English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | مصطفى
القسم : عام

| |
رضي الموسوي 2017-10-12 08:33:53




 

على ذاك البياض المزدحم بأجساد أنهكها القهر والمرض، تمدّد مصطفى دون أن يلتفت إلى سرير كان يرقد فيه أنور، شقيقه،الذي رحل قبله.
هدوء صوته..أسئلته التي أراد منها اطمئنانًا يطفئ قلقا في جوفه، تبعث راحةً في القلب.. حين يغادرك تفقد بهجة استوت للتو بمجيئه.. 
غادر أنور قبلك يا مصطفى فأشتعلت نيران الحزن بغيابٍ مفجعٍ،

صَهَرَكما مرضٌ عُضَالٌ فتسابق القدر لِروحين لتحلَّ الفاجعة..

الآن، تلحقُ بأنور في رحلة سَرمديّة.

 
****


تذُكر يا مصطفى ذلك القاربَ المبحرَ بكَ كلَّ شهر من جزيرة جِداإلى فرضة البديّع أواخر ستينات القرن الماضي وبداية سبعيناته، حيث كان أحبتُك في شوق ملامسة جسدك الذي نحل؟....

كنتَ وصحبَك في "شرق الجزيرة" تحلمون بعالمٍ خالٍ من القهر والفقر والمرض..تنحتون في الصخر قاربَ نجاةٍ يشبه أحلامَكم الطاهرة، حتى باغتَتكم أيدٍ حطّمت القاربَ وحمَّلتكم في قاربها الذي تسكنه الوحشةُ والكآبةُ والألمُ.. كنَّا صِغارا نتتبع أخبار القاربِ الاسودِ المُبحرِ وعلى ظهره اجسادٌ متراصَّةٌ ترقب النخلَوحباتِ الياسَمين ورائحةَ الفُلِّ.

 

***


يا مصطفى...
ملامح الصورة "تتغبش" في اكتظاظ نوائب الزمن..

هذا سيد حسين يحمل جبال آلامه ويتشوق لقبلةٍ على جبينك الطاهر، لكن أسواراً ترتفع من الحرمان والمنع وعدم السماح لابنٍأن يهيل الترابَ ويقرأَ سورةَ الفاتحةِ على قبر أبيه..وهذان أبناء شقيقتيك يعانون، ويتجرعون من كأس الحرمان نفسه..
قبل شهر كان أنور وأنت تتحدثان عن سبق الرحيل.. رحل أنور قبلك فشخصت عيناك صوب السقف كي لا تقع نظرة على بياض ِسريرٍ رحل صاحبُه..

ها أنت يا مصطفى تلحق بأنور وتحفر غصّةً وبحراً من دموع وحرقة في قلب الشقيق الثالث، غالب، وأخواته وعلوي، طري العود،الذي لم يُكمِل تكحيلَ عينيه بحضورِك المبهر.

 

***

 

يوما، وفي لحظة تِيه واكتظاظ الحدث، سألتني عن أخبار البلد، أجبتك: "البلم لاحم"، عاجلتني: "لأن الماي قراح.. راح يجي السقي ويتحرك البلم". لم يتحرك "البلم" حتى اللحظة، بل أن الجَزر قد طال، وأطل علينا من يبشّر بثقافة الهزيمة وجَلد الذات وتحميل الضحية فِدية دمها المسفوك..قرأت في عينيك عتاب الذين اضنتهم التضاريس، لكن خيالك يردد "لنبني جسرا من الامل على بحيرة من اليأس".

 

**  


ينهش المرضُ والفقرُ ببطء في الأجساد المسجّاة على أسَرَّة عتيقة، بينما تزداد فرجة أولئك على موت لا يعبئون بتكاثره في أزقة الطوارئ وبين ممرات الأجنحة المتهالكة.

 

**

 

يامصفى،،

يا ريحانة ذبلت قبل أوانها 

ويا شمعة انطفأت قبل ميعاد الرحيل..

يا من صدح البردوني بأسمه شعرا جميلا:

و"يا كتابا من كل قلب تألف

ويا زمانا سياتي

يمحو الزمان المزيف"..

 

**

 

نم بسلام قرير العين وعانق الذي رحل قبلك، وتأكد أن "البلم" لن يبرح مكانه..سيأتيه مدّ يحركه إلى وجهته التي نريد، "لأن موتك أحيا من عمر مليون مترف".

 

اخلد في سرمديّتك وعانق أخاك في جنة الخلد.

 

11أكتوبر 2017

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro