مقالات اخرى
الربيع العربي وآفاق التحولات الديمقراطية في الخليج (3)
الربيع العربي وآفاق التحولات الديمقراطية في الخليج (2)
الربيع العربي وآفاق التحولات الديمقراطية في الخليج (1)
مكافحة الفساد في الوطن العربي... الانتقال من النخبوية إلى الجماهيرية
أنظمة الاستبداد والإعلام العربي
قلق أمريكي ـ سعودي من التقارب المصري مع ايران وسورية
عضو جمعية "وعد" المعارضة البحرينية: وصلنا الى طريق مسدود مع الحكومة ولا حل بلا حوار
مـرحـلــة انـتـقــال إجـبــاريــة!
سُعار المكارثية الجديدة
ليبيا والمجهول
جمعية الوفاق (1/2): نريد الإصلاح وغير مهتمّين بكرسي الملك
الأخطاء والكبوات والنتائج
حوار بريء هذه الأيام (صديقي وابنه)
«الربيع العربي» يوسّع الهوّة بين أميركا والسعودية
حذار من تأجيج نزعة الانتقام
  نسخة للطباعة                        عدد القراءات : ( 250 )


د. علي فخرو -   

لا يوجد مرض نفسي أو عقلي أو أخلاقي يصاب به الفرد، ولا توجد رذيلة يبتلى بها الفرد إلا وتصاب وتبتلى بها المجتمعات، فكما يفجع الأفراد تفجع المجتمعات، وتكون الفجيعة مضاعفة، وفي بلاد العرب الموبوءة بالعجائب والغرائب من تلك الأمراض والرذائل، وتكثر في أيامنا الحالية البائسة ، بسبب ضعف المناعة الأخلاقية المجتمعية وتعفن الحياة السياسية اللاديمقراطية، والانتكاسات المجتمعية المفاجئة لمشاريع التغيير والإصلاح والنهوض، سواء في هذا المجتمع العربي أو ذاك، ونحن لسنا هنا معنيين بالأسباب ، وهي كثيرة ومعقدة، بل بوصف هذه الظاهرة المفزعة الخطرة.
في مجتمعاتنا العربية تبدأ الظاهرة عند تضارب وتصادم فهم سلطة الدولة مع فهم قوى المجتمع لمشاريع ومسيرة الإصلاح والتغيير التي تطرحها أنظمة الحكم في كثير من الأقطار العربية في أيامنا التي نعيشها. 
فأنظمة الحكم تضع سقفا متواضعا للمشاريع التي تطرحها بحيث تجري عملية الإصلاح دون أن تمس الميزات والثراوت وحريات الاستحواذ والتصرف المطلق التي تتمتع بها هذه الجماعة أو تلك، أما قوى المجتمع، التي ناضلت وعملت عبر سنين طويلة من أجل الانتقال الديمقراطي والنهوض الحضاري، فإنها ترفض حدود ذلك السقف المتواضع وتريد أن يكون امتداده أعلى وأن يغطي مساحة أكبر وأكثر عدالة وأن تتحرك عملية الإصلاح بسرعة قصوى لتعويض متضرري تلك المجتمعات عن المظالم التاريخية التي لحقت بهم.
هذا التصادم بين رؤيتين لمدى علو سقف الإصلاح والنهوض ولسرعة الصعود إليه كان، ولايزال، هو السبب المباشر في الانتكاسات التي لحقت بالكثير من مشاريع الإصلاح العربية وقادت إلى التوترات المجتمعية، ولقد تشكلت مراحل مسيرات الانتكاسات تلك على نحو يكاد يكون متماثلاً في كل أقطار الوطن العربي.
فعندما يبدو واضحاً أن آمال وطموحات السلطة التغييرية المتواضعة لا يرضى عنها الناس وتتحرك قوى التغيير من جديد تنبري بعض خلايا المصالح الضيقة الانتهازية في عوالم السياسة والمال والإعلام لإدخال مجتمعاتها في مرحلة بالغة السلبية، هي مرحلة الخوف. فجأة تطرح المخاوف بأشكال لا تعد ولا تحصى في شكل تساؤلات خبيثة: هل الإصلاح الديمقراطي يَصلح للمجتمعات العربية؟ هل الظروف الدولية أو الأقليمية ملائمة للاستمرار في مشروع التغيير، هل آلام ومخاطر الديمقراطية تبرر إجهاض الحمل الإصلاحي وتأجيل الموضوع برمته؟ هل سيؤدي الإصلاح إلى تغيير موازين المذهبية والعرقية والقبلية في المجتمع؟
في حملة منظمة، تشبه حملات الاعلان التجارية، تؤجج مشاعر الخوف المصطنعة وما يرافقها من الكراهية والانحيازات ليصل الناس والمجتمع إلى ما قاله أحدهم من "إنه لا توجد مشاعر تسلب العقل من قدرته على التفكير والفعل مثل مشاعر الخوف": الخوف من انفلات الأمور، الخوف من هروب الأموال، الخوف من صعود هذه الجهة وهبوط تلك، إلى أن يصل المجتمع، حسب قصة الاطفال الشهيرة، إلى ما وصلت اليه الدجاجة التي سقطت عليها بلوطة من شجرة فظنت أن السماء قد تهاوت فظلت تصرخ وتركض مثيرة الرعب في مملكة الحيوانات كلها بسبب خوفها المعتوه.
في هذه الأجواء لا شيء يضيف الحطب إلى النار المشتعلة أكثر من الأقلام المأجورة وأفواه الموتورين الذين يخرجون من بالوعة المجتمع لينقلوا مجتمعاتهم من مرحلة الخوف إلى مرحلة الغضب والجنون. وقديماً عبّر الشاعر الانجليزي سامويل كولريدج عن هذا الانتقال: "في السياسة، ما يبدأ كخوف ينتهي كجنون". إضافة، إنه ينتهي بالغضب ومن ثم القسوة. وإذا كان الخوف ينتهي بالجنون فإن "الغضب هو بدوره جنون مؤقت" كما وصفه الشاعر الروماني هورس قبل أكثر من ألفي عام.
وإذا كان الغضب عند الافراد هو أقل العواطف انضباطاً وأكثرها هيجاناً، كما وصفها الفيلسوف الروماني سينيكا منذ قرون، فإنه عند الجماعات، بما فيها جماعة الحكم، يصبح عاطفة عمياء لا تفرق بين المتفرجين الأبرياء وبين المجرمين الحقيقيين، وتنتهي الى ادخال المجتمع في جحيم صراع عبثي محموم ينهي مسيرة كل مشاريع التغيير والإصلاح. وتبدأ مختلف الجهات في التفتيش عن الانتصارات المضحكة المبكية في حرب عبثية تشبه حرب الياذة هوميروس الشهيرة التي انتهت بالمآسي والدمار للجميع.
مؤسسات الحكم العربي وقوى المجتمعات العربية مطالبون بألاّ يسمحوا لأحد بإدخالهم في مرحلتي العواطف الهوجاء، الخوف ثم الغضب، بسبب هذه الصعوبة أو ذاك التعثر في مشاريع الانتقال الى الديمقراطية لإصلاح ما فسد عبر القرون. إن الشعار الذي أطلقه الشاعر الروماني أكيوس منذ قرون طويلة كنصيحة لحكام روما "دعهم يكرهون طالما أنهم يخافون"، هو شعار عفا عليه الزمن ويتناقض مع مبادئ وروح الديمقراطية.
 وأرض اليباب التي أوجزها الشاعر الامريكي إليوت في قوله "سأريك الخوف في قبضة من غبار" لا يريد أحد لأي مجتمع عربي أن يصل اليها، إذ يكفينا جحيم الصهيونية والامبريالية الامريكية لنضيف اليها حقارات الانقسامات الطائفية والدينية والقبلية والعائلية التي ما فتئ البعض يشعل نيرانها ليقلب الأرض العربية إلى أرض اليباب.
القدس العربي - 1 سبتمبر 2010
 

