثلت المترابط: سوق العمل وتحرير الاقتصاد ومخرجات التعليم والتدريب. وهو مؤشر واضح الى اتهام القصر الملكي للحكومة بفشلها في حل اعقد قضية واجهتها البلاد منذ الستينيات من القرن المنصرم، وظلت مصدر الانتفاضات والتجاذب الحاد بين قوى المعارضة السياسية والمجتمعية والحكم، ولا تزال تسبب مصدر قلق أمني واجتماعي في البلاد.

 

الا ان الحلول التي قدمها مجلس التنمية لم تكن بعيدة عن التجاذبات السياسية والاقتصادية، وليست بعيدة عن الصراع بين اقطاب النظام انفسهم، حيث بات واضحاً عملية الشد والجذب والاستقطاب بين الملك وولي العهد من جهة ورئيس الوزراء من جهة ثانية. وبالرغم من اهمية الحوارات الدائرة في البحرين في مسألة تنظيم سوق العمل، وتحرير الاقتصاد، فإن عدم تحرر قوى المجتمع من الخوف من العقلية الامنية التي سادت في المرحلة السابقة، وسعي السلطة الى استقطاب الكثير من الفعاليات السياسية والاقتصادية، تجعل كل حركة احتجاجية او معارضة للمشروع تفسر لصالح هذا الفريق او ذاك، بما في ذلك الموقف من تحرير سوق العمل الذي طرحه مجلس التنمية الاقتصادية.

 

وحيث لايستطيع النظام الامساك بالحلقة المركزية المولدة للكثير من الصراعات في المجتمع، ويسعى للالتفاف عليها بخلق سواتر بشرية تخفي حقيقة الشخوص الاساسيين واللاعبين الحقيقيين في الاقتصاد والسياسة، وعدم الجرأة على مواجهة القوى المعرقلة للاصلاحات الحقيقية، ناهيك عن الشفافية المفقودة في الكثير من المجالات الاساسية المولدة للثروة، فان الاستثناءات تجد طريقها المستمر الى الحياة العامة بحيث نكتشف بعد فترة ان كثرة من الثقوب قد تسببت في افراغ أي مشروع اصلاحي من الداخل، سواء كان اقتصادياً او تعليمياً او سياسياً او غيرها.

 

ويبدو واضحاً ان المشكلة الكامنة في البطالة تصب بالاتجاه الاكثر خطورة وهو الفقر وعدم قدرة الكثير من المواطنين على مواجهة اعباء المعيشة المتزايدة وسط ارتفاع اسعار النفط وبالتالي ارتفاع اسعار السلع المستوردة من الخارج، ورغبة التجار في الاستفادة من هذه الوضعية برفع اسعار كافة البضائع وخاصة الاستهلاكية. وفي الوقت نفسه، وقعت الحكومة اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الامريكية، بما تضمنته من رفع الحماية عن عدد من الصناعات (الملابس الجاهزة بالدرجة الاساسية)، مما سبب اغلاق كثرة من هذه المصانع وتسريح عمالها، في الوقت الذي تدفقت مكاتب الاستثمار الامريكية وغيرها لتفتش عن موقع لها بقدرة تنافسية لا يمكن مجاراتها. وحيث فتحت الحكومة الابواب واسعة للاستثمار العقاري لكافة الاشقاء الخليجيين، فقد ارتفعت اسعار الاراضي والمناطق المطمورة الى اسعار خرافية، ولم يعد ممكناً للمواطن المتوسط الدخل ان يحلم بامكانية الحصول على بيت او قطعة سكنية في المدى المنظور، في الوقت الذي توزع الحكومة وكبار المسؤولين حبات الاسبرين التطمينية والوعود الجميلة بحل هذه المشكلة خلال الفترة القريبة القادمة، وهي اقوال يمكن رصدها منذ ان حلت الحكومة المجلس الوطني عام 1975.

 

وبالرغم من ارتفاع اسعار النفط وكافة المواد الاستهلاكية، ومستوى المعيشة في البحرين، الا ان الاجور تعاني من ركود يفسره عدم رغبة القائمين على المال العام بتنظيم عملية توزيعه بحيث يسهم في التخفيف من الازمة، حيث لا تزال الوزارات المعنية تناقش النسبة او المبالغ التي يجب زيادتها الى الرواتب في القطاع الحكومي في الوقت الذي تركت حرية التصرف للقطاع الخاص.

 

في سياق المساهمة في حل مشكلة البطالة (وليس الفقر) ضخ الحكم مبلغ ثلاثين مليون ديناراً للتدريب تحت مسمى (البرنامج الوطني للتدريب) وهو برنامج يذكرنا بمشروع العشرة آلاف متدرب الذي طرحته الحكومة في الثمانينيات من القرن المنصرم، ليكتشف الجميع اننا لم نبلغ نصف هذا العدد بعد انقضاء الفترة المحددة له.

 

تدني الاجور واستقرارها سنوات طويلة سواء في القطاع الحكومى او القطاع الخاص، وسط المتغيرات الكبيرة في الاقتصاد، يسهم في جذب المزيد من الفئات الشعبية، متوسطة الدخل، الى قاع المجتمع وبالتالي اتساع قاعدته الاجتماعية، أي اتساع القاعدة الفقيرة في البلاد، في الوقت الذي تزداد الهوة بين من يملكون الثروة ومن يملكون قوة عملهم فقط.

 

مرة اخرى يكمن الحل في تقوية مؤسسات المجتمع المدني، الاحزاب السياسية والنقابات العمالية، لتكون قوة ضغط حقيقية لصالح الطبقات الشعبية في مواجهة القوى المتحكمة في الثروة والسلطة، اضافة الى ضرورة تصحيح المسار الدستوري، بالحوار الجدي بين الحكم والقوى السياسية، بحيث ينهض المجتمع بأسره لمواجهة التحديات الكبيرة الموجودة حالياً، التي ستتزايد اذا اعتمد الجميع سياسة (الحركة هي كل شيء) دون أفق استراتيجي.

 

 

31 أكتوبر 2005

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro