English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الديمقراطية وضرورات الإصلاح
القسم : الأخبار

| |
2017-09-21 15:55:24




ورقة: الاستاذ عبدالنبي سلمان - الأمين العام السابق للمنبر التقدمي 

 

يجدر بنا ونحن نتحدث في هذه الأمسية التي تقيمها قوى التيار الديمقراطي في البحرين بمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية، أن نسمح لأنفسنا كقوى سياسية بطرح تساؤلاتنا المشروعة ورؤانا وتصوراتنا وآمالنا وأحلام شعبنا في الحرية والعدالة والتحول الديمقراطي، إنطلاقاً من مناقشتنا الجادة لأوضاعنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بكل حرية ووضوح  ومسؤولية، منطلقين من مضامين هذه المناسبة الأممية الهامة، حيث يحتفل العالم منذ سنوات باليوم العالمي  للديمقراطية باعتبارها صرخة في وجه الاستبداد والانظمة الدكتاتورية والحكم الشمولي، القائم على القهر والحرمان وغياب العدالة بكل صورها، في مجتمعات لا زالت ترزح تحت قبضة أنظمة متهالكة تحفل ممارساتها بالفساد وغياب الحريات وسحق أبسط قيم ومبادىء حقوق الإنسان، على الرغم  مما احدثته التحولات الكبرى التي عاشها ويعيشها عالمنا المعاصر، وما أرتبط بها من تحولات ثقافية واجتماعية واقتصادية هائلة، وما احدثته ثورة الاتصالات والتقدم العلمي والتكنولوجي من قفزات نوعية على المستويين الثقافي والاجتماعي تحديداً، حيث اصبح عالمنا بالفعل قرية صغيرة من حيث سرعة تداول المعلومة وسرعة انتقالها بين قارات وشعوب الأرض، علاوة على ما ارتبط بها من غزارة في نوعية وحجم المعلومات ومنسوب تدوالها وسرعة ويسر الوصول إليها، إلا ان الشيء الوحيد الذي ظل دون تغيير هو عقلية ونهج سلطات القمع والاستبداد وحكم العسكر والقبضة الأمنية المفرطة حول العالم والتي استمرت  تلخص لنا مغزى احتفال شعوب العالم بهذا اليوم من اجل مواصلة النضال ضد الاستبداد والغاء ارادة الشعوب المتطلعة للحرية والتقدم.

 

وبمثل ما نحتفي بأيام أممية اخرى  كاليوم العالمي لحقوق الإنسان واليوم العالمي لحرية الصحافة واليوم العالمي للآجئين وضحايا الحروب واليوم العالمي للشفافية واليوم العالمي للمرأة واليوم العالمي للشباب والطفولة  وغيرها، فإننا يجب أن نستمر في الاحتفال بيوم الديمقراطية العالمي، وكلها  مناسبات كما تلاحظون تعبر لنا بوضوح عن حجم النكوص الذي يشهده عالمنا ومنطقتنا العربية تحديداً وفي القلب منها منطقتنا الخليجية الغنية بمواردها النفطية والفقيرة بكل أسف في مستوى الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان فيها.  وفي زحمة ما يدور حولنا من صراعات وفتن وانقسامات ودعوات تقسيم أصبحت تتوارد سريعا بعد أن استنفذت طاقاتنا المادية والبشرية ومواردنا عبر عقود، ولا زالت، في حروب عبثية تحقيقاً لمصالح دول عالمية واقليمة كبرى تسعى باستمرار لزعزعة استقرار بلداننا وتكريس تخلفنا عن ركب التطور العالمي، عبر ما تفتعله من حروب ومآس نعيش الآن في خضمها ونعاني من ويلاتها، دون أن نعلم طرق ومواعيد الخروج منها.

 

هذه الحروب التي دمرت أعز ما تملكه شعوبنا من ثروات وشباب ومقدرات، علاوة على ما اقترفته من جرائم تجاه وحدة شعوبنا وسيادة أراضينا ودولنا، وتعديات على قرارنا الوطني، وحتمت أن تظل السجون مفتوحة ومليئة بعشاق الحرية والعدالة الإنسانية، وهي تستنزف ثرواتنا المتآكلة والمتراجعة أصلاً عبر صفقات سلاح مليارية جنونية لا تريد أن تتوقف، تحت ذرائع تحقيق الأمن والاستقرار، إلا أنها تفتح فرص التنمية والوظائف والتطور الصناعي وزيادة الاستثمارات في أسواق الدول الكبرى المهيمنة، وفي المقابل تزيدنا فقرا ومجاعة واستلاباً وتخلفاً وانقساماً، مستغلة بشكل سافر استمرارغياب الديمقراطية والشراكة الوطنية في صياغة  قراراتنا الوطنية، غير آبهة بمستقبل المنطقة بأنظمتها وشعوبها على السواء، إلا بالقدر الذي يحقق لها الاستمرار في مزيد من العبث ونهب الثروات. فيما أضحت المطالبة المشروعة بالإصلاح والديمقراطية جريمة يعاقب عليها القانون في العديد من دولنا التي علينا أن نعترف أنها أضحت متخلفة عن الركب الحضاري بسنوات ضوئية عديدة، ولا مجال لتجميل ذلك مهما حاولت أدوات الإعلام الصدئة وكتاب الارتزاق ، فيما تستمر الدول العالمية المهيمنة على القرار العالمي وفي مقدمتها الدول الامبيريالية في بسط هيمنتها وفرض ارادتها مستغلة تغييب شعوب عالمنا المبتلية بالاستبداد عن مواقع القرار والشراكة في صنع مستقبل بلداننا التي هي حتما تحتاج الكثير من الجهود المخلصة من أجل بناء مستقبل أوطاننا المدمرة بالجهل والتطرف والطائفية والتخلف والحروب المفتعلة والفقر والفساد ونهب الثروات.

 

واذ نحتفل معا  باليوم العالمي للديمقراطية فمن نافلة القول أن نذكر أن أنظمة الحكم في  منطقتنا وعلى وجه التحديد في دولنا العربية دون استثناء، وأن بدرجات متفاوتة بعض الشيء، باتت وبشكل ملح تحتاج إلى سرعة إعادة صياغة علاقاتها المختلة بشكل كبير مع شعوبها على وجه أكثر وضوحاً ومسؤلية وبعد نظر، بعيداً عن المكابرة ولغة الاقصاء وممارسات التهميش للقوى الحية فيها، وعبر ممارسة سياسات شفافة في عصر اضمحلت فيه إلى حد كبير آساليب الرقابة المتعسفة، والنظر بجدية إلى التحديات الحقيقية الشاخصة امامها كأنظمة حكم، هي مسؤلة دستوريا على أقل تقدير عن قيادة أوطانها وشعوبها إلى بر الأمان، حيث لا يجدي مع هكذا اوضاع الاستمرار في سياسات الهروب إلى الأمام كما جرت العادة. خاصة وأن ما تواجهه دولنا بشكل مريع من اخفاقات وعجز وفشل مستمر في حل المشكلات، والاستجابة بموضوعية عوضا عن ذلك للتحديات المعيشية والاقتصادية والسياسية التي تعايشها مجتمعاتنا بشكل متزايد، جراء الاخفاقات المستمرة في الاستجابة بجدية ومسؤلية  لتحديات ومصاعب عملية التنمية الشاملة، وبالتالي لمطالب الناس المشروعة في الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص، علاوة على غياب سياسات الحكم الرشيد، كما تؤكد ذلك العديد من تقارير المنظمات الدولية وفي مقدمتها  التقارير الدورية الصادرة عن الأمم المتحدة، حيث  انعكست تلك الاخفاقات وعدم المبالاة بشكل مباشر على حياة الناس اليومية وتطلعاتهم نحو العيش بكرامة وحرية ودون سياسات تمييز، لا زالت  معالمها تطبع بوضوح معالم حياة الشعوب في بلداننا، والتي بدورها تؤثر سلبا في طبيعة العلاقات بين الأنظمة وشعوبها، على الرغم مما تؤكده دساتيرنا ومواثيقنا المكتوبة  والمصادق عليها من حقوق وواجبات والتزامات متبادلة بين الدولة ومواطنيها، والتي كثيرا ما يجري ابتسارها وتجاوزها عن عمد، وتفرض اوضاعنا الراهنة ضرورة اعادة الاعتبار لها بشكل سريع، عبر اذعان انظمة الحكم اولا ومعها الشعوب والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني المعنية لحوارات وطنية وتوافقات جادة ومسؤلة من شأنها ان تعيد الاستقرار والوحدة الوطنية والتلاحم للشعوب، ولكي نحمي مجتمعاتنا من حالة انعدام الوزن والضياع في المجهول.

 

 لقد اختارت الأمم المتحدة شعار الديمقراطية ومنع الصراعات لهذا العام 2017 وهي بذلك تنطلق من اهمية الشروع في بناء الديمقراطية في المجتمعات التي تفتقر اليها، ومنها بطبيعة الحال مجتمعاتنا العربية والخليجية، وتعزيزها في المجتمعات التي قطعت اشواطا مهمة على طريقها، وذلك انطلاقا من ان  القيم والمبادىء الإنسانية المتعارف عليها في عصرنا الراهن والمتمثلة في احترام حقوق الإنسان ودولة القانون واستقلال القضاء وتحقيق العدالة  والمشاركة السياسية والانتخابات الحرة والنزيهة والتمثيل العادل، هي قيم ومبادىء اكدها الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين المرتبطين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك الثقافية،  وتقوم تلك المبادىء اساسا على معايير عالمية متفق عليها ترتبط في مجملها بشروط عدالة توزيع الثروات وتحقيق العدالة والمساواة والقضاء النزيه وفصل السلطات والغاء كافة مظاهر التمييز واحترام حقوق الأقليات وتعزيز الحريات العامة والخاصة.   وفي هذا الصدد لا يكفي دولنا وانظمة الحكم في منطقتنا فخرا انها وقعت او صادقت او حتى تعهدت على احترام تلك المواثيق الدولية، بل عليها مسؤلية الالتزام بتطبيقها وتفعيلها على ارض الواقع بدلا من الدوران غير المجدي والتبريرات الفارغة التي لم تعد تقنع احدا، وذلك لحماية وتعزيز حالة الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتعزيز وتطور البناء والمسار الديمقراطي فيها.

 

 من هذا المنطلق وانطلاقا من مسؤليتنا تجاه تعزيز وحماية حالة الاستقرار في بلادنا البحرين، فاننا نجد ان هناك فرصة حقيقية امامنا جميعا  حكومة وقوى سياسية ومجتمعية للنهوض ببلادنا على اكثر من صعيد، منطلقين من  المعاني التي يمثلها اليوم العالمي للديمقراطية للمطالبة بضرورة ان تتجه كافة الأطراف المعنية باتجاه تحقيق مصالحة وطنية شاملة تنطلق اساسا من مضامين ما نص عليه دستور البلاد من بنود ومواد من شأن احترامها ان يحققق نسب مقبولة من العدالة والمساواة للجميع، ويحفظ الحقوق والالتزامات المتبادلة بين الأطراف، واهمية الالتزام بما توافقت عليه جموع شعبنا عند التصويت التاريخي مطلع الألفية الجديدة على ميثاق العمل الوطني، الذي لا زال بمعية دستور البلاد يمثل رافعة يجب الأخذ بها لعبور ما يعترضنا من  تحديات اجتماعية وسياسية واقتصادية كبيرة، عجزت الدولة حتى الآن عن الوفاء بها كاملة جراء غياب الارادة  السياسية القائمة على الشراكة في القرار وتراجع حالة الاستقرار بشكل عام خلال السنوات السبع الأخيرة وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين جراء انخفاض اسعار النفط كمورد رئيس للاقتصاد الوطني وما افرزته السياسات الاقتصادية الخاطئة والمتخبطة من مديونية متضخمة واوضاع اقتصادية ومعيشية متردية، والتي بحد ذاتها تدلل على ما تحدثنا عنه من عجز وفشل رسمي نتيجة الاصرار على التفرد بالقرار الاقتصادي والسياسي طيلة عقود طويلة، اطلقت خلالها يد السلطة التنفيذية بشكل شبه مطلق في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، الا ان الفشل كان هو المحصلة النهائية، والتي نجزم اننا ابعد ما نكون عن الخروج منها اذا ما استمر اهمال والغاء وتهميش عامل المشاركة الشعبية الحقيقية وغير المنقوصة في القرار الوطني، كأحد اهم تجليات حالة الديمقراطية الغائبة  والمغيبة التي هي مطلبنا الرئيس نحو مجتمع العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

 

ان ما تواجهه بلادنا البحرين على وجه التحديد من مصاعب اجتماعية واقتصادية وسياسية، وعلى الرغم من تعقيدات المشهد الوطني والانتظار المضني الذي فرض علينا، تحسبا لانتهاء حالة المراوحة والجمود السياسي في البحرين، والتي نعلم ان جزءا مهما منها مرتبط بتعقيدات المشهد الاقليمي وانتظار الفصول الأخيرة من الحروب الدائرة من حولنا، الا اننا  وبشيء من الارادة والتوافق والاصرار على استقلالية  قرارنا الوطني وسيادة بلادنا نستطيع المضي قدما فيم لو توافرت الفرصة التاريخية للنهوض بالبلاد مجددا،  بعيدا عن  ما فرضته حالة الاستقطاب الاقليمي التي تضرب المنطقة، وكذلك اهمية امتلاكنا القدرة على المبادرة والفعل بدلا من الانتظار، وبعيدا ايضا عن المكابرة وحالة المغالبة التي لم تنتج لبلادنا سوى مزيدا من  الأزمات المتناسلة حتى الآن،  يمكن لنا ان نعبر حينها ببلادنا إلى الأمام خطوات من شأنها ان تعيد بوصلة اقتصادنا واوضاعنا الاجتماعية والسياسية إلى جادة الصواب، وحتى نحفظ لبلادنا وحدتها واستقرارها ومواردها وثرواتها المضيعة، والتي بدونها لن تكون هناك تنمية حقيقية ولا يمكن ان نتأمل نجاحات لرؤى اقتصادية او توجهات تنموية يكثر الحديث حولها او حتى لسياسات امنية ان تحقق الاستقرار والعدالة وتعطي للقرار الوطني وللدولة هيبتهما.

 

وفي الختام فاننا هنا نسمح لأنفسنا بالحديث بشيء من الحرية الممزوجة بالخوف على مستقبل بلادنا وآمال اجيال شابة تعيش الآن بكل اسف حالة غير مسبوقة من القلق والتململ وعدم اليقين، وهي كما نعلم مستقبل الوطن وامنه واساس وحدته وازدهاره وتنميته المنشودة، التي علينا ان لا نسمح تحت اي ظرف باضاعتها او التفريط فيها، وهي مسؤلية تحتم علينا ان نستمر في النضال السلمي من اجلها بصدق ودون كلل، والاستمرار في طرح مبادراتنا ومطالبنا المشروعة بضرورة البدء سريعا في حل سياسي شامل، مقوماته الرغبة الأكيدة  في اخراج البلاد من حالة المراوحة  والانتظار ومغادرة تأزماتها القائمة، إلى حالة مغايرة تماما واكثر ايجابية، بحيث نمتلك عندها القدرة على  المرونة والعمل بواقعية سياسية ومسؤلية وطنية،  تستلهم ما سبق ان ابدته وتعلمته قوى المعارضة السياسية والحكومة على حد سواء من دروس وعبر وتجارب سابقة ابان مراحل مصيرية من عمر وتاريخ هذا الوطن الجميل، وفي مقدمتها مرحلة الحوارات السياسية الجادة التي سبقت التصديق على ميثاق العمل الوطني، وما تلاها من نجاحات وانجازات ملموسة على الحكومة والمعارضة ان تفاخر بها وتدلل مجددا على اهمية استعادتها والبناء عليها، بروح ومضامين وافق سياسي ابعد وانضج واكثر انفتاحا على الآخر، يبتعد بهذا الوطن عن المخاطر والفتن المحدقة به ويعيد قراره وهيبته لأبناءه جميعا دون استثناء بعيدا عن اي محاصصة او مغالبة سياسية لطرف او طائفة او قبيلة على حساب الآخر ولنتجه جميعنا لبناء وطن  حر سعيد يكون اكثر امنا واستقرارا وعدالة وتنمية  وازدهارا.       

 

 

 

*القى الكلمة بالنيابة الاستاد فيصل خليفة عضو المنبر التقدمي في ندوة التيار الوطني الديمقراطي حول الديمقراطية ومقوماتها بمقر وعد في أم الحصم بتاريخ ٢٠سبتمبر ٢٠١٧.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro