عبدالهادي خلف -
ما زال الوقتُ مبكراً لتناول تداعيات ما حدث في الأسبوعْين الماضييْن بعد ما أثاره كلٌ من النائب جاسم السعيدي ووزارة الداخلية حول ما ورد في خطبة للشيخ عيسى قاسم. إلا إنني مثل أخينا نادر المتروك[1] أجدُ من السهل أن يتفهم المرء خروج الناس للتعبير عن غضبهم على ما اعتبروه تعديات استفزازية ومجحفة. إلا أن ما حدث عشية مسيرة الغضب وبعدها بما في ذلك الجهود والبيانات الرسمية والبيانات لامتصاص ذلك الغضب يشي بأن الطرفينْ الرئيسيْن المعنييْن مستمران في مساعيهما المتناغمة لإفشال تحويل البلاد إلى وطن والناس إلى مواطنين. فبعد سبع سنوات من التذاكي المتبادل ها هي البلاد تترنح على مشارف أزمة متعددة الأضلاع، أمنية وسياسية واجتماعية ومعيشية. وها نحن نشهد تثبيتاً للاصطفاف الطائفي لا يعير انتباهاً لأيٍ من الأسئلة الوجودية التي يطرحها الناس، وهم يطالبون بحقهم في أن يصبحوا مواطنين وليس رعية أو أتباعاً.
من الملاحظ في السنوات الأخيرة كما يقول أخونا كريم المحروس[2] أنه كلما صرح أحدٌ بمقولة ''لا تهش ولا تكش'' ضد فلان ''الرمز'' أو القيمة كلما توالى صدور البيانات والخطب والمسيرات والمواجهات ''لردع هذه المقولات التافهة التي لا تستحق - في واقع الأمر -إلا ''الإذن الصمخة'' والرأفة بجهالتها والعطف على قصور أذهانها وحواسها وليس اكثر من ذلك. ومادمنا نعترف بأنها أدوات استثارة ومجسات كشف لمنظمة طائفية تستخدمها جهات عليا في الدولة فعلينا دراسة الأمر بحنكة وتروٍّ لا ببساطة وسذاجة أو فجاجة''. ولقد رأينا في الأسبوعيْن الأخيريْن أن أحداً لم يتوقف عندما يسميه المتروك باحتمالات ''الاستدراج'' في الموضوع برمّته ولا عند احتمال أن تحريك الغضبة الشعبية وإن نجح في التنفيس عن العواطف وتأكيد الزخم العددي إلا إنها ''قد تكون إحدى المقدمات الكبرى للوقوع في المصيدة الأخيرة حيث نُقل التقابل المذهبي من داخل البرلمان إلى الشارع، وبالتالي اقتناص المشبوهين لذريعة الذرائع واندفاعهم لفرض (أمر واقع) جديدٍ كلياً''.
قبل خمس وخمسين سنة في يوم العاشر من محرم العام ,1373 الموافق للعشرين من سبتمبر/ أيلول من العام 1953 بينما كان موكب العزاء في طريقه المعتاد تعرض المشاركون فيه إلى هجوم بالحجارة وزجاجات المياه الغازية. ولقد قيل فيما بعد إن ذلك ''الهجوم'' كان بقيادة أحد أشقاء حاكم البلاد وقتها[3]. وكما يحدث في حوادث مماثلة تسارعت الأحداث التالية ودفعت المشاعر إلى درجة الغليان. وكادت أن تؤدي إلى مواجهات دموية لولا أن تصدت القيادات الوطنية الشابة لمهماتها التاريخية مما أدى إلى تأسيس الهيئة التنفيذية العليا التي أصبحت فيما بعد هيئة الاتحاد الوطني. من ضمن الوثائق البريطانية التي نشر بعضها أخونا سعيد الشهابي[4] يجدر التنبيه إلى رسالة كتبها المقيم السياسي في الخليج بي.أي.بي. باورز إلى وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن حول حادثة العاشر من محرم وما تلاها. وفيها يعرب المقيم البريطاني لرئيسه عن استغرابه من ''حدوث حالة من التوتر أو الانزعاج في هذه الجماعة التي هي عادة مسالمة وهادئة''، إلا أنه يؤكد لرئيسه على أن من حسن الحظ ''أن يعبّر هذا التوتر عن نفسه في شكل اضطرابات فئوية بدلاً من تظاهرات وطنية أو ضد الأجانب كما يحدث في معظم دول الشرق الأوسط الأخرى[5]''. لم تَدُم فرحة المقيم البريطاني طويلاً بفتنتنا الطائفية. فلم يحل الحوْل إلا وقد حدث ما يخشاه المقيم وتحولت تلك الاضطرابات الفئوية والطائفية إلى نضال مشترك من أجل بناء وطن وتحت شعار لا سني ولا شيعي. ففي 24 سبتمبر/أيلول 1954 أعلن سائقو سيارات الأجرة والنقل العمومي والشاحنات إضراباً أسهم نجاحه في تشجيع تسريع خطوات القيادات الوطنية آنذاك. وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول أرسلت قيادة الهيئة إلى حاكم البلاد قائمة المطالب الوطنية المعروفة والتي تضمنت المطالبة بمجلس منتخب تشريعي له سلطة فعلية في التشريع.
ما الفرق بين 1954 و2008؟ كيف تمكن آباؤنا وقتها من إفشال محاولات استدراجهم إلى فخ الاضطرابات الفئوية بينما نقع نحن في الفخ؟ لمَ استطاع الجيل السابق أن يرد على الفتنة بموقف وطني مشترك تمثل في برنامج عمل وحركة سياسية تجاوزت الحدود التي تفرضها الروابط الطائفية والقبلية والمناطقية؟ ولمَ يفشل جيلُنا المرة بعد الأخرى؟ لا أدعي أنني أعرف الأجوبة. ولكنني أقترح مقاربة قد تجعل واحداً من هذه الأجوبة محتملاً.
أغلب من هم من جيلي يستطيعون مقارنة حال المزاج الشعبي في البحرين الآن بما كان عليه قبل عقود. أي عندما كانت عذاري.. عذاري. أي قبل أن تتحول البلاد كلها، كما تحولت عذاري نفسها، إلى مشروع استثماري متكرر الفشل. وقتها كان للبلاد رائحتها التي لشدة حضورها تدخل الغياب، حسب صياغة جميلة لجعفر حسن[6]. نعم كانت البلاد تعاني من فقر وقهر وظلم وتمييز كما هي تعاني الآن. ولكن المزاج الشعبي كان مختلفاً. كان المزاج الشعبي يعكس تفاؤلاً بالمستقبل ويقيناً بأن دوام الحال من المحال. وكان الناس متفائلين بأن الغد لا بد وأن يكون أفضل من يومهم. فكما يتغير حال الأرض البوار بجهد زارِعيها فتصبح أرضاً مثمرة كان مزاج الناس متفائلاً بأن جهودهم كفيلة بإزالة الفقر والقهر والتمييز والظلم. لذا كانت مواكب العزاء ترفع الشيلات ''من يريد حقوق لازم تضحية''. أقول لقد تحولت أحوال الناس بعد أن تغيرت أحوال البلاد وتحولت في أعين البعض إلى مشروع استثماري. ولقد رأينا انعكاس ذلك لتحول في اقتناع المتصدين للقيادة، سواء بين الدينيين والعلمانيين، بأن العمل السياسي ليس نضالاً من اجل الناس بل سلسلة تكتيكات ومناورات تهدف لتحسين شروط تفاوضها مع الأطراف الأخرى ومع السلطة. فلم يعد العمل السياسي تنويرياً ومجالاً لخلق الكوادر وأداة لتنظيم الناس وتمكينها. ولم يعد المجال الذي تسعى التنظيمات السياسية لمراكمة خبرات كوادرها وجمهورها ولربط وعي الناس بحاضرهم ببرامج عمل لصناعة المستقبل. لهذا صار سهلاً إكثار الوعود التي يبذلها المسؤولون والقيادات. وكلما تكرر الخذلان ازداد الإحباط وزاد تشاؤم الناس. فليس ثمة أمل في وطن ولا في دولة قادرة وعادلة. وليس هناك غير التعاضديات التقليدية التي تعقد صفقاتها مع أطراف الحكم لتتولى توفير ما لا تريد مؤسسات الدولة أن توفره بعدالة للجميع
[1] نادر المتروك، ''ما هو اخطر من التعدي على العلماء''، الوقت 20 يونيو/حزيران .2008
[2] كريم المحروس، ''خط أحمر للدفاع دون القيم والرموز لا يعني من الحق شيئا''، شبكة النعيم الثقافية، راجع الوصلة:
http://www.noaim.net/news.php?newsid=2102
[3] انظر: فؤاد اسحق الخوري، ''القبيلة والدولة في البحرين'' تطور نظام السلطة وممارستها، معهد الإنماء العربي، بيروت 1983 ص .296
[4]، [5] سعيد الشهابي، البحرين 1920 - 1970 قراءة في الوثائق البريطانية، دار الكنوز الأدبية، بيروت .1996
[6] جعفر حسن، ''رائحة المنامة العتيقة''، موقع الشعر المعاصر على الوصلة:
http://www.moaser.net/vb/showthread.php?t=10310
- كاتب بحريني - أستاذ علم الاجتماع في جامعة (لوند) - السويد
صحيفة الوقت
24 يونيو, 2008
|