أكثر ما يقلق المتابعين للشأن العام، حين يتم الإعلان عن رقم أو نسبة معينة تتعلق بموضوع يهم العامة من الناس. فنسبة البطالة في البحرين، مثلا، أخذت أبعادا سياسية كبرى خصوصا في منتصف التسعينات عندما استشرت البطالة في صفوف الشباب واستفحل الفقر في مناطق عديدة. كان وقتها الحديث عن البطالة أشبه ما يكون باللعب بالنار، وما إن يكتب صحافي عمودا صغيرا، إلا وجاءه الرد معلقات تفند رأيه.
هذا حدث أيضا بشأن نسبة التضخم التي تجتاح البلاد هذه الأيام، وتراجع الدخل الحقيقي للمواطن والمقيم قياسا إلى الوضع القائم قبل ثلاث سنوات والتي ترافقت مع تراجع صرف الدولار الأميركي المربوط به الدينار البحريني والعملات الخليجية حتى النخاع. فالجهات الرسمية تمتلك حساسية عظمى تجاه هذا الموضوع المتعدد القراءات، لكن عندما قالت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون ان دول المجلس لم تكن دقيقة في إعلاناتها عن التضخم لم يتحدث احد، عكس ما كان يحدث مع المختصين والمهتمين بالشأن الاقتصادي.
إلا أن أكثر المفارقات ‘’الرقمية’’ هي تلك التي يتم الإعلان عنها في المسيرات والمظاهرات التي تعم البلاد منذ انطلاقة المشروع الإصلاحي لجلالة الملك في العام .2001 فقد تعود المواطن على قراءة رقمين على الأقل إزاء المشاركين في كل فعالية. حدث هذا في العام قبيل الانتخابات النيابية في أكتوبر 2002 عندما نظم التحالف الرباعي ندوة جماهيرية غصت بها الشوارع والساحات القريبة من نادي العروبة الذي أقيمت فيه الفعالية، حيث كانت هناك قراءات لمنظمي الندوة وأخرى للجهات الرسمية، كما حدث ذلك في إحدى فعاليات التحالف نفسه أمام مجمع الدانة.
هذه المرة كان الحدث مسيرة التضامن مع الشيخ عيسى قاسم يوم الجمعة الماضي. فقد قدر المنظمون أعداد الذين حضروا المسيرة مابين 100-120 ألف مشارك، بينما قدرتها وزارة الداخلية في بيان من سطر واحد أصدرته مساء يوم المسيرة وقالت فيه بأن ‘’عدد المشاركين 4000 شخص’’.
وبين الرقمين مسافة شاسعة تشبه السنة الضوئية، ما يعطي انطباعا سريعا بأن احد الرقمين لم يكن دقيقا البتة. وللأمانة رحت أبحر في الصور التي التقطها مصور الوقت، وكذلك أبحرت في عشرات الصور التي نزلت على الانترنت، وذلك في محاولة للمقارنة بين الرقمين المعلنين من جهتي اختصاص الأولى أهلية نظمت المسيرة والأخرى رسمية معنية بسلامة المشاركين وبالجمهور وبحركة السير..فماذا وجدت؟
ان العدد هو بالتأكيد أضعاف ما أعلنت عنه وزارة الداخلية، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من التدقيق من قبل الجانب الرسمي حتى لا تكون مصداقيته على المحك في كل رقم يعلن عنه، خصوصا وان الجهات الرسمية تملك من الإمكانات ما لا يملكه منظمو الفعاليات.
صحيفة الوقت
Monday, June 23, 2008