|
|
|
|
|
|
|
عدد القراءات : ( 133 ) |
|
| عبدالهادي خلف -
 |
ليس في مقال اليوم ''سياسة''. وليس فيه تعريض ضد السلطة أو فريق فيها كما ليس فيه انتقاد للمعارضة أو فريق فيها. وعِلّة ذلك إنني قضيتُ الأسبوع الماضي أحاول ألا أنشغل بهمٍ سياسي. ولقد تعودتُ بين فترة وأخرى أن أهربُ من المألوف إلى ما يتيسر لي مما تحفظه كتب التراث. ولقد كان من بين أقربها إلى القلب نسخة قديمة من كتاب ''الكشكول'' للشيخ يوسف البحراني. ومعلومٌ أنه وضعه قبل أكثر من قرنيْن فجمع فيه ما يجتمع في أمثاله من الحكم والأشعار والقصص والأحاديث وغريب المسائل الفقهية والطرائف. فليس خفياً كما قال رحمه الله ''أن الإنسان في هذه الدار لمَّا كان غرضاً للهموم والأكدار وهدفاً للغموم والآصار''. وهذا من جملة ما يستدعي ''ترطيب الدماغ بلطائف المداعبات، وترويح الروح بطرائف المطايبات، من إيراد النكت الفائقة والنوادر الرائقة، إراحة لتلك الأفكار المعتلة وتنشيطاً لتلك القلوب المختلة''. إلا أن كشكول الشيخ يوسف أكثر من مجرد كتاب للتنفيه عن الخاطر ولهذا بقيتُ محتفظاً به وبملاحظاتي على هوامشه لأزْيَد من أربعين سنة إلى أن استدانه متدينٌ ثم أنكر. لحسن الحظ ثمة بدائل تفي بالغرض توفر لي بعضها حين احتجتُ في الأسبوع الفائت إلى ''ترطيب الدماغ وترويح الروح'' كما يقول صاحب الكشكول. ولعل قارئ وقارئة هذه الصفحة لا يمانعان أن أشركهما في ثلاث حكايات ''تراثية'' مما قرأت. وآمل ألا يحمِّلا هذه الحكايات أكثر مما تحتمل بل عليهما الحذر. فهي كأغلب مرويات التراث المكتوب والمحكي تعتريها شوائب الرواية والنقل ناهيك عما يختلقه الرواة المتحزبون وما يَدُّسه أهل الأهواء من المؤرخين. أسارع للقول إن ليس لاستدعاء الحكايات الثلاث علاقة بما يجري في البحرين منذ سنوات أو ما بيَّنه قانون تقاعد النواب والفتاوى الصادرة بحِليِّته. كذلك لا علاقة لها بنظرتي إلى التدافع الذي رأينا بداياته نحو مجلس .2010 وهو تدافعٌ سيزداد شراسة بين الطامحين لانتخابهم لدخول الغرفة النيابية ناهيك عن الحالمين بانتقائهم لدخول الغرفة الشوروية. تتعلق الحكاية الأولى بتعبير ''ذهبُ المُعِّزِ وسَيْفُه'' الذي أستخدمه كثيراً لتوضيح ما أصاب بعض أطراف المعارضة وخصوصا تلك التي دفعها الطمع إلى المغطس الذي هي فيه. ومعلومٌ أن المقصود هو المعزُّ لدينِ الله رابع الخلفاء الفاطميين الذي أمر ببناء القاهرة لتكون عاصمته. وكان المعزّ عند قدومه إلى مصر متمرسا في الحكم وإدارة شؤون الخلافة وتصريف أمور الدولة. ويروي ابن خلكان إنه عندما جاء المعزُّ إلى الديار المصرية بعد أن فتحها جوهر الصقلي باسمه[1] وجد من ''كان يطعن في نَسَبِه، فلما قرب من البلد وخرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له من بينهم ابن طباطبا: إلى من ينتسب مولانا؟ فقال له المعزُّ: سنعقد مجلساً ونجمعكم ونسرد عليكم نسَبنا. فلما استقر المعزُّ بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم وقال: هل بقي من رؤسائكم أحد؟ فقالوا: لم يبق مُعْتَبر. فسلَّ عند ذلك نصفَ سيفه وقال: هذا نَسَبي، ونثرَ عليهم ذهباً كثيراً وقال: هذا حَسَبي، فقالوا جميعاً: سَمِعنا وأطَعنا''. فوالاه من خاف من السيف ومن طمع في الذهب. أما الحكاية الثانية فينقلها حسن أحمد أمين[2] عن كتاب ''المستجاد من فعلات الأجواد'' للتنوخي كالآتي. ''كان لعبدالله بن الزبير رضي الله عنهما أرض وكان إلى جانبها أرض لمعاوية، فدخل عبيدُ معاوية إلى أرض عبدالله بن الزبير، فكتب عبدالله كتابا إلى معاوية يقول فيه: يا معاوية إن عبيدك قد دخلوا أرضي، فانْهِهِم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن والسلام. فلما قرأه معاوية أعطاه لابنه يزيد وقال له: ما ترى يا بُني؟ قال: أرى أن تبعث إليه جيشاً يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، فقال: بل غير ذلك خيرٌ منه يا بني. ثم كتب إلى عبدالله يقول: لقد وقفتُ على كتاب ولد حواريِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسَاءَني ما ساءَه والدنيا بأسرها هيِّنة عندي في جنب رضاه. نزلتُ عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال. والسلام. فلما قرأ عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما كتاب معاوية كتب إليه يقول: قد وقفتُ على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعْدَمه الرأي الذي أحلَّه من قريش هذا المحل والسلام. فلما قرأه معاوية قال لابنه: يا بني من عفا سادَ، ومن حلمَ عَظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء، فداوِه بمثل هذا الدواء''. ولا تحتاج الحكاية لتوضيح. أما الحكاية الثالثة فلقد نقلها أمين[3] عن صاحب وفيات الأعيان. إلا أنها حكاية نشاهدها كل يوم نرى فيه كيف تغري أمورٌ ''صغيرة'' بعض الناس إلى تغيير قناعاتهم طمعاً في المزيد. وتربط الحكاية بين الخليفة العباسي المهدي وفقيه اسمه شريك النخعي ''وكان عالماً فهماً ذكياً فطناً''. استدعى الخليفة الفقيه وقال له ''لابد أن تجيبني إلى خصلة من ثلاث خصال، قال: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: إما أن تلي القضاء أو تحدِّث ولدي وتعلمهم أو تأكل عندي أكلة، وذلك قبل أن يلي القضاء، فأفكر ساعة ثم قال: الأكلة أخفها على نفسي. فأجلسه وتقدم إلى الطباخ أن يصلح له ألواناً من المخ المعقود بالسكر الطبرزذ والعسل وغير ذلك. فعمل ذلك وقدمه إليه فأكل، فلما فرغ من الأكل قال الطباخ: والله يا أمير المؤمنين ليس يفلح الشيخ بعد هذه الأكلة أبداً. قال الفضل بن الربيع: فحدّثهم والله شريك بعد ذلك، وعلَّم أولادهم ووَليَ القضاء لهم''. وتمضي الرواية لتضيف أن الخليفة كتب للنخعي ورقة ''برزقه على الصيرفي فضايقه في النقد، فقال له الصيرفي: إنك لم تبعْ به بَزَّاً، فقال له شريك: بل والله بعتُ أكثر من البَزّ، بعتُ به ديني''. [1] أنظر: باب ابن طباطبا في كتاب ابن خلكان ''وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان'' [2] انظر حسن أحمد أمين ''ألف حكاية وحكاية - المائة حكايا الأولى''، دار الشروق، القاهرة .1990 الصفحة 101 [3] المصدر نفسه، الصفحة 127
الوقت – 21 يوليو 2009
| |
|
|
|
|
|
|
|
|