English

 الكاتب:

عبدالله يوسف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

عبدالحسين عبدالرضا الحضور الطاغي والرحيل الشامخ
القسم : الأخبار

| |
عبدالله يوسف 2017-08-27 00:57:45




 

 

أحيي حضوركم أيها الأحبة وأعزيكم وأعزي أسرته الكريمة وكل رفاقه وصحبه الكرام وأحبته ومحبيه من الناس الأنقياء والبسطاء حيثما هم، وأعزي الكويت العزيزة الأبية في رحيل إبنها العلم المتألق، الذي ستظل روحه وإبداعاته ووطنيته مرفرفة في ربوع أفئدتنا وخلجاتنا وبين جنبات ضحكاتنا ونسيج ذكرياتنا.. الفنان الشامخ المتفوق المتمكن المدهش.. المرحوم.. عبدالحسين عبدالرضا... بوعدنان.. الذي باتت كنيته الشهيرة السائرة في ماء الناس،، حسينوه.. الذي حوّل العاقول، إلى ورود ريانه ملونة في أرض حياتنا المجدبة المدججة بالشوك..

 

إن أسطع نور ودليل على نجوميته وبلاغة حضوره في عجينة حياتنا- شيباً وشباباً وأطفالاً- أننا وثقناه طواعية -لا غصباً- في أسماعنا وأبصارنا وذبذبات أصواتنا وخلجات أرواحنا التواقة إلى البسمة والضحكة النقية الصافية، في خارطة أزماننا الإقليمية والعربية الملبدة باالبؤس والهم والغم والألغام التي وطئها هو بيصيرته الإبداعية الفنية الواعية.. فتفجرت ضحكاً مدوياً في مناخات حياتنا.. بحيث أننا حتماً نتساءل الآن وفي أيامنا القادمة وبتأثير من مشاعر الفقد القاسية التي بلورها الرحيل المفاجئ لمن أتقن بمنتهى الرقي والبساطة والذكاء تطريز البسمة في ملامحنا.. ترى.. ما هي المواهب والقدرات والإمكانيات الإبداعية والأدائية التي إمتلكها عبدالحسين عبدالرضا وأمدته بفيض لم ينضب مما قدم وأنجز وأسعدنا به في مدى نصف قرن أو يزيد؟؟

 

في محاولة لتحديد وملامسة ومعرفة ذلك إستناداً إلى أعماله وشخصيته وبلاغة حضوره وتجذره في مفاصل الفنون المتعددة التي مارسها وتفوق في أدائها، فإنني وجدت أن ذلك بمثابة مشروع دراسة،، وبحث يتشعب ويطول وهو ما أعتبر أن هذه الورقة المكثفة التي أتلوها في روعة حضوركم مقدمة مختصرة له..

 

في التركيبة الإنسانية والإبداعية البليغة الآثر والتأثير والبقاء.. فإن طينة عبدالحسين عبدالرضا إستثنائية التكوين قد أُهلت في تخلقها بمستويات ومفاصل متعددة- متناغمة ومتضافرة- أحاول تحديد أسباب توهجها وتألقها ودرجة خصوبتها المعرفية والفنية التي أهلّتها لتعميق وتجذير حضورها في وجدان الناس والتاريخ وذاكرة الفن.

 

عبدالحسين عبدالرضا في تكوينه الجثماني يتمتع ببنية جسدية ديناميكية تكاملية ملفتة للبصرمن الوهلة الأولى ومستحوذة على بؤرته وشعاعه- وهو ما نسميه -(الكاريزما)- أي الحضور البدني الطاغي الذي يستحوذ على المكان سواء على خشبة المسرح أو في الكادر التلفزيوني أو في المجالس والديوانيات وعموم المواقع التي يرتادها أو يتواجد فيها صدفة أو بالضرورة..

 

كما أن هذا البنيان الجثماني قد وهبه الخالق سبحانه وتعالى ما يمكن توصيفه بالكهرباء الموجبة التي شحنت مجمل أطرافه ومكونات جسده بملهمات العقل الباطن وبقوة الذاكرة ومدركات البصيرة، وأضفت على مخيلته سعة وخصوبة كي تسعفه في إستدعاء مجمل مواصفات الشخصية التي سوف يجسدها على خشبة المسرح أو الشاشة.. والتي تصلنا نحن المتلقين وفق أداء تمثيلي منساب بهدوء او متدفق بحيوية -حسب طبيعة الموقف الدرامي- لكن في كلتا الحالتين يخلو تماماً من الإفتعال والتكلف والمبالغة والتشنج والزعيق من مثل ما يصادفنا أو نستشعره أحياناً عند كثرة من الممثلين في أعمالهم..