قائمة التصنيفات

عام (1732)

سياسي (1532)

اقتصادي (97)

حقوق انسان (46)

شؤون عمال (35)

قضايا المرأة (67)

شباب و طلبة (8)

شؤون قانونية و برلمانية (8)

ثقافة و أدب (22)

شؤون عربية (343)


مقالات اخرى للكاتب
الأخطاء والكبوات والنتائج
لنرفض 'وداوني بالتي كانت هي الدًّاء'
عندما تسدُّ المنافذ أمام الشعوب
من خوف المجتمع للدولة إلى خوفها منه
دول الخليج ليست بمنأى عن التحولات الجارية
بعض إشارات الألق التونسي
مجلس التعاون والديمقراطية
مجلس التعاون والإجابة على الأسئلة
عن أية امرأة يتحدثون؟
الانتخابات المعارضة والمستقبل
الجنون الطائفي ومجلس التعاون
المشكلة الام: من هي الدولة؟
جحيم الخوف والغضب في أرض العرب

تعليقات القراء على المقال
 
بواسطة:  - 

شكراً دكتور علي على هذا المقال الجميل الذي يلامس الواقع في جميع أقطارنا العربيةبشكل عام و وطننا الصغير مملكة البحرين اليوم، فهل هناك اليوم من أحد على مساحة هذا الوطن الصغير أيا كان من أي طائفة وأي مذهب وأي اتجاه سياسي عاقل أم مجنون في السلطة وخارج السلطة حاكم ومحكوم لا يعتريه الخوف والهلع، وهل الخوف والهلع يبني وطن وينمي ديمقراطية ويبني إصلاح مهما كان هذا الإصلاح متواضعاً شوقي العلوي


1

تعليق على المقال
اسمك   
بريدك الالكتروني   (اختياري)   
بلدك    
عنوان التعليق   
التعليق   

الرجاء كتابة الكود الظاهر