مقالات اخرى
الربيع العربي وآفاق التحولات الديمقراطية في الخليج (3)
الربيع العربي وآفاق التحولات الديمقراطية في الخليج (2)
الربيع العربي وآفاق التحولات الديمقراطية في الخليج (1)
مكافحة الفساد في الوطن العربي... الانتقال من النخبوية إلى الجماهيرية
أنظمة الاستبداد والإعلام العربي
قلق أمريكي ـ سعودي من التقارب المصري مع ايران وسورية
عضو جمعية "وعد" المعارضة البحرينية: وصلنا الى طريق مسدود مع الحكومة ولا حل بلا حوار
مـرحـلــة انـتـقــال إجـبــاريــة!
سُعار المكارثية الجديدة
ليبيا والمجهول
جمعية الوفاق (1/2): نريد الإصلاح وغير مهتمّين بكرسي الملك
الأخطاء والكبوات والنتائج
حوار بريء هذه الأيام (صديقي وابنه)
«الربيع العربي» يوسّع الهوّة بين أميركا والسعودية
حذار من تأجيج نزعة الانتقام
  نسخة للطباعة                        عدد القراءات : ( 69 )


عبيدلي العبيدلي -   

«كل ما قلبي عم ينبض وبعزي، بتبقي ملكة وما بقبل تنّْهزي. شغلي وسهري وتعبي عشانك، عندي فيهن لذّة. نحنا ما عنَّا بنات تتوظَّف بشهادتها، عنَّا البنت بتدلَّل كلّْ شي بيجي لخدمتها. شغلك قلبي وعاطفتي وحناني، مش رح تفضي لأي شي تاني، بيكفي إنِّك رئيسة جمهورية قلبي. شيلي الفكرة من بالك أحلالك، ليش بتجيبي المشاكل لحالك؟ تَنفرض بقبل تشتغلي، شو منعمل بجمالك؟ بكرا المدير بيعشق وبيتحرّك إحساسو، وطبيعي إني إنزل هدّْ الشركة عَ راسو.حقوق المرأة عَ عيني وعَ راسي، بس يا ريتك بتراعي إحساسي، وجودك حدي بقوِّيني، وهيدا شي أساسي. وشو هالوظيفة اللي بدا تفرِّق ما بيني وبينك، يلعن بيّْ المصاري بحرقها كرامة عينك».
ذلك كان النص الكامل لكلمات أغنية «محمد إسكندر»، الذي يعكس بشكل واضح لا غبار فيه «أنانية» الرجل العربي، ويفوح برائحة «ذكوريته المتعجرفة»، بغض النظر عن تبوء «إمرأة إسكندر» كرسي رئاسة الجمهورية في قلبه.
كلمات هذه الأغنية لا تختلف في جوهرها عن كلمات قصائد لشعراء عرب كانوا يقولون في المرأة :
سميتها إذا ولدت تموت والقبر صهر ضامن وبيت
أو كما يقول المعري:
إذا بلغ الوليد لديك عشراً فلا يدخل على الحرم الوليدُ
فإن خالفتني وأضعت نصحي فأنت وإن رزقت حجى بليدُ
ألا إن النساء حبال سوءٍ بـهـن يضـيع الشـرف التليد
ليست هناك حاجة إلى الخوض في مستوى تلك الأغنية الفني، نصّاً وتلحيناً وأداءً، كي لا يزجّ القارئ في حوار جانبي خارج ما يفصح به ما جاء في تلك الأغنية من «احتقار» مبطن للمرأة حين يقول «نحنا ما عنَّا بنات تتوظَّف بشهادتها»، غلفته كلمات مزيفة مثل «يلعن بيّْ المصاري بحرقها كرامة عينك».
لا نريد أن نحمل الأغنية، ومعها النصل أكثر مما تستحقه، لكن قراءة، حتى وإن كانت سريعة لذلك النص تكشف استمرار سيادة التخلف الاجتماعي في الفكر العربي المعاصر، شاملاً المرأة والرجل على حد سواء، وتزيح تلك القشرة الرقيقة «التقدمية» الزائفة، التي لا تزيد سماكتها عن قشرة البصل الخارجية، وغير القادرة على الصمود في وجه موجة موقف المجتمع العربي المعادية اليوم للمرأة والكثير من قضاياها، خاصة عند تناول مسألة المفاضلة بين «خروج المرأة للعمل أو بقائها أسيرة جدران ذلك المنزل».
نحن اليوم، بفضل تلك الأغنية، ونصوص كثيرة غيرها، أصبحنا نعيش مرحلة تسبق عودة قاسم أمين من فرنسا بعد أن أمضى أربع سنوات بين ربوع جامعاتها، يحتك بالمجتمع الفرنسي المتحرر، أكثر مما كان يتلقاه في فصول الدراسة. تعاطف أمين مع محمد عبده، ولم يكن مشدوهاً أو منبهراً بالتنوير الفرنسي، بقدر ما كان منفتحاً عليه، وفاتحاً رئتيه كي تمتلئا بكتابات مفكري عصر النهضة ومن تلاهم، دون أن يفقد خلفيته العربية الإسلامية التي لا تدعه يتردد ولو للحظة واحدة كي يقف، وبكل شجاعة، ويتولى الرد على تطاولات الكونت داركور على المصريين.
قاسم أمين كان يدرك أهمية دور المرأة، لذلك وجدناه كما يقول عنه نسيم الكورد «يرى أن تربية النساء هي أساس كل شيء وتؤدي لإقامة المجتمع المصري الصالح وتخرج أجيالاً صالحة من البنين والبنات فعمل على تحرير المرأة المسلمة وذاعت شهرته وتلقى بالمقابل هجوماً كبيراً فخلطت دعوته بالدعوة إلى الانحلال والسفور رغم أنه لم يدعُ لذلك في كتاباته».
أما المفكر الإسلامي محمد عمارة، فيستشهد بكتابات من سبق قاسم أمين فيما يتعلق بالدفاع عن حرية المرأة، فيورد اسم أحمد فارس الشدياق (1804-1888)، لكنه يعود كي يلفت بأن ما يميّز أمين عن «كل من عداه أن حديثهم عن (تحرير المرأة) والنهوض بها كان أمراً من أمور كثيرة تناولوها فيما أبدعوه من أفكار وآثار، أما هو فقد وهب كل جهوده وجميع آثاره - تقريبًا - لهذه الدعوة، حتى صار علماً عليها ورمزاً لها، فإذا لم تكن للرجل ريادة السبق، فإن له الريادة في تكريس كل جهده الفكري لهذه القضية قبل غيرها من قضايا الإصلاح».
وفي ذلك الكثير من الحق فقد أفرد أمين للحديث عن قضايا المرأة هما: ‏«تحرير المرأة»، في العام ‏1899 و«المرأة الجديدة» في العام ‏1900، وأصرَّ في أكثر من مناسبة على أن « صلاح الأمة على صلاح النساء، وتحقيقهن مشاركة الرجال»‏. كما تميَّز، كما يقول عنه حسن خضر «بتخصيص جُلِّ اهتمامه لقضية المرأة في إطار الإصلاح التربوي الاجتماعي‏، دون غيره من مفكري الإصلاح‏.‏ وهي الخصوصية الفكرية التي جعلت بين تحرير المرأة وذكر اسمه‏، أو استدعائه ارتباطاً شَرْطيا‏ً، فقضية تحرير المرأة وردت لدى مفكرين آخرين ضمن قضايا نهضوية عديدة‏».‏
واليوم ونحن نسمع ونقرأ الكثير مما يسيء للمرأة «ويحطُّ»، ندعو من يروِّجون لمثل ذلك أن يعودا قرناً واحداً إلى الوراء كي يجدوا أن الفكر العربي حينها، كان، وفيما يتعلق بالمرأة تحديداً، أكثر انفتاحاً وتقدمية مما هو عليه اليوم. نناشدهم أن يقرأوا أمين والشدياق، بل وحتى محمد عبده والكواكبي، كي يكتشفوا بأنفسهم ولأنفسهم أنهم – أي أولئك المصلحين السياسيين والاجتماعيين – قد سبقونا حتى بمعايير اليوم.
لذلك ليس من الإنصاف في شيء في حق المرأة أن نناقش قضاياها على أرضية أغنية إسكندر، لكن عندما يبلغ السيل الزبى، لا نستطيع أن نترك الحبل على الغارب، وهو أقل ما يمكن أن نقدمه لها. ولربما ذلك، يدعو فيما يدعو إليه، أن نتطلع إلى معجزة تمدُّنا بشخص من مستوى قاسم أمين، كي ينتشلنا مما نحن فيه من أوحال.
 
الوسط - 8 مايو 2010

قائمة التصنيفات

عام (1732)

سياسي (1532)

اقتصادي (97)

حقوق انسان (46)

شؤون عمال (35)

قضايا المرأة (67)

شباب و طلبة (8)

شؤون قانونية و برلمانية (8)

ثقافة و أدب (22)

شؤون عربية (343)


مقالات اخرى للكاتب
مستوى التوافق السياسي والأمن الاجتماعي
مـا العمـل؟ (2 – 2)
ما العمل؟ (1 - 2)
من أجل معارضة حيوية متفاعلة
التغيير لا يستأذن أحداً
حذارِ من الاستخفاف بخطورة التعبيرات الغريبة!
الحاجة إلى بوصلة سياسية
أرضية البحرين الطيبة المتآخية
لكل ثورة نكهتها... ولكل شعب طريقته (2-2)
لكل ثورة نكهتها... ولكل شعب طريقته (1 – 2)
مكاسب غير منظورة انتزعتها ثورة الشباب المصرية (2 - 2)
مكاسب غير منظورة انتزعتها ثورة الشباب المصرية (1 - 2)
الجيش في العلاقات المصرية - الأميركية
الانتفاضة المصرية في السياسة الإسرائيلية
رائحة استعمارية تفوح من أحاديث كلينتون وأوباما

تعليقات القراء على المقال
 
1

تعليق على المقال
اسمك   
بريدك الالكتروني   (اختياري)   
بلدك    
عنوان التعليق   
التعليق   

الرجاء كتابة الكود الظاهر