     
إن جسد عبدالحسين عبدالرضا مؤثث جملة وتفصيلاً بكل مستلزمات الحضور والتفوق والبروز ولفت الإنتباه والإستحواذ على دهشة وإهتمام المتلقي.. وكل تلك المواصفات إن توفرت في كيان أي مبدع في أي مجال فإنها تهيء لإسمه وإنجازاته أن تخلد في التاريخ وذاكرات الناس جيلاً إثر جيل.. وجميعنا يدرك ويعرف أن هناك قلة من الزعماء والقادة السياسيين والخطباء والفنانين والمبدعين في الثقافة والفنون والرياضة أيضاً قد تحقق لهم ذلك وإنعجنت بذهب الإبداع أعمالهم وإنجازاتهم، ولذلك تميزوا وإشتهروا وخلدت أسماؤهم في التاريخ بعد رحيلهم وفي ذاكرة شعوبهم.. هذا أولاً.  أما ثانياً.. فإن عبدالحسين عبدالرضا مبدعاً متعدد المواهب والقدرات.. ففي كيانه تبلورت وتأصلت وتماهت في بعضها عدة مواهب هامة ورئيسية لكل من يمتهن أو يمارس فن التمثيل.. وقد تفرد وتميز وتفوق هو فيها وبها عن الأخرين.. وهي التي هيأت له النجومية المغايرة والبروز الدائم، لانه أجاد إلى حد البراعة كيفية توظيفها في مجمل أعماله.. ويمكن سرد أو إستعراض تلك المواهب والقدرات على النحو التالي:

 

إلى جانب موهبة التمثيل الفطرية اللافته لديه، فإن عبدالحسين عبدالرضا يمتلك موهبة الغناء وأصوله.. وطلاوة وعذوبة الصوت، إضافة إلى معرفته وحساسيته المرهفة بالإيقاعات التي هي المفصل والمرتكز الرئيس في الغناء والتطريب وأداء الحوارات وسرد القصص والحكايات والأمثال والتعليقات... وعليه لو لم يكن بوعدنان ممثلاً متفوقاً لكان جديراً أن يكون مطرباً متمكناً مجيداً في عوالم الغناء والطرب.. فخامة صوته الجذاب قد خُلقت فعلاً لذلك.. وبالنتيجة فإن إدراكه بأنه يحوز كل تلك المواهب قد جعله يجتهد في تطويرها وتنميتها في سياق تجربته الفنية العملية الدؤوبة كما قاده إلى توظيف محصلة كل ذلك بجدارة وذكاء في أدائه لحوارات كل الشخصيات التي تقمصها وأجاد إلى حد مدهش في التماهي معها وإيصالها للجمهور.. 

 

من ضمن مواهبه أيضاً القدرة على إبتكار الأفكار والمواقف ثم معالجتها وصياغتها كنص مسرحي أو تلفزيوني.. وأعمال كثيرة شاهدة على إمتلاكه موهبة التأليف والكتابة.

 

كما ان ولعه وحبه وممارسته لفن الرسم أحياناً أتاح له التمتع بمخيلة بصرية لتصميم وتنفيذ الديكورات كبيئة تدور فيها الأحداث المسرحية أو التلفزيونية إضافة إلى دقة إختياره الأزياء المناسبة لكل شخصية  والإكسسوارات التي تتطلبها كل بيئة وموقع.

 

الذكاء المتوهج... موهبة فطرية ضمن المواهب التي تمتع بها عبدالحسين عبدالرضا. نيشانها ودليلها، ذاك البريق واللمعان الحاد الصادر من عينيه والمتكفل بإستقطاب أبصار المشاهدين نحوه فور ظهوره على خشبة المسرح أو في الكادر التلفزيوني... والشواهد على ذلك كثيرة بما فيها الصور الفوتغرافية الشخصية بل إن تمكنه وقدرته على إبتكار وصياغة التعبيرات المكثفة المقتضبة البليغة المعنى بأسلوب كوميدي، ينم عن توفر موهبة وروح شعرية لديه، ومواقفه وأعماله تحفل بنماذج كثيرة دالة على ذلك…

 

لكن الذي إستوقفني من تعبيراته المدهشة حتى هذه اللحظة والكاشفة عن مدى إنسانيته، هو ما سردته إبنته الكريمة البارة به الدكتورة منى عبدالحسين عبدالرضا واصفة في لقاء تلفزيوني بعد إعلان وفاته، إنه -رحمة الله عليه- قال مرة لوالدتها وهو يعبر عن مدى رعاية إبنته الدكتوره منى له وتعلقة هو بها أنه قال مازحاً وفق طبعه الكوميدي: منى بنتي.. هي أم أبوها..

 

ولكم أن تتخيلوا عمق ودلالة وبلاغة ورمزية هذا القول المقتضب الذي يصل حد الحكمة..

