كاتب وصحفي بحريني -
تكتبها هذا الأسبوع خولة مطر
أحبتي.. ماذا أفعل؟ طيب ممكن أستعين بصديق؟ لنرى ماذا أستطيع أن أكتب.. هل لديكم بعض النقاط التي تساعد؟ مثلاً هل أكتب عن الصحافة وتجربتي الإعلامية؟ وعلاقتي بالمدن الأربع الأساسية في حياتي خلال العقدين الماضيين: لندن، القاهرة، بيروت، والمحرق.. أم هل تريدون أكثر؟ يعني خلاصة بعض التجارب التي جمعتني برجال؟ لسبب ما أتمنى يوماً أن أكتبها في رواية لتقرؤوها أنتم فقط لا غير. لا تسألوني لماذا؟ لا أعرف ولكن أتصور أن لأهداف بحثكم ودراستكم السوسيولوجية والعلمية جداً، ستكون تلك التجارب مثيرة. أنا لا أخجل من أي ما قمت به في حياتي رغم ندرة هذه التجارب أو لنقل قلّتها، ولكنها تعبر عن كثير من الحياة، وعن توقي للتمرد على المعتاد والروتين. حتى المؤسسة الزوجية التي سقطت مرتين في امتحانها.. ما نصيبها يا ترى في سوق الجنة؟ لا لا.. لن أفعل.. أعتذر.. سيكون صعباً أن أكتب ومعي عين الرقيب في كل ما عشت، لا أستطيع أن أتعايش مع رقيب. لقد طردته من حياتي من دون رجعة منذ سنين طويلة.
لعبة المرآة..
وأنتم أوف أوف أوف.. استهوتني اللعبة.. وأنتم؟ ماذا تقول امرأة في منتصف العمر؟ ربما أكثر من منتصفه؟ لم يتبقَ كثير من العمر لنخزن التجارب. كنت دائماً أقول يجب على النساء القادرات أن يكتبن ويكتبن ويكتبن. يقلن ما لا تستطيع النساء الأخريات البوح به. لا أعرف.. لازلتم لم تساعدوني، كيف ومن أين أبدأ؟
لقد طلبت مساعدة صديق منكما.. من منكما الأقرب؟.. من مرآتي؟ ماذا يقول الرومي؟ «حين تصير مرآة القلب صافية نقية، فإنك ترى نقوشاً خارج هذا العالم».. أعشق الرومي كما ابن عربي. كنت في دمشق ليوم ونصف! كل أيام دمشق تعيشني بالقرب منه ومن طوق ياسمينه. كأنني أعيش ذلك الزمن.. ربما ما أحسه هو بالتعريف والتحليل الطبي النفسي.. انفصام في الشخصية؟ لا أعرف. كنت أنوي في يوم ما أن أدرس علم النفس.. كان هناك من يقول إنني مستمعة جيدة.. وكان والدي يجرني لصوب المحاماة..
لا تحلم امرأة في زمني ومنطقتنا وبلدنا ومجتمعنا أن يكون لها أب مثلما كان أبي.. قال لي يوماً: لن تنفع الصحافة يا الخول - نعم هكذا كان يناديني - أنت تطمحين للدفاع عن كل الضعفاء منذ كنت صغيرة. كنت تأخذينني مع آخر يوم عمل طويل، وأنت لم تتجاوزي الخامسة أو السادسة من العمر، تمرين بي الأزقة واحداً واحداً، نبحث عن ذلك الذي يدعى الحسني بوعلاي أو دومنيه.. (بعض مهمشي المحرق).
مطربـة الثـورة خولـة
هل أُضحِكُكُم؟ في السنوات الأولى لي في جامعة تكساس (لا أعرف لماذا ابتعثونا إلى هناك من دون كل الولايات الأميركية. أعتقد أنهم كانوا يعملون على إبعادنا عن البحرين إلى أبعد بقعة بالنسبة إليهم في ذلك الوقت).
المهم، كنا شباب الاتحاد، نقيم حفلاً لجذب الطلاب والطالبات وبعض المال لصالح المعتقلين السياسيين، ليس فقط في البحرين بل في شبه الجزيرة العربية.. وكنا بحاجة إلى مُغنِّية للحفل! طال البحث، وجاءت إحدى الزميلات، إحدى صديقاتي العزيزات حتى الآن، تجرب أصواتنا واحدة تلو الأخرى. وحين يئست.
توقفت وقالت: خولة؟ قلت: نعم؟ قالت: لنجرب صوتك. أنت الوحيدة التي لم نجرب صوتها (كما سندريلا مع بعض الرتوش!).
هنا كانت الكارثة. نعم غنيت. وكان أن صرت مطربة الثورة والشباب. ولكن أكثر منه مطربة التراث. غنيت يا الزينة ذكريني. كما غنيت الكثير. بعضه أذكره والآخر لا أستطيع حتى تصوره.
وقفت على المسرح وغنيت لصالح الثورة. كان أمامي بونفور، محمد غلوم، سعيد العويناتي، وتشي جيفارا الذي هو (تشي عشقي).
كــان الغنـــاء موهبـــة لم أمتلكهـــا أبداً. أنا خولة محمد مطر، أقر وأعترف بأنني لا أجيد الغناء إلا لصالــح الثــورة.
نعم الثورة. تلك وحدها التي حلمت بها. ولا أزال أحمل لها تصوراً. هي عودة الشيخ إلى صباه بس بمنطق الثورة وليس الجنس.
برُتبة.. خائفة على وطني
ما الذي أقول وهو جنة؟ لقد حملتني سفني لموانئ عدّة. في إحدى المرات نزلت مدينة ولينجتون، كانت هي السنوات الأولى من الثمانينات. كنت صحافيّة أحمل كاميرتي وآلة كاتبة صغيرة.
هناك وأنا أركض. أول صحافية. عدنا للأول؟ ما أهمية ذلك؟ لا أعرف، لكن كانوا دائماً يرددونها علي: أنت الأولى..
كان العدد الكلي للصحافيين من كل جهات الكون أكثر من 100 صحافي، وكنت العربية الوحيدة.
هناك في الجزيرة الجنوبية لنيوزيلندا حيث الأغنام أكثر عدداً من البشر، أصعد الحافلة بقفزة واحدة، وبخفة تعلمتها منذ عاهدت نفسي أن أكون صحافية حرب!
قال لي أحدهم: «مرحباً».
كنت لم أسمع كلمة عربية واحدة منذ أكثر من أسبوع.. لم تكن هناك في نيوزيلندا صحيفة «الجزيرة» تطاردني حتى في ساعات نومي القليلة، ولا «العربية» تذكرني بجفاف الصحراء القاتل!
ولا «الحياة» و«الشرق الأوسط» تختبئ بين بطاقات المعايدة (البوستكارد) السياحية، فقط أنا وبعض الروايات التي استطعت حملها بعد رحلة سفر دامت 30 ساعة من البحرين عبر سنغافورة وسيدني ثم ولينجتون وأوكلند. جاءت تلك «المرحبا» برداً وسلاماً. هذه مدن أخرى لم أتذكرها إلا الآن..
لقد فتحتم بسوق جنتكم «بندوراز بوكس».
ماذا أفعل بكم؟ لا.. لازلت بحاجة للاستعانة بصديق. أرأيتم الرمال المتحركة التي انزلقت فيها.
عن ماذا أحدثكم؟ هل أحدثكم عن مطارداتي لسفير البحرين في واشنطن، من مدينة إلى أخرى، حتى كفر بحياته وباءت كل محاولاته بالفشل؟
في الأول عزف لي على وتر العائلة والقبيلة، وأنه على معرفة بأهلي، وحدثني بما يليق وبما لا يليق بابنة عائلة مثل عائلتي. أوف عدنا للعائلة والقبيلة، أتعرفون كم أكره الاثنتين؟ لا أستطيع وصف كرهي للعائلة والقبيلة رغم أنني أحب أهلي!
ثم ماذا كانت آخر محاولاته؟ عاد للسيرة المتكررة.
دعوة مغرية للعمل كمخبر برتبة (خائف على وطنه)؟ تصوروا؟ ها ها ها ها.. لازلت أضحك حين أتذكر شكله عندما خرجت لأصرخ أمام جميع الطلاب البحرينيين: يريدني جاسوسة، سعادة السفير يريدني أن أعمل جاسوسة عليكم!. لا أصدق نفسي الآن كيف استطعت فعل ذلك؟ من أين أتيت بتلك الجرأة؟ لم أكن قد تجاوزت التــاسعـة عشـرة بعــد.
المنع.. القطع..
هل تعرفون أنهم في يوم اتخاذ القرار الخطير جداً (ها ها ها ها) بمنعي من السفر؟ قال لي ذلك الأميركي الذي كان مسؤولاً عن الطلاب البحرينيين، إنه جلس في المنامة، مع وزير الداخلية ووزير الخارجية ووزير التربية والتعليم وربما؟ لا أتذكر من معهم أيضاً! ثم قاموا بفتح ملف كبير جداً. يحتوي على صور مختلفة لي وأنا في تظاهرات مختلفة في أماكن مختلفة: ضد شاه إيران في هيوستن بولاية تكساس، وضد موشي دايان وبينوشيه ووو مع شعوب السلفادرو، نيكاراغوا، وتشيلي ووو (في الحقيقة لم أفوت على نفسي فرصة أن أطوف على بلد في أميركا اللاتينية، إلا وأسجل فيها موقفاً تظاهرياً ضد الديكتاتورية).
آه.. هل أخبرتكم؟ عندما اُتخذ القرار بمنعي من السفر، كنت أعيش مادياً على مكافأة البعثة الدراسية الحكومية. وكانت جامعتي تريد منحي بعثة لاستكمال دراسة الماجستير حول أميركا اللاتينية، كان ذلك بعد ما كتبته عنها باللغة الإنجليزية. لست سوى خريجة مدرسة الحورة الثانوية. لم أتعلم الإنجليزية إلا بعد أن ذهبت إلى تكساس وعبر دروس البوليغلولت في الصيفيات. خسرت كل ذلك بعد المنع. كنا ثلاثة قد منعنا من السفر، أنا وزميل وزميلة، الزميل كان قيادياً ثم أصبح وكيل وزارة، وهو الآن يملك منصباً كبيراً، والزميلة لازلت أعتز بالحياة التي تشاركناها معاً، وكسرة الخبز التي اقتسمناها معاً، أنا وهي و(شهربان شريف) المهندسة التي تستحق أن يفتخر بها كل البحرينيين؛ لأنها لم تترك مبادئها يوماً. كنا تلميذتين لذلك الذي أصبح اليوم وكيل وزارة، ولازلنا نحن الاثنتين ندفع ما يسميه البعض «ثمن» تمردنا.
هل حدثتكم عن مطارداتي مع الـ «إف بي آي» عندما مُنعت من السفر؟ آه. صحيح. نسيت. حين تم منعي من السفر، هربت منهم وبقيت هناك حتى أُنهي شهادتي الجامعية وأحصل على شهادة الصحافة والإعلام.
عشت لمدة عام تحت تسميات مختلفة، لا أملك سوى بنطالين جينز وقميصين، ولم أكن أملك حتى «بالطو». حتى أحست والدتي الحبيبة عن بعد بي، وأرسلت لي «بالطو» ومعه «بوط». عشت على خزانة الملابس هذه، ومعها تي شيرت لـ «بونفور»، وآخر لـ «محمد غلوم» الذي أشارك أخته عائشة الشقة. كم كان مؤلماً حين طلبت مني القيادة الشبابية أن أخبر عائشة باستشهاد أخيها وقدوتها تحت جلد التعذيب بعد أقل من أسبوع من اعتقاله، وهو الذي كان قد ودعنا في مطار البحرين قبل أشهر. ما هذه السوق؟ ما هذه الجنان؟ كلها جروح وكثير من الحب وحب وحب وحب. ارحموني. ما المميز لدي؟
خاصـــــــــرة الحـــــــــــــرب
على شواطئ جيبوتي، هناك عند خاصرة إفريقيا، جلسنا 300 صحافي وصحافية. نترقب وصول النازحين. الهاربين من نيران الحرب الأهلية في عدن. تلك الحرب المستعرة بين رفاق الثورة والنضال والتحرير الذي دفعوا دماءهم ثمناً له. كنت أمثل وكالة أنباء «أسوشيتدبرس»، وكان هناك منافسي فيليب شحاتة، الشاب الأميركي من أصل لبناني، ممثل «رويترز»، وآخرين من صحف وجرائد ومجلات «التايم»، «نيوزويك»، «نيويورك تايمز»، و«واشطن بوست»، وغيرها وغيرها. لم يكن هناك من يتحدث العربية سواي. كنت العربية الوحيدة. استحال وصولنا إلى عدن عبر اليمن الشمالي، فرحلنا إلى جيبوتي. لكن الحدود أُغلقت وعجز زملائي من مكتب الـ «أسوشيتدبرس» في القاهرة عن الوصول إلى جيبوتي.
كنت قد وصلت إلى مكتب الوكالة بالمنطقة الدبلوماسية حين استدعاني مديري الذي كان مديراً للمكتب الإقليمي وقال لي: عليك أن ترحلي إلى جيبوتي. وبدأ البحث. أسرعت إلى منزل والدي في أم الحصم. جمعت ما جمعت وتوجهت مباشرة إلى المطار كما أنا. لا أحمل في يدي سوى كاميراتي وآلة كاتبة صغيرة. توجهت من البحرين إلى الرياض، ومنها إلى مطار جدة، ثم إلى مطار جيبوتي.
في مطار السعودية، كنت الموضوع الأكثر إثارة للموظفين، خرج الموظفون من غرفهم، وأخذ بعضهم يطل من نوافذ مكاتبهم. يتطلعون إليّ باستغراب شديد، كما لو أن مركبة فضائية، أو مخلوق فضائي قد حل عندهم فجأة. كل ذلك حدث بعد أن سألني الموظف، إلى أين ترحلين، قلت: إلى جيبوتي. وجه لي أسئلة كثيرة، أخبرته أني صحافية بحرينية ذاهبة لتغطية الحرب الأهلية اليمنية من جيبوتي. أخذ ينظر إليّ. بحرينية من دون عباءة ولا غطاء رأس وأرتدي تنورة قصيرة نسبياً في مجتمع يعتبر كعب رجل المرأة عورة! رحل الموظف ليعود ومعه وفد آخر. مجموعة من الموظفين الذين يعملون في مناصب مختلفة. كانوا يتطلعون لهذا الكائن العجيب! انتهت أزمتي بسلام رغم مشقتها في مطارات لا تتحمل مرور المرأة من دون ورقة تقر وتعترف بأن «المحرم» موافق على سفر تلك الأنثى لمكان قريب، فما بها تلقي بنفسها في مناطق القتال!
جيبوتي كانت تجربة أخرى. عالم لم أعرفه. كانت المرة الأولى التي أتحمل فيها مسؤولية تغطية حدث بهذا الحجم ولمؤسسة مثل الـ «أسوشيتدبرس» ووحدي. كانت المنافسة بين وكالات الأنباء قائمة على أشدها. وكان التأكيد عليّ من مكتبنا في نيويورك، أن أتفوق عليهم جميعاً. استطعت بعد اليومين الأولين أن أبعد وكالة الأنباء الفرنسية عن ساحة معركتي التنافسية. وبقيت «رويترز». تلك التي استعمرت هذه الدول كما دولة مقرها. هي منطقة نفوذ إنجليزية في عدن وفرنسية في جيبوتي قبل دخول الأساطيل الأميركية والقواعد البحرية إلى هذه المنطقة.. تطول القصة.. مثيرة حقاً.. خاصة عندما نقلتنا الباخرة العسكرية الإنجليزية (جيوبتر) إلى خليج عدن، ووسط الأمواج انتقلنا مع الجنود البريطانيين من البارجة إلى الباخرة الإنجليزية المدنية كوين اليزبس، التي بدأت تنقل النازحين. فكان أن نمنا، أنا وصحافيين آخرين، تحت طاولة الطعام، بعد أن استحال أن نحصل على مكان لنا وسط كوم من لحوم النازحين بمختلف جنسياتهم.
|