|
|
|
|
|
|
|
عدد القراءات : ( 174 ) |
|
| زينب الدرازي -
 |
بوفاة المرجع الديني الشيعي المعارض آية الله علي حسين منتظري أثناء نومه عن عمر ناهز السابعة والثمانين، تعود من جديد مسألة الفقيه المختلف عليها ألا وهي “ولاية الفقيه المطلقة” إلى السطح. ذلك أن المتوفى من أشد المعارضين لولاية الفقيه. المعارضة التي دفع ثمنها بتنحيته عن خلافة آية الله الخميني، وعزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية وإحاطته بتعتيم إعلامي حتى لحظة وفاته. هذا التعتيم والإقصاء لم يمنعه من نقد الحكومة الإيرانية واتهامها بالدكتاتورية. كما لم يمنعه من نقد موقف الحكومة في التصدي للمظاهرات بعد الانتخابات الأخيرة واتهامها بالتزوير والدعوة إلى الحداد على أرواح القتلى الذين سقطوا في المظاهرات الأخيرة، كما أفتى بفتوى تدين حكومة الرئيس محمود احمدي نجاد. إن وفاة أشد المعارضين لحكم ولاية الفقيه المطلقة في وقت صعب تعيشه الحكومة الإيرانية، سيعيد الجدل من جديد حول صحة أو خطأ مفهوم ولاية الفقيه. وولاية الفقيه كانت المخرج الذي اعتمده رجال الدين لاستمرار حكمهم وقيادتهم للأمة بعد انتهاء النيابة الخاصة للنواب الأربعة للإمام المهدي. وولاية الفقيه مصطلح ديني في الفقه الشيعي وهي “ولاية وحاكمية الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الإمام الحجة، حيث ينوب الولي عن الإمام المنتظر في قيادة الأمة وإقامة حكم الله على الأرض”. وبهذا يصطف مصطلح ولاية الفقيه في المعني مع الكهنوت الكاثوليكي، الذي ظل يحكم بنفس الحجة، أي النيابة في حكم الله على الأرض. والاختلاف هنا ليس على مفهوم الإنابة فهو متفق عليه. فجميع الطائفة الشيعة تتفق على ما نص عليه الإمام وهو “أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”. ولكن يبرز الخلاف بأن المعارضين لولاية الفقيه يرون أن المقصود بالحوادث هي المشكلات المتعلقة بالدين والفقه وليس أمور الدنيا، أو أمور الحكم والدولة. إن ولاية الفقيه المطلقة في إيران التي تعطي الشرعية لآية الله المختار أن يكون صاحب السلطة الدينية والفكرية والعسكرية، وبالتالي الهيمنة المطلقة على حياة الأفراد وتحويلهم إلى جيش من الآليين يتحركون حسب مشيئة الفقيه الولي، لا يعنينا هنا جانبها النظري والخلاف الفقهي حولها، إن ما يعنينا هنا، هو تداعيات المفهوم على الواقع الإيراني اليوم من استلاب للحريات ومصادرتها. وكيف تستخدم السلطة في إيران قوتها لقمع وضرب أي معارضة مستندة في ذلك على قدسية المفهوم، التي تضع أي معارضة سياسية في خانة المعارضة للقيم الدينية ورموزها. إن 30 سنة من الانقلاب على حكم شاه إيران المظلم، وانتصار إرادة شعب عانى من حكم مطلق، وفقدان للحريات والإحساس بالأمن، لقادر أن ينهض من جديد لحماية حرياته وخياراته، وإذا كان الخلاف اليوم يبدو وكأنه خلاف حول مدى شفافية الانتخابات، إلا أنه في حقيقته ثورة على القيود التي فرضتها السلطة الدينية على الشعب الإيراني، الشعب الذي على رغم طغيان الشاه، كانت الأقليات الدينية والعرقية متساوية مع جميع فئات الشعب الأخرى في الظلم والمعاناة. أما بعد الثورة، فإن هذه الأقليات الدينية والعرقية تعاني الأمرين، فمن جهة تفتقد للحريات الدينية والمذهبية، ومن جهة ثانية تعاني من الاضطهاد وتقيد الحريات. إن مظاهرات سلمية من أغلبية لا تزال تؤمن بنظام الملالي وولاية الفقيه وتطالب بالشفافية وحرية الاختيار، لم تستطع السلطة هضمها واستيعابها، فكشفت عن وجه السلطة القبيح والمدى الذي هي قادرة عليه من قمع وصل لحد القتل والتصفية الجسدية، إن فعل القتل والاستهانة بالأرواح فقط لأنها معارضة ومختلفة، يؤجج الوضع، ويفتح الباب للمعارضة لاستخدام كل أسلحتها هي الأخري التي قد تصل أيضا لحد التصفيات لرموز النظام. إن مناورة تقسيم المعارضة بتصنيفها، إلى معارضة شريرة تهدف لضرب المقدسات والتحالف مع الغرب الشرير، ومعارضة طيبة هدفها فقط الاحتجاج على نتائج الانتخابات، لن يحل المعضلة التي تعيشها الثورة اليوم مع استمرار الاعتقالات والتهديد بإعدام كل المعارضين. ويظل الحوار الوطني واحترام الحريات السياسية والدينية والاختلاف العرقي والمذهبي، مع ديمقراطية حقيقية في ظل تعددية حزبية، وفصل للسلطات، هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة.
البلاد - 2 يناير 2009
| |
|
|
|
|
|
|
|
|