|
|
|
|
|
|
|
عدد القراءات : ( 135 ) |
|
| السفير -
 |
ديفيد ريجوليه روز: . تقبع اليمن برئاسة علي عبد الله صالح، راهناً، أكثر من أي وقت مضى، في عين العاصفة، لتبدو وكأنها بلاد تعمل قوى متحركة نافذة من الداخل على تفكيك وحدتها. هذا، إذا جاز الحديث عن وحدة، تأخر تحققها حتى العام 1990، وبقيت مهتزّة لفترة طويلة، بلغت ذروتها باندلاع حرب بين اليمنيين، استمرت من 5 أيار إلى 7 تموز 1994. اتخذت المعارضة المسلّحة في المحافظات الستّ للجمهورية الديموقراطية الشعبية المنحلّة في اليمن صفة «الانفصالية»، بينما كانت آفاقها، حتى وقت قريب، أكثر ميلاً إلى المطالبة بـ«فدرالية» أو حتى «كونفدرالية». لكن الرئيس صالح يواجه حالياً توترات داخلية متنامية، أبعد من أن تقتصر على «مسألة الجنوب». كان مجبراً قبل كلّ شيء على أن يواجه ظهور تمرّد الشيعة الزيديّين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم «الحوثيين»، ضد الحكومة المركزية في صنعاء. يرجع الاسم الى الشــيخ حسين بدر الدين الحوثي، واعظٌ متحمّس أسّس في العام 1997، حركةً طائفية فعلاً سمّاها «الشباب المؤمن». ثم قاد عــصياناً انطلق في 18 حزيران 2004 ضدّ حكومة صنعاء قبل أن يقتل في العاشر من أيلول من ذلك العام. لم تتّهمه السلطات اليمنية سوى بأنّه يحاول التحريض على «الفتنة الطائفية، التي تزعزع الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي». لم تنه وفاة الشيخ حسين بدر الدين الحوثي التمرّد «الحوثي»، الذي استؤنف بتقطع ابتداءً من أواخر أيلول 2005. ومع القمع الممارس ضدهم، ارتفع عدد المتمرّدين «الحوثيين» من نحو 400 مقاتل الى آلاف اليوم. في 11 آب 2009، شن جيش الرئيس علي عبد الله صالح، المرحلة ـ الذروة في الحرب ضد الحوثيين، التي أودت بحياة آلاف الأشخاص، منذ أن بدأت، قبل أكثر من خمس سنوات. في هذه المرحلة، نشر حوالى 20 ألف جندي في حملةٍ كبيرة لطرد 15 ألف حوثي من «أعشاش النسور»، حيث يتمركزون في جبال محافظة صعدة في أقصى الشمال. وفقاً للجنة العليا لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة، بلغ سجل هذا الصراع رقماً قياسياً، حيث ارتفع عدد القتلى الى ألفي قتيل، في أقلّ من شهر، ونحو 55 ألف نازح منذ آب 2005. ولكنه أدّى بمجمله الى تشريد 150 ألف شخص بلا مأوى منذ بداية القتال في 2004. الآن، بات الوضع أكثر خطورة، إذ يبدو أن القوى المتشاحنة داخلياً، مرتهنة للخارج، من قبل جهات فاعلة جيوسياسياً، قررت، انطلاقاً من مبدأ التنافس العرقي والمذهبي الذي يهز الشرق الأوسط (سواء العربي ـ الفارسي أو السني ـ الشيعي) أن تجعل من اليمن إحدى المناطق المفضلة للمواجهة. والحقيقة هي أن هذا التمرد لم يعد مجرد مسألة داخلية لليمن لأنه، وفقا لصنعاء، فإنّ المتمردين الزيديين، قد تلقوا مساعدات مادية ومالية من إيران. في الواقع أن أي أقلية شيعية في العالم، حتّى لو لم تكن الشيعية الاثني عشرية التي تعود للشيعية الفارسية، لا يمكن إلا أن تثير اهتمام جمهورية إيران الإسلامية، المركز العالمي للشيعة؛ وخصوصاً اذا توافرت لطهران الفرصة للتحكم بأقلية شيعية وجعلها صلة وصلٍ عسكريةٍ لها، ولا سيما في وسط دولة ذات طابع سنيّ (كما هو الحال بالنسبة لحزب الله في لبنان). في حالة اليمن، يمكن هذه الأقلية أن تمثل ضغطاً على الحدود السعودية، شديدة الحساسية، على كلّ جنوب شبه الجزيرة العربية، في الصورة الأشمل. انطلاقاً من هنا، لم يكن من قبيل الصدفة في 26 أيلول 2009، أن يحصل الرئيس صالح على دعم علني من الولايات المتحدة وحلفائها من العرب السنة، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، والكويت، والبحرين، والإمارات، وعُمان) بالإضافة إلى مصر والأردن، في حربه ضدّ الحوثيين. من جهتهم، يتهم الحوثيون السعودية، في إطار ما يمكن تسميته بـ«الحرب الجيّدة»، بتقديم المساعدات العسكرية لصنعاء، وهو ما أثبته الوضع الراهن. لكن الرئيس اليمني علي عبد الله صــالح يسـعى أيضاً للحصول على دعم في الداخل. فلم يتردد مطلقاً، في كانون الثاني 2009، في تحويل بعض الجهاديين السابقين التابعين لتنظيم القاعدة الذين «أعلنوا توبتهم» الى حلفاء له. وطلب منهم الاستعداد لعمليات عدائية ضدّ أعداء الدولة، وهم إما «الجنوبيون» أو «المعارضون الملحدون» بسبب ماضيهم «الماركسيّ»، وإما «الحوثيون» الذين يعتبرون عموماً كـ«زنادقة»، لمجرد أنهم من الشيعة. كل هذا يوصلنا إلى وضع مشوب بالمفارقات: صنعاء تطلب، بشكل غير رسمي، مساعدة السلفيين الجهاديين المقربين من القاعدة. هذه الأخيرة تستفيد من هذا الوضع لتؤمن لنفسها ملاذاً جديداً لها، إلى جانب المناطق القبلية في باكستان. هي استراتيجية دخلت حيّز التنفيذ، بموافقة وتعاون ضمني من الرياض، التي تقمع في الوقت ذاته الجهاديين داخل أراضيها، بصورة وحشية. كيف تفسّر الرياض هذا التضارب؟! وفقاً لأولوياتها، ترى المملكة أن الخطر الذي تمثله إيران على الاستقرار في المنطقة، عبر دعمها للتمرد الزيدي، أهم وأكثر إلحاحاً من تمركز القاعدة في المناطق المتاخمة لها.
* باحث في المعهد الفرنسي للتحليل الاستراتيجي ـ ايفاس / تعريب: جنان جمعاوي
| |
|
|
|
|
|
|
|
|