إن ابوإسحاق النظام يشكل الظاهرة التاريخية الأهم التى تعكس مرحلة الانصهار والتلاقح الحضاري بين الفلسفة اليونانية والحكمة الهندية والفارسية مع الحضارة العربية الإسلامية، وهي بداية تاريخية هامة من التحولات الكبيرة فى الفكر العربي الاسلامى، ومرحلة جديدة لانتقال المجتمع العربي من حالة البداوة إلى المدنية من خلال الانصهار فى الحضارات الإنسانية الأخرى، يجسدها أبو إسحاق النظام الذي قام بتأليف مئة مجلد فى الفلسفة والمنطق والأدب والعلوم الطبيعية وهو لا يقرأ ولا يكتب كونه أعمى، وهو مؤسس المذهب أو الطريقة النظامية.
لقد جاء فى كتاب روضات الجنات ان: (( للنظام مئة مجلد فى كل علم كانت مشهورة بين الناس بمصر والعراق والشام والبصرة )).
من عناوين كتبه:
1- كتاب الجزء: مكرس لقضايا الجزء الذي يتجزأ أو لا يتجزأ، المعروف بالمذهب الذري لأرسطو طاليس.
2- كتاب فى الحركة, وهو أول من اكتشف قوانين الحركة.
3- كتاب الثنوية: كان يرد على الديانة الزرادشتية القائلة بثنائية الخلق، أي بوجود خالقين للعالم، احدهم للخير والثاني للشر.
4- كتاب فى التوحيد، يحاول من خلاله إثبات وجود الله.
5- كتاب العالم: يبحث فيه قوانين الطبيعة.
6- نقض كتاب أرسطو طاليس: الذي قال بالجزء الذي لا يتجزأ ( الذرة ) وقد رد النظام على هذه النظرية، وانكر وجود الحد النهائي للتجزئة، التى تتوقف عند ألإغريق بالوصول إلى طور امتناع التجزئة بسبب التناهي فى الصغر – وذكره فى هذا الخصوص الأشعري L ص 318 ).
تناول أبو إسحاق النظام علوم الطبيعة، وفى هذا الصدد يقول الأستاذ عبدالهادى أبو ريدة: (( إن آراء الفيلسوف أبو إسحاق تُفضي إلى اعتبار العالم كله مادة وحركة، ويستند فى حكمه إلى مجمل نظرياته فى الجوهر الفرد والحركة والطفرة، وقد أنكر الحد النهائي للتجزئة )).
لقد شاعت نظرية النظام الذرية بأن لا جزء إلا يتجزأ: ( النظرية الذرية ) بين العلماء والشعراء، وأثارت مناقشات طويلة حتى يومنا هذا فى الأوساط الفكرية والثقافية الغربية، ومما قاله الشعراء بهذا الخصوص: قصيدة للشاعر: ( إبن سناء الملك ) فى إحدى غزلياته يصف ثغر الحبيبة، ولكنه فى الواقع يدلنا على حقيقة ان أبو إسحاق كان ضريرا أعمى لا يبصر:
قال إبن سناء فى قصيدته:
(( ولو أبصر النظام َجوهََرَ ثًغٍرٍها … لما شك يوماً أنه الجَوهَرَ الفَرَدُ )) وهنا يشير سناء الملك إلى إنكاره نظرية ابوإسحاق للجزء الذي يتجزأ.
كذلك اكتشف نظرية الحركة: ويقول بهذا الخصوص: " إن الأجسام متحركة دائماً وأنها تتحرك فى الوقت الذي تبدو ساكنة، ويرى ان كون الشئ فى المكان يعنى انه تحرك في وقتين أو حركتين، هما حركة الوصول وحركة النقلة، ويجد فى السكون حركة كامنة، ويقصد بذلك ان سكون النظام حالة من حالات الحركة.
السؤال الذي يبحث عن الإجابة :
كيف لهذا الاعمي الأمي ان يؤسس لمدارس فكرية ونظريات فلسفية ويكتشف قوانين الحركة وهو لا يرى ولا يبصر هذه الحركة، وفى هذا الصدد يقول: (( إن الحركة إحساس ذهني لا وجود لها فى الواقع المادي، فنحن نرى الأجسام تنتقل من مكان لآخر، ولا نرى الحركة بذاتها ))، والأغرب من هذا نظريته فى الماديات: فقد توصل أبو إسحاق النظام إلى حقائق جديدة على زمانه بخصوص بعض الظواهر الطبيعية فبين ان الهواء والصوت واللون والرائحة والطعم هي أجسام لطيفة ، وتنبه إلى قوة الهواء وطاقة الدفع والرفع فيه، وأكد ان بواسطة النفخ بالهواء يمكن رفع أجسام ثقيلة، وبرهن ان الزق المنفوخ يحمل جملاً.
إن هذا المفكر ألمعتزلي الاعمي خلقاً أنتج احد عظماء الفكر والأدب والفلسفة فى التاريخ العربي الاسلامي وهو: ( الجاحظ ).
قال عنه الأستاذ علي سامي النشار مؤلف كتاب: ( نشأة الفكر الفلسفي فى الإسلام ) الطبعة الثامنة – دار المعارف المصرية: (( إن النظام شغل الحياة الفكرية فى حياته وبعد مماته، وظل أثره على أعظم صورة لدى اكبر عدد من المفكرين، وهو يتبوأ قطب الرحى فى مدارات الثقافة الإسلامية بوصفه كاتب موسوعي تشعبت اهتماماته فشملت معظم مناحي الحياة والثقافة – ص 502 - )).
قصته مع أبو جعفر البرمكي:
الذي قال له فى نقضه لكتاب أرسطو طاليس: (( يا أبا إسحاق إنك لا تقرأ، وأنت اعمي فاقد البصر فكيف والله تريدنا نصدق انك تنقض ما قاله أبو الفلاسفة والحكماء فى الجزئيات ( يعنى به أرسطو طاليس ) وكان رد أبا إسحاق عجيباً إذ قال: (( يا أبا جعفر أيهما أَحبُ إليك أن اقرأه من أوله أو من أخره، وهكذا اخذ يقرأ كتاب أرسطو طاليس حول مذهبه الذري ))، وهو أَولَ من قال بنظرية الطفرة، فقد بين: (( ان الجسم لا نهاية له فى التجزؤ، وانه لا جزء إلا له جزء، وقال ان الجسم يخلق فى كل وقت: ( لاحظ تجدد الخلايا ).