 

مواهب أخرى تمتع بها الفنان الكبير المرحوم عبدالحسين عبدالرضا، يطول وقت سردها وإستعراض نماذجها،، لكنها بالاضافة الى المواهب التي استعرضتها تفضي إلى نتيجة حاسمة ومحصلة نهائية مفادها أن بوعدنان قد إمتلك وبجدارة عالية موهبة المواهب، ألا وهي (الإخراج) وهو وإن خلت كادرات المقدمة أو النهاية على الشاشات من إسمه تحت كلمة إخراج فمرد ذلك إلى ما فُطر عليه من تواضع وإيثار وحب لجميع العاملين والمشاركين معه في إنجاز الأعمال المسرحية والتلفزيونية بروح الجماعة التي عرف بحبه لها وولعه بها وبالتضحية بالكثير في سبيل تقديرها وإسعادها وزرع الثقة في نفوس أصحابها.. وهي في النهاية طبيعة إنسانية ورثها من أسرته الكريمة ومن رفاق دربه ومن مجايلته وزمالته المثالية للعديد من رموز الكويت وكبار مبدعيها في شتى المجالات الفنية والثقافية والأدبية، ومن الجمهور، والبسطاء من الناس الذين أحبهم وكفل بعض أيتامهم وأعال أسرهم…

 

وأبلغ من كل ذلك ولعه بالبحر الذي أدمن إرتياده منذ صباه وأسلم قياد تأملاته وصفاء روحه وتوقد ذهنه إليه، فصار البحر أجمل ما يكون لديه لأنه تعلم منه فن العوم والسباحة والغوص في بحر الناس.. ليخرج لهم من قيعان حياتهم محاراً مكنوزاً بدرر فنية طوق بها أيامهم ولياليهم..

 

ولأنه كيان متكامل وطينة معجونة بمجمل ما أسلفت فقد تألق وتفوق في فنه وفي تأدية واجبه وفي صدق ولائه ومحبته وإخلاصه لوطنه وشعبه وأمته.. وجماهيره الغفيره المحبة له ..

 

عبدالحسين عبدالرضا انسان أصيل وكريم وشجاع في مواقفه وقراراته… وأسطع مثالين من أمثلة كثيرة على شجاعته، هو قرار تطوعه بالجيش المصري عام 1956 للدفاع عن مصر ضد العدوان الثلاثي مع زميله الفنان الكبير المرحوم أحمد الصالح..

 

ثم لاحقاً رفضه القاطع الحاسم مغادرة أرض الكويت الأبية إبان الغزو العراقي عام 1990 رغم ضغوط وإلحاح وترجي محبيه والمقربين إليه بضرورة المغادرة ضماناً لامنه وسلامته..

 

ولأن بوعدنان هو نوح  وحسينوه  وبوردح  وسيف العرب الذي شهرته في التاريخ،  هذا سيفوه وهذي خلاجينه  وهو قاصد خير والتنديل  وعزوبي السالمية  الذي كشفت  الأقدار  أنه من نسل وسلالة  بني صامت…. وهو أولاً وأخيراً ودائماً  حسين بن عاقول  الذي شهرته وكنيته في التاريخ وفي ذاكرة الأجيال... عبدالحسين عبدالرضا.. المبدع المتفرد، الذي رحل شامخاً مدوياً.. كما عاش شامخاً في فنه وعطائه ووطنيتة وإنسانيته طوال حياته، والذي سيبقى حاضراً بيننا بإرثه الذي حملنا مسؤلية حفظه وصونه من الضياع، ومن عبث الموتورين وظلام الحاقدين..

 

 

وفي الختام

 

أود تسجيل وقفة إشادة ضرورية واجبه تنبع أهميتها من بلاغة وفاء الكويت الأبية تجاه مبدعها الوفي لترابها… والتي عكست بجلاء وفخر معدن وأصالة أميرها صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أطال الله في عمره ومتعه بالصحة وموفور العافية.. فما قام به سموه وحكومته وشعبه الوفي تجاه المرحوم، لهو أبلغ نموذج من نماذج التقدير الصادق والإفتخار المدهش بكل مبدعي الكويت.. فتحية فخر بهم ولهم.

 

 

رحمه الله وأسكنه الفسيح من جناته وألهمنا جميعاً بلسم  مرارة الفقد و امدنا  بالصبر والسلوان….. اللهم آمين... 

 

 

دمتم.. وشكراً جزيلاً لكم...

 

عبدالله يوسف

2017 . 8. 23

البحرين

 

ألقيت الكلمة في فعالية "عبدالحسين عبدالرضا .. الحضور الشامخ" في مقر جمعية وعد بأم الحصم 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro