English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | أول الغدر في دم الحسين
القسم : عام

| |
رضي الموسوي 2017-09-26 16:12:55




"لم يكن مسلم بن عقيل ساعتها يشعر بشيء لنفسه، لكن كان همه الأول الأوحد على الحسين القادم من جنة الحلم بالعدل إلى صحراء الواقع المظلم! خصوصا أن مسلما خرج من باب المسجد في عشرة فقط من جنوده، ثم صار وحيدا في ظلام الكوفة!

وحيدا.

 

كأن الحسين على وعدٍ بالخيانة دائما، تحولُ بينه - أشرف ما في عصره وعصرنا وجودا ورمزا - وبين تحقق الهدف وبلوغ المرام. وكأن القدر يؤكد له ولنا- أن أوضَع ما في الإنسان يبرز يوم يكون أشرف ما فيه قد أُسِر داخل المال، وسُجِن في قلب الخوف، وأُعتقِل في جبِ المطامع".

 

هكذا يحدثنا الكاتب المصري إبراهيم عيسى في روايته "دم الحسين"، عن أول الغدر في واقعة كربلاء، حين استحضر رحلة مسلم ابن عقيل الى الكوفة للوقوف على رأياهلها. الكوفة التي اتخذها الامام علي ابن ابي طالب عاصمة لخلافته في آخر العهد الراشدي، ودخول العرب مرحلة جديدة مع الدولة الاموية التي بدأت بنظام التوريث الذي أسسه معاوية ابن ابي سفيان. كان معاوية يدرك أن معارضة شديدة تقف ضد تنصيب أبنه يزيد خليفة من بعده.

 

قام معاوية بزيارته المشهورة للمدينة المنورة بعد وفاة الحسن بن علي مسموما، طالبا الموافقة على مبايعة أبنه يزيد وليا للعهد وخص هذا الطلب أربعة من رجالات العرب وأرفعهم شأنا: الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد نبي الأمة، وعبدالرحمن بن ابي بكر الصديق، أبن الخليفة الراشدي الأول، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، ابن الخليفة الراشدي الثاني وعبدالله بن الزبير. يبحر الكاتب في تفاصيل تلك السفرة للمدينة ويؤرخ لها بأن معاوية فاوض الاربعة باللين والتهديد والوعيد والمهادنة والتنمر..قدم لهم اغراءات يصعب ردها "تكونوا انتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه"..هكذا أغرى معاوية بدهاء كبار معارضي خلافة ابنه يزيد. وحين فشل كشر عن انيابه ووضع على كل واحد من الاربعة سيافين أثنين وأمرهم بضرب عنق من يجادله من الأربعة في خطبة المسجد، سواء بكلمة "نعم" أو بكلمة "لا". وفي خطبته ادعى زورا ان الاربعة وافقوا على مبايعة يزيد وليا للعهد وخليفة بعد ابيه. 

 

هكذا أسس معاوية لواقعة الطف. فبعد اعتلاء يزيد عرش الخلافة كان والي المدينة الوليد بن عتبة يطارد الامام الحسين ليحصل على البيعة مُنفذا ما جاء في رسالة يزيد بن معاوية. ينقل إبراهيم عيسى نصا من تلك الرسالة:

 

"أما بعد، فخذ حسينا وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رحمة، حتى يبايعوا، والسلام".

 

بغض النظر عن التفاصيل،ـ يؤصل إبراهيم عيسى للرواية المتداولة عن مقتل مسلم بن عقيل في الكوفة وكيف ان عبيد الله بن زياد أمر العسس باقتياد هاني بن عروة، الذي كان مسلم يختبئ في بيته، وسلخه تعذيبا حتى أدمى، وذهب يمارس دهاءا على قبيلة الضحية ليفرقهم وقت كانوا يحاصرون قصر الامارة. يشير الروائي هنا إلى ان مسلم بن عقيل خرج وحاصر قصر الإمارة بأربعة آلاف من الذين اعلنوا بيعتهم للإمام الحسين بن علي، لكن بقى معه 30 رجلا بعد ان أمعن فيهم بن زياد تهديدا ووعيدا وإغراءا، فوعد أشرافهم بالمن والسلوى ونكل بالبسطاء منهم، وحين خرج مسلم من المسجد لم يبقى من الاربعة ألاف معه إلا عشرة، وحين سار في الظلام كان وحيدا، حتى تم القبض عليه وهو متكئا على حائط متهالك مائل بعد ان اثخنته جراح سيوفهم ورماحهم، ثم ضُرب عنقه من أعلى قصر الإمارة ورمى الجند جسده واتبعوه  برأسه يهوي على الأرض مضرجا بدمائه امعانا في ممارسة الجريمة وإشهارا لها في ابشع صورها، لإثارة الرعب والخوف في نفوس الآخرين.قبيل قتله أدرك مسلم أول الغدر الذي قاد إلى واقعة الطف.

 

في تجلٍ، يحاكي الشاعر قاسم حداد تلك الواقعة في ديوانه "خروج رأس الحسين من المدن الخائنة" ويشعر عن زاوية من زوايا الخيانة الجهنمية:

 

" نسير. ندحرج تاريخنا ونركله باحترام
ولم نأخذ الأرض بالسيف. كنا قطاة
وكانت محابرنا من دماء وكان الذي فوقنا
يبول علينا، ونحن نقول: اسقنا
ونشرب، نسكر حتى تمر الليالي علينا
وحتى نصدق أن السكوت كلام .
نسير ونعرف كيف نشق التراب، ونبذر داخله الكائنات
وكيف نحز الرؤوس ونزرعها عبر كل العصور
فنحن الحسين المسافر من كربلاء
ورأس الحسين الممزق بين دمشق وبين الخليج
ونحمله، نستريح على سورة المومياء" .

 

 

كانت البيعة مطلوبة من الامام الحسين، وحين قال "لا" ليزيد بن معاوية خليفة على المسلمين، أتخذ القرار بتصفيته جسديا والتمثيل بجسده بعد قتله بحز رأسه ورؤوس من معه والتنكيل بأهل بيته وأنصاره وسبي نساءه وأطفاله وترحيلهم من كربلاء الى دمشق، مقر الخلافة الأموية، في تراجيديا سوداء تتكرر كلما عصف التاريخ بهذه الأمة وأتى بها في الحضيض كما هو الحال الراهن. لكن واقعة الدم المسفوك وحوافر الخيل التي داست الاجساد وحطمتها، سجلها التاريخ ورمى بقتلة الحسين في مكان ما في التاريخ يليق بهم. التاريخ الذي نفض غبار التشويه عن بعض مما علق به وقرر قاطعا: أن الدم انتصر على السيف في واقعة كربلاء. فقد وضع هذا النصر المبين تحت تصرف الإنسانية، فاستفادت منه مجتمعات باستخلاص دروس من مقدمات واقعة كربلاء وتفاصيلها وما بعدها. 

 

لكن بعض الذين مارسوا المغالاة، رفعوا الصوت وحولوا هذا الدرس الانساني،بروايات ضعيفة غير مسندة، إلى طقوس فقط دون الالتفات لأغلب ما حملته الواقعة،وغرقوا في سلوكيات تسيء في احيان كثيرة للرسالة والهدف الذي من اجله خرج الحسين رافضا ومناهضا بيعة يزيد بقولة "انما خرجت للإصلاح في أمة جدي"، وهو الامر الذي قاد الشيخ المرحوم مرتضى المطهري لأن يتصدى للكثير من الشوائب التي حُشرت وأضيفت على السيرة الحسينية وملحمتها، بما فيها ما نقل عنه قوله أن الإمام الحسين استشهد ثلاث مرات: الاولى على يد اليزيديين بفقدانه جسده، والثانية على يد اعداءه الذين شوهوا سمعته وأساءوا لمقامه. اما الثالثة فعندما استشهدت اهدافه على يد البعض من أهل المنبر الحسيني، وكان هذا الاستشهاد الأعظم". أن التشويه وحرف الاهداف هي غدر آخر.

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro