English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | وعد الوطن
القسم : سياسي 2

| |
رضي الموسوي 2017-09-11 16:37:24




 

لا يمكن الفصل بين حالتين: حالة المناضل الراحل عبدالرحمن النعيمي الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود وعائلته في المنفى، تشكّلت فيها شخصيته التي تجاوزت المحلي إلى الاقليمي والعربي، وخبرته النضالية التراكمية تنظيميا وسياسيا واجتماعيا، وحالة تأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد" في العاشر من سبتمبر 2001، كأول تنظيم سياسي مصرح به في البحرين والخليج العربي، بعد أن ألغى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة قانون تدابير أمن الدولة وأصدر عفوا عامًا تم بموجبه الإفراج عن كل السجناء السياسيين وسمح بعودة جميع المنفيين والذين اضطرتهم الظروف للعيش خارج البلاد. فقد كان الثامن والعشرون من فبراير 2001 يوما فارقا، حين استقبلت الحشود العائد من منفاه المناضل عبدالرحمن النعيمي ورفيق دربه عبدالنبي العكري، ليتوالى قدوم القيادات والكوادر السياسية المعارضة، عاشت فيها البحرين عرسا حقيقيا أدمل الكثير من جراح سنوات الجمر التي دامت عقودا طويلة تعطلت فيها الحياة السياسية وتعثرت برامج التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 

نستذكر اليوم تلك الأيام الجميلة، قبل ستة عشر عاما ونيف حين بادر الراحل عبدالرحمن النعيمي ودعا إلى منزله في عراد في الثالث عشر من أبريل، أي بعد عودته للوطن بستة أسابيع، ثلاثة وأربعين شخصية من التيار الوطني الديمقراطي الذين ينتمون للجبهة الشعبية وجبهة التحرير وحزب البعث وشخصيات وطنية كان لها دور إبان حقبة قانون تدابير أمن الدولة، ليضعوا اللبنات الأولى لتأسيس جمعية وعد والانتقال بالعمل السياسي من مراحله السرية الضيقة إلى آفاق العمل السلمي العلني، تحذوهم آمالٌ صادقةٌ بفتح صفحة جديدة من العمل السياسي وبانتقال بلادنا إلى مصاف الدول الديمقراطية العريقة وتلك التي سارت على طريق الديمقراطية. تشكلت لجنة تحضيرية للتنظيم الجديد كي تضع نظاما أساسيا أكد على مشروع جلالة الملك في الإصلاح والتحول الديمقراطي وعلى ما بشّر به ميثاق العمل الوطني في التحوّل إلى طريق الملكيات الدستورية العريقة.

 

وفي العاشر من سبتمبر من نفس العام حصلت "وعد" على الإشهار الرسمي وعقدت باكورة مؤتمراتها في نادي العروبة في الأول من أكتوبر 2001، بغياب رئيس لجنتها التحضيرية المرحوم جاسم فخرو الذي غيّبه الموت قبيل عقد المؤتمر، وكانت وفاته خسارة حقيقية للمشروع السياسي الجديد. جاء التأسيس قبل تشريع العمل السياسي، فخضعت جمعية وعد إلى قانون الجمعيات الأهلية بعد تجميد المادة 18 منه والتي تنص على منع الجمعيات الأهلية من العمل في السياسة، بعدها أقدمت أطياف العمل السياسي والأيدلوجي على تأسيس جمعياتها حتى بلغ العدد، حينها، 13 جمعية سياسية مصرّح بها.

 

كان العام الأول من الانفراج الأمني والسياسي أشبه بشهر عسل تحركت فيه كل مفاصل الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا..وحتى رياضيا، ذلك أن الحالة النفسية للبلاد وأهلها قد انتقلت من الاحتقان السياسي والطريق المسدود الذي وصلت له، إلى آمال وطموحات كبرى في الحياة الحرة والعيش الكريم. بيد أن الرابع عشر من فبراير 2002، كان عاما تشكّلت فيه حالة سياسية مغايرة بصدور الدستور الجديد، وتبلور التحالف بين الجمعيات السياسية الأربع وهي الوفاق ووعد والقومي ووأمل. ومع قرار التحالف الرباعي مقاطعة أول انتخابات نيابية في اكتوبر 2002، تكون البلاد قد دخلت في أول خصاتها السياسية في الألفية الثالثة، لتبدأ كرة الثلج في التشكّل ولم توقفها فترة الحوار "الدستوري" مع وزير العمل السابق الدكتور مجيد العلوي كممثل للحكم، حول التعديلات الدستورية التي خلُصت إليها الجمعيات الأربع وشخصيات قانونية مستقلة إثر بدء انعقاد دورات المؤتمر الدستوري، الذي ناقش وطرح مرئيات استندت على آراء خبراء دستوريين من رجال القانون البحرينيين المشهود لهم بالخبرة والكفاءة، كما تم الاستعانة بخبرات عربية وأجنبية بهدف الوصول إلى معادلة دقيقة تُقدم فيها مرئيات المعارضة السياسية في المسألة الدستورية والحفاظ على هيبة الدولة في آن واحد. وكان الفقيه الدستوري المصري كمال أبو المجد، واضع دستور الكويت، أهم من تمت الاستعانة بهم في هذا المجال. توقف الحوار بعد أشهر من بدئه، وذلك بإعلان رسمي عن إنهاء جلساته بحجج لم تقنع الجمعيات السياسية الأربع.

 

لم تجرِ رياح العمل السياسي كما اشتهت سفن القوى المعارضة إزاء التحول الديمقراطي المنشود، فبدأت الفجوة تكبر بين الجانب الرسمي الذي سار في المشروع منطلقا من دستور 2002، وبين القوى السياسية المعارضة وجمهورها، حتى جاء قانون الجمعيات السياسية في 2005 متقدما على قانون الجمعيات الأهلية بخطوات قليلة، في وقت أرادته قوى المعارضة قانونا عصريا للأحزاب السياسية كما هو معمول به في مختلف دول العالم التي تتمتع بحياة سياسية صحية. كان القانون متخلفا عن الممارسات التي تأسست على أرض الواقع منذ عام 2001، وأقل بكثير مما توقعته المعارضة، من حيث عدم مواكبته لمتطلبات العمل السياسي العصري، والهواجس ذات الصلة بمنسوب الحريات العامة وسقوفها المتواضعة وبضرورة التأكيد على استقلالية العمل السياسي حسب المتعارف عليه في المنظومة الدولية، وهو ما افتقدته نصوص القانون.

 

ومع ذلك قررت الجمعيات السياسية التي قاطعت انتخابات 2002، التسجيل تحت مظلة قانون الجمعيات السياسية رغم الملاحظات الكثيرة، كما قررت المشاركة في المنافسة النيابية لانتخابات 2006، بعد أن سجّلت تحفّظاتها على تركيبة السلطة التشريعية وصلاحياتها والعلاقة مع السلطة التنفيذية، فضلا عن العلاقة بين المجلسين. دفعت وعد بأهم قياداتها في تلك الانتخابات ورشّحتها في الدوائر التي رأت أن الدخول في أتون منافستها يحمل قيمة مضافة للعمل النيابي والسياسي في البلاد، وكانت المنافسات الانتخابية محطّة مهمة روّجت فيها مختلف القوى برامجها وبيّنت تلك المعركة النيابية ماهية ومواقف المتنافسين. كانت المنغّصات كثيرة والصعوبات تكبر كلما اقترب موعد الاقتراع، قدّم خلالها مرشحو وعد برامجهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وعرضوها على الناخبين بكل شفافية. ورغم الكثير الذي حصل وما قيل وقتها عن المراكز العامة وتجيير الأصوات، إلا أن مرشحي وعد حصلوا على نسب كبيرة من الأصوات وخصوصا في المحرق وعراد وأم الحصم ومدينة عيسى، والتي لم تقل عن 45 بالمئة. كان الراحل عبدالرحمن النعيمي قد رشح نفسه في تلك الانتخابات وفاز في مركز الدائرة، إلا أن أصوات المراكز العامة أسقطته. وفي أم الحصم كان إبراهيم شريف قد حصد أيضا نسبة كبرى، وكذلك سامي سيادي في عراد والدكتورة منيرة فخرو في مدينة عيسى. تكررت النسب الكبرى في انتخابات 2010 في المحرق لإبراهيم شريف وفي عراد لسامي سيادي وفي مدينة عيسى للدكتورة منيرة فخرو.

 

لم يكن قرار المشاركة في الانتخابات النيابية عام 2006 و2010 سهلا على التنظيم الذي قاطع في 2002، فقد دخل الوعديون في حوارات ومناظرات حضارية لإنضاج الموقف وتوصلوا في استفتاء داخلي إلى قرار المشاركة، ولا نبالغ في القول بأن هذا التنظيم العابر للطوائف والذي تمتد جذوره إلى هيئة الاتحاد الوطني من خمسينات القرن الماضي، يحظى بمكانة خاصة وسمعة طيبة بين الناس وفي العمل السياسي لقدرته على إقامة التحالفات الوطنية الواسعة ومد الجسور مع جميع أطراف المعارضة، نظرا لوجود نخبة سياسية مجرّبة في صفوفه، وتمتع التنظيم بالأفكار المؤمنة بالإصلاح الحقيقي واعتماده الشرعة الدولية كمرجعية لحقوق الإنسان وبناء المجتمع المدني الذي يعبّد طريق الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، كما يؤمن بالتحول الديمقراطي السلمي والتعددية السياسية وضرورة وجود معارضة سياسية "كحق ديمقراطي ومصدر قوة للدولة والمجتمع وضمان لاستقراره وتقدمه وعامل تطوير هام للإدارة العامة وكشف النواقص والفساد وتقويم البرامج والسياسات"، حسبما جاء في البرنامج العام لـ"وعد" الصادر في عام 2003.

 

حين هبّت رياح الربيع العربي على تونس ومصر وغيرها من البلدان العربية، انطلق الحراك الشعبي في الرابع عشر من فبراير، وطالب فيه المحتجون بتحوّل ديمقراطي يحاكي ما جاء في ميثاق العمل الوطني بالسير على خطى الديمقراطيات العريقة. وفي الحراك برزت أصوات ورفعت شعارات غير الشعارات التي تبنّتها الجمعيات السياسية السبع المعارضة، وهي شعارات مرفوضة من قبل قوى المعارضة التي خاضت حوارات في سنوات سابقة مع الجانب الرسمي لقناعتها التامة بضرورة الإصلاح السياسي المواكب لمتطلبات العصر، وبشرعية نظام الحكم وفق ما جاءت به الفقرة (ب) في المادة الأولى من الدستور التي تنص على أن "حكم مملكة البحرين ملكي دستوري وراثي..". كان الحراك تعبيرا عن حالة شعبية عميقة طالبت بالإصلاح الشامل، لكنها لم تكن حالة واسعة لتحقيق أهدافها وتصحيح المعادلة السياسية القائمة، وقد تزامن مع ذلك إحداث شرخ طائفي ومذهبي أضعف الوحدة الوطنية وهدّد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.

 

لا شك أن ثمة أخطاء حصلت أثناء حراك فبراير. هذا صحيح ولا يستطيع أحد المكابرة إزاءه، والصحيح أيضا أن انقسام المعارضة وتعدد شعاراتها قد أفقدها قوة الدفع اللازمة لتحقيق المطالب الإصلاحية، في الوقت الذي ضخَم الإعلام وحرَف المطالب ببث سقوف غير متوافق عليها في المطالب، وبنشر خطاب التحريض والكراهية. لقد كان جوهر المطالب هو الإصلاح الذي لايمكن لأي مجتمع التخلي عنه، اصلاح في إطار احترام الدستور والنظام، رغم بروز بعض الأصوات ذات السقوف المرتفعة والتي لم تتّفق معها قوى المعارضة السبع.

 

إن معالجة الوضع السياسي القائم ليس بتقويض مكتسبات الوطن وليس بشطب الجمعيات السياسية من الخارطة المجتمعية، إذ تواجه جمعية وعد مصير جمعيتي الوفاق وأمل، إنما المخرج يكمن بالمزيد من الديمقراطية وفتح آفاق جديدة وابتكار وسائل غير تقليدية للعمل السياسي في بيئة مليئة بالتحديات الكبرى، والعمل على تقليل خسائر بلادنا أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا والتي تزداد مع استمرار حالة الاحتقان واعتماد الحل الأمني لمعالجة الأزمات الاقتصادية والسياسية المتناسلة بعضها من رحم بعض. لابد من الحل السياسي الذي أكد فعاليته في البلدان التي سارت عليه بجدّية وأصرت على مدنية مجتمعاتها.

 

إن الأيام الجميلة التي نحلم بها تتطلب تكاتفا حقيقيا بين القوى الحية من أجل تعبيد الطريق بجهود مخلصة تتخلّص من شوائب الذين يعتاشون على آلام البلد وناسها وأصبحوا مع مرور الوقت، مروجين للدمار وتفتيت مجتمع هو في أمسّ الحاجة للوحدة الوطنية ومواجهة استحقاقات ضاغطة على الجميع في ظل أوضاع إقليمية تتداعَى على ضفافه، والشاطر من يلتقط خيط الحل ليبدأ بحياكة سجادة طريقه.

 

إن هذه البلاد لأبنائها جميعا، يكبرون بها وتكبر بهم وتُصان حياضها بوحدتهم، لا بتفتتهم وتخوين بعضهم الآخر. إن تكاتف مواطنيها يرفع شأنها، ومعالجة الأخطاء التي حصلت يحصّنها ويقوّي عودها ويعيد لها بريقا متوهّجا يحافظ على عزّة وكرامة هذا الشعب بكل مكوناته. فهذا وطن عظيم يستحق أبناؤه أفضل مما هم عليه، وحرية العمل السياسي العلني السلمي هي إحدى مرتكزات العزّة والكرامة التي يطالبنا بها بلدنا لكي لا يرجف فيه الأمل.

  

 

 

  

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro