English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بـونفور سِـيرَةُ الــدمِ القتيلِ.. ذاكِــرَةِ المَخْبــأ الأخيرِ
القسم : الأخبار

| |
2008-07-05 11:55:24


مساء، امتزجت فيه كلمات قاسم حداد، وعلي عبدالله خليفة، بشهادات رفاق مازالوا يتخذون من مبادئه نبراساً ينير طريق النضال، ويتأسون بصبر زوجة وأحفاد ينتظرون عودته.

يبدأ الحفل بدقيقة صمت تحية لأرواح شهداء البحرين، كل البحرين، لتأتي بعدها الكلمات، ملحنة بأوتار حسن الحداد، لتعلن عن بدء ملحمة بونفور المتخمة بحب الوطن.

في مساء ذلك اليوم، مر 35 عاماً على استشهاد المناضل محمد بونفور، وقد أحيت جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) تلك الذكرى في مقر فرعها بالمحرق، مسقط رأس الشهيد، كأن لسان حالها يقول ‘’باسمك نفتتح مقرنا’’.

أمين عام (وعد) إبراهيم شريف، يقف ليلقي كلمة الجمعية، فيتذكر ‘’صورة معلقة على حائط القاعة الرئيسة في فرع الاتحاد الوطني لطلبة البحرين في بيروت، هي من شدتني، فتساءلت، من يكون، فروى لي الأصدقاء قصة مناضل أصبح ملهماً لنا جميعاً’’.

منذ ذلك التاريخ، يضيف شريف، بدأت أطوي مرحلة المراهقة بسرعة، فقد طواها محمد قبل أن يبلغها، وأنهى العمر من أجل الناس قبل أن ينهي سنته التاسعة والعشرين.

بعد ذلك بسنوات، وفي ديسمبر/ كانون الأول ,1976 كان الخبر الصاعق.. استشهد محمد آخر، هذا المحمد كنت أعرفه.. في المرة الأولى مات محمد إثر انفجار غادر بعد أشهر من المطاردة، وفي المرة الثانية كان الجلاد بانتظار محمد الآخر... من نفس المدينة الثائرة.. و(الحديث مازال لشريف)

من بين الحضور، تخرج فتاة، واثقة في خطواتها، واثقة في كلماتها.. تحيي الحاضرين لتلقي كلمة عائلة الشهيد.. لتبعث وسط القاعة المزدحمة روح الشهيد.. روح بونفور.. إنها حفيدته، فاطمة بونفور.

تبدأ كلمتها بابتسامه، وتقول: خمس وثلاثونَ سنةً هو لم يلبث مِنْ هذهِ الأرضِ شهيداً، فكيفَ ليَ أنْ لا أنحَنِيَ أمامَ لَدَنِكُمْ احتراماً.

بالأمسِ شد على أيديَكُم، أنْ أبداً تَظلوا على دربِ النضالِ والنصرِ وأنْ تَسموَ شعاراتُ الحُرِ الحَقِ في فضاءِ هذا البلدِ الجريحِ، فكيفَ لهُ الرحيلَ وأنْ لا يَكونَ في افتتاحِيةِ مَقَركم الجديدِ هذا.

اتَضَحَتْ تِلْكَ البقايا السَقيمَةِ وَسَطَ عَصْفِ ذاك الهولِ صارِخَةً مُرَّ الحقيقةِ الذي لطالما اجتَبَتَهَ الظلال وأخفتهُ حروبُ الحريةِ ودروعُ الشهامةِ.

أما آنَ لِلرُوحِ أنْ تَكْلَمَ فَفَضْلُ ذِكراها خَيراً زادَها إيماناً. كلماتي هذه ليسَتْ إلا مِنْ وَحيِ رُوحِ الشهيدِ أتتْ تَنسِجُ لنا الدَورَ الذي يُؤَدِيهِ حَفْلُ التأبينِ السنويِ لِشُهَداءِ الوطنِ. نَعَمْ، بُونَفوّر هوَ مُحَرَقْ ومُحَرَقْ هيَ بُونَفوّر! لَقَد انْخَطَ اسمُهُ بالدمِ مُنذُ خَمسةٍ وثلاثينَ عاماً يومَ فارقت الروحُ الجسدَ وما بَقِيَ مِنْهُ إلا بقاياً تَناثَرَتْ إثرَ تَمَزُقِ جَسَدِهِ مِنْ انْفِجارٍ أودى بحياتِه فقط! اليوم أراهُ حاضراً، في وجوهِ صِحابِهِ وأحبابِهِ وأهلِهِ.

