|
|
|
|
|
|
|
عدد القراءات : ( 198 ) |
|
| زينب الدرازي -
في كتابة الرائع <عالم صوفي> يناقش "جوستان غادر" الدهشة التي يُخلق بها الإنسان في مواجهته الأولى للوجود، باعتبارها فعل فطري تلاحظ دلائله قبل أن يستطيع الطفل الكلام، لكن تلك الدهشة باعتبارها فعل خلاق سرعان ما تفقد، فلا يعود قادرا على التعبير عن دهشته مما يحيط به، قبيل وعيه لذاته وللكون من حوله، وسرعان ما يصبح كل مايحيط به مع الوقت في خانة اليومي والمُعتاد. والمرأة تعيش اليومي والمعتاد، باعتبارها كائن خاضع للأدوار النمطية الاجتماعية المحددة لها سلفا "أبنة وزوجة وأم وجدة وربة بيت.. الخ" دون القدرة على خلق شعور بالدهشة والاستغراب من تكرار هذه الانماط والأدوار أو الاندهاش من كونها عنف يومي يمارس عليها من جميع المحيطين بها، الاسرة والمجتمع. ويصبح كل فعل مخالف وخارج عن هذه الأدوار بحاجة للتصويب والتهذيب، ومادامت تقاوم تلك الانماط يصر المخيال الجمعي على أن المرأة خلقت من ضلع أعوج.
تجد المرأة نفسها منسجمة مع محيطها طالما كانت ملتزمة حدود أدوارها دون معارضة أو محاولة للتغير. إذ تضعها محاولة التغير أمام أمرين لا ثالث بينهما، إما العودة للحضيرة، ويعني العودة لقانون القطيع على حساب حقوقها. أو تحمل النبذ الذي يتحول في النهاية لحرب تكون ضحيته بالضرورة، ذلك لكونها تشكل تهديدا لمصلحة جماعة مهيمنة على مفاصل المجتمع. إن تجاوز المرأة لهذه الادوار النمطية التي تنتهك آدميتها بشكل يومي، يعد من الأمور التي تنتهك الاعراف والعادات القبلية السائدة في المجتمع، وينظر لها باعتبارها تهديدا خطيرا لمجتمع ذكوري، كما يهدد ذهنية التحريم التي تختبئ وراء فكرة صيانة العادات والتقاليد لتحمي وتضمن استمرار هذه الأنماط بالقهر الاجتماعي، ونسخها من جيل إلى جيل عبر هندسة المجتمع من خلال تقنين الجنس عبر مؤسسات المجتمع الحاضرة والمستعادة باستمرار، تلك السياسة التي تكون المرأة محطها الأول ومآلها. ولكون المرأة ولدت لتعي بأن هذه هي أدوارها الطبيعية في الحياة، فلا تترك لها مساحة في الوعي لفعل الرفض والاحتجاج ضد هذه الأدوار، من خلال التساءل واعمال الفكر حولها، وإذا ما كانت تتماهى مع حقوقها كإنسان يتمتع بالمساواة والعدالة في الحقوق التي يتمتع بها الطرف الآخر في الإنسانية إلا وهو الرجل. إن فقدان المرأة قدرتها على فعل الدهشة يصب في صالح ترسيخ وتعزيز أنماط أجتماعية تسلبها حقوقها، وتعمق فعل العنف بكل اشكاله وتشدد التميز ضدها، وترسخ في وعيها أن وضعها الدوني وهشاشتها وضعفها وضع طبيعي وبديهي، لا يجب الوقوف ضدة أو محاولة تغيرة، بل يكون من واجبها المساهمة في ترسيخه. فالمرأة في المخيال الجمعي خلقت لتكون كائنا ضعيفا يجد حمايته في وجود الرجل سواء كان أبنا أو زوجا أو أخا أو أبا. وإن التمرد والخروج على هذه الأفكار هو الكفر ذاته. وترى بعض فئات المجتمع رفض المرأة لها نشوزا، بينما تربط فئات آخرى رفضها للقوالب الاجتماعية الجاهزة برفض الدين ذاته، حيث الخروج عليها ومحاربتها يعتبر محاربة لشرع الله. وبذلك تقيد المرأة ليس فقط من خلال العنف الجسدى المباشر لمعارضتها، ولكن ايضا بعنف نفسي ورمزي، أكثرإيلاما. فتجد نفسها مع الوقت ضحية التشدد والقسوة في محاربة أي تغير تقوم به. وينظر للمرأة المتمردة على قيودها على أنها نموذج للمرأة العاقة التي يجب تصحيح إعوجاجها. وبذلك تكرر المرأة نسختها المذعنه المستلبة، وتكر السبحة في نسخ مشوهة عبر أجيال متلاحقة. إن فعل الدهشة مما يحيط بنا يجعلنا نملك القدرة على التساؤل، وبالتالي القدرة على التغير ورفض المعتاد واليومي كقدر لا يمكن تغيرة أو مناقشته. ولقد أحسنت النائبات الكويتيات، توظيف هذه الملكة، ليكسرن بفوزهن كل ما هو متوقع ومفروغ منه.
| |
|
|
|
|
|
|
|
|