عبدالله جناحي -
الزعيم العربي جمال عبدالناصر يمثل بالنسبة للأمة العربية قائداً ورمزاً قومياً خالداً وتعتبر مسيرته السياسية والعسكرية محطات نوعية استلهمت منها الجماهير العربية من البحر إلى البحر معاني الاستقلال والحرية والنضال ضد الاستعمار وأعوانه المحليين.
عبدالناصر المولود في 15 يناير 1918م، بالاسكندرية تشرب بالأفكار والقيم النضالية وبروح الثورة ضد الظلم والاستعمار وعملائه المحليين ومن أجل الحرية والكرامة والاستقلال، تشرب بكل هذه القيم وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. وفي ذلك عبرة للكبار بشأن الروح الثآئرة للشباب، سواء هنا في البحرين أو في جميع أنحاء العالم، فأينما يوجد احتلال أو استعمار أو انتداب أجنبي، وأينما يوجد ظلم واضطهاد وتمييز وتوزيع غير عادل للثروة مما يخلق المزيد من الفقراء والكادحين مقابل قلة من الأثرياء، واينما يوجد قمع للحريات ونسف لقيم حقوق الإنسان فان الروح الثآئرة تسيطر على وجدان وسلوكيات الشباب قبل الكبار، ولذلك تؤكد الخطابات السياسية والاجتماعية بأن علاج ظواهر التمرد والعنف لا يمكن أن ينجح بالوسائل الأمنية والعنيفة دون العمل الجاد في إزالة أسبابها المتقدم ذكرها.
يتحدث عبدالناصر عن فترة شبابه ومراهقته وذلك حينما أقدمت وزارة إسماعيل صدقي بإصدار مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور 1923، فثارت الجماهير المصرية واحتجت الاحزاب مطالبة بعودة الدستور، وكان ذلك في عام 1930م، أي أن عمر جمال كان (12) سنة فقط. ففي مقابلة له مع جريدة صنداي تايمز في 18 يونيو 1962 يقول "كنت أعبر ميدان المنشية في الاسكندرية حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض الطلبة وبين قوات من البوليس لم اتردد في تقرير موقفي، فلقد انضممت فوراً إلى المتظاهرين دون أن أعرف شيء عن سبب التظاهرة، لقد شعرت بأنني في غير حاجة إلى سؤال، لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادي للسلطة".
إن هذه الفقرة الصريحة من حديث زعيم وقائد وسياسي قاد وطن وأمة وفي اصعب مراحلها التاريخية، مرحلة الاستقلالات وبناء الدولة الوطنية، هذا الزعيم ورغم كل التحولات في حياته مازالت حادثة المظاهرة وجروحه في الراس من جراء الضرب واعتقاله عالقة ومحفورة في وجدانه ويفتخر بها ويسترجعها دوماً.
ففي خطاب له في أكتوبر 1954م وبعد الثورة وفي ميدان المنشية بالاسكندرية نفسها حيث ألقى خطاباً على الجماهير قال فيه "في هذا الميدان تذكرت كفاح الاسكندرية، وأنا شاب صغير تذكرت في هذا الوقت وأنا اشترك مع ابناء الأسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة وباسم مصر، وأحس بطعم الحرية، وأن أجاهد وأن أكافح وأن أقاتل في سبيل الحرية، كنت أهتف بها ولا أعلم معناها، لكنني كنت أشعر بها".
اعتقد بأن المحللين الاجتماعيين والنفسانيين ومفككي الخطاب السياسي قادرون على إبراز مؤشرات جد مفيدة لاصحاب القرار السياسي والأمني في البلاد بشأن الروح الثائرة لدى الشباب وكيفية تكوينها وتأثيراتها لسنوات طويلات قادمات.
الشباب البحريني كالشباب المصري كالشباب في جميع أنحاء العالم المتحضر والمتخلف، ينظم للمظاهرة إذا ما رأى بأنها تواجه شغباً وبوليساً، وقد يكون انضمامه لها دون أن يعرف شيئاً عن سبب خروجها – كما يقول عبدالناصر – لقد اتخذ موقفاً معادياً للسلطة وفوراً ودون سؤال وهو وبعد مرور 25 عاماً من الحادثة وهو في قمة السلطة السياسية يعلن للناس ذلك، بأن الشباب الثائر سيقف ضد السلطة إذا ما كانت ظالمة وغير عادلة وغير قادرة على احترام الحريات وتعزيزها.
بحرينياً لابد أن نؤكد بأن تأثير التجربة الناصرية كان قوياً في صناعة الوعي الجمعي للشعب البحريني، فمرحلة الخمسينات كانت فعلاً مرحلة ناصرية سياسياً وشعبياً، ومذكرات بلجريف من جهة ومذكرات زعماء هيئة الاتحاد الوطني وبالأخص زعيمهم عبدالرحمن الباكر في كتابه "من البحرين إلى المنفى" من جهة أخرى تكشف مدى قدرة التجربة الناصرية في خلق حالة كبيرة من المد القومي العروبي، وهي حالة أصبحت خطيرة على الأنظمة القبلية في الخليج المدعومة من البريطانيين لذلك تمت مواجهتها بشكل شرس.
وحيث أن التجربة الناصرية ما هي إلا رافد من روافد الحركة القومية العامة باحزابها البعث العربي الاشتراكي أو حركة القوميين العرب أو اليسار العربي الجديد، وحيث أن الناصرية تمكنت من تطبيق مبادئها على أرض الواقع المصري، فإن الحركة القومية العامة تأثرت بها رغم تباينات المواقف السياسية بين روافدها، ولذلك وما أن بدأت مرحلة الستينات وحيث أن البحرين كمنطقة تتأثر بالافكار أكثر مما تؤثر، فأنها التقطت أفكار حركة القوميين العرب والبعثيين واليسار البعثي وتحولاتهم فيما بعد لليسار الجديد الذي تجسد في الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي وبعدها الجبهة الشعبية في البحرين حيث استطاعت ومع شقيقاتها الحركات الشيوعية والبعثية ان تتحكم في الساحة الشعبية والسياسية لغاية بروز المد الاسلامي لاسباب لا مكان لها في هذه المناسبة.
في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1961م قام الجيش السوري باجهاض أول تجربة وحدوية عربية بين مصر وسوريا التي أعلن عنها في فبراير 1958م، أي بعد ثلاث سنوات من حلم كان بمثابة نواة للوحدة العربية فإذا بالحلم يقتل، وعندما تتابع حياة عبدالناصر في تلك الفترة تكتشف مدة الألم الذي اصاب قلبه لاجهاض حلم عربي.
في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970م، أي في نفس اليوم والشهر توقف قلب الزعيم العربي جمال عبدالناصر وذلك أيضاً بعد 3 سنوات من هزيمة حزيران 1967م ؟!!.
ليس مهماً صدف التاريخ هذه ولكنها إشارات مجازية لعلاقة الأمل بالألم والحلم بالواقع العنيد، ومهما اختلفنا على شخصية عبدالناصر إلا أنه يبقي في وضعنا العربي البائس و المنجر نحو المزيد من الاستسلام بدلاً من المقاومة والممانعة ضد المخططات الصهيونية والامريكية، في ظل هكذا أوضاع وفي الليلة الظلماء العربية هذه لا بد وأن نفتقد البدر.
|