اليومُ بونفوّر يَحيى سنةً تلوَ الأُخرى سامياً بكلمتِه الأخيرةَ ‘’أشد على أياديكم على طريق النضال والنصر’’. مراراً قرأتُ تلكَ الرسالةَ الأخيرةَ، فَكأنما كانَ يَعْلم أنّ أوانَه قدْ دنا فَأرادَ برسالتِه أنْ يؤَكدَ على الرفاقِ ألا يَنْسوا عهداً قطعُوهُ على أنفسِهم وأنْ يُواصِلوا نِضالَهم لِيكونَ لهم غداً انتفاضةٌ تحيي الروحَ القوميةَ وتعلوَ على راياتِ الرياءِ والرضوخِ!

كلٌ لهُ مِنهاجٌ يَقُودُهُ إلى ما تَرجُوهُ النفسُ ونفسُ الأعِزَةِ مِمَنْ فارقونا حُباً بالوطنِ المسبيِ الهويةِ قد اتَخَذوا أَسمى مَنْهجٍ وهوَ جِهادُ النفسِ وتكريسِ الذاتِ لخدمةِ المجتمع.

أيُها المناضلُ.. أيُها المناضلْ.. أيها المناضلُ.. بونَفوّر.. أيُها ألأبيُ الفذُ أيُها المُناضِلْ.. أتُراكَ هُنا لِتَحْتَضِنَ شوقَنا لك. هل أنت بمسمعٍ منا لتشهد استمرارية النضال، أترى المحرق اليومَ تحتفلُ، أترانا اليوم لا نبكيك بل نفتخر ففراقك وإن استعصى كان شرفاً ومفتاحاً لانتفاضة الروح لا الجسد. فابتسم، واحزن، ثم ابتسم، فنحن ها هنا نناضل ونفشل لنناضل ونفشل إلى أن يحين الوقت للانتفاضة الكبرى وانتفاضة الروح والجسد.

مازلتُ أنزف مشاعر فأحبابي يبكون فراقك ومنهم من لا يزال يملك الأمل بعودتك. خمسةٌ وثلاثونَ صيفا وشتاء وما زال هذا الأمل متقداً! كالنار في حرقةٍ هم أهلك يرثون رحيلك فينةً ويترقبون أنْ تطلَ عليهم في حينِ غرةٍ. مازلتَ حياً تُرزق جدي فلتبتسم إذ حينها تتجملُ السماءُ في عينيَ وأقولها ‘’فلننتفض. بالأمسِ كانتْ رسالةٌ واليومَ تغدو ميثاقاً.

في وصف اختلط بحسرات، يتذكر خالد شريدة، كيف تسلم جثة الشهيد، وكيف كان العزاء في منزله. فيقول: لا استطيع ان اعبر عما رأيته، الشهيد بونفور كان صديقاً لأكثر من 20 عاماً، وكنا نلعب كرة القدم في نادي الجزيرة، حتى بعد أن انتقلنا للسكن في حي العمال، شاءت الصدف أن يلتصق جدار بيتنا ببيته.

ما زلت أتذكر جولاتنا على الدراجة الهوائية ونحن في طريقنا إلى النادي، فكنت أنا القائد مرة، وهو في أخرى.

كان كتوماً.. ذا أخلاق وصاحب قرار، يعتمد على نفسه في كل شيء، حتى ملابسه حينما تتمزق، يقوم بخياطتها بنفسه.

ذات يوم، وبعد غياب طويل، جاءني أخ الشهيد، عيسى بونفور، إلى مقر عملي، وقال لي ‘’طالبينا في السلمانية’’، فلما وصلنا إلى المستشفى، توجهنا إلى أجنحته، إلا أن الجواب كان ‘’في المشرحة’’. بخطى مثقلة، وصلنا إلى باب المشرحة، وكان كل منا يدعو الآخر للتقدم، فواسينا بعضنا، ودخلنا سوياً.

كُشف الغطاء عنه، فقال عيسى: هذا ليس بأخي.

كان المنظر فظيعاً، لم أره حتى في أفلام الرعب.. فلقت له، لنكشف عن ساقه، لان مساحة منها لا ينمو فيها الشعر... فلما رأينا الساق، خر أخ الشهيد مغشياً عليه..

ركب عيسى معه في الإسعاف، متوجهين إلى المنزل، وقام بغسله تمهيداً لدفنه، شخص يدعى يعقوب.. يعقوب سيادي.. كانت الجثة تنزف دماً وهي تغسل.

يضيف شريدة، كانت الجثة أشبه بـ ‘’الذبيحة’’، فالوجه منفصل، والجسد كذلك، والأطراف متناثرة من الجسد.. كنت أتوقع أن تخرج البحرين والمحرق عن بكرة أبيها في جنازته، ولكن للأسف، لم يكن إلا أفراد قليلون، مع عدد من أفراد العائلة.. حتى بعض أصدقائه كانوا ينظرون إلى الجنازة عن بعد خوفاً.

شهران مرا على استشهاده، ولم تفارقني صورته لحظة، النوم غادرني لهول ما رأيته.. إلى اليوم ما زلت أتذكر.

الوقت – 4 يوليو 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro