|
|
|
|
|
|
|
عدد القراءات : ( 113 ) |
|
| عبدالله جناحي -
 |
أغلب أشكال سوسيولوجيا الفن تركز على المجموعة الاجتماعية المحيطة بالقطعة
الفنية. ولا تتعامل معها كطبيعة ذاتية منفصلة. أي أن صفة الفن في
هذا الميدان العملي لا تكون محايدة أبداً، بل هي مكبلة بالسياسة
حتى لو أدعت بعض الأطراف بأن القطعة الفنية توجد في مكان أرفع أو ما
وراء المجتمع وأسمى من الواقع، مؤكداً على أن المرء عليه أن يدرك
دائماً بأن الشيء لم يعد »فناً« إلا لأن مجموعة من الأشخاص أو
الجماعات ذات النفوذ قد عرفته على أنه كذلك. لندخل في بعض التفاصيل،
فعلى سبيل المثال يطرح عالم الاجتماع المعرفي كارل مانهايم ومن
المنظور الماركسي بأن في المجتمعات التي يوجد فيها تمييز طبقي بين
الحكام والمحكومين، فأن الثقافة تنقسم على النسق نفسه وستكون هناك ثقافة
للطبقة الحاكمة توصف بأنها »عليا« وثقافة للطبقات الدنيا توصف بأنها
»أدنى«.
ولذا فأن القطع الثقافية التي ينتجها الأفراد من الطبقة
الدنيا سينظر إليها على إنها ذات قيمة ضئيلة نسبياً، وهكذا فأن قيمة
»الفن« حسب هذا المنظور تكون شديدة الصلة بذوق وتفضيلات المجموعات
الاجتماعية سواء كانت طبقات اجتماعية أو جماعات أثنية كما حدث لدى بعض
المثقفين الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية الذين اعتبروا الأعمال
العظيمة في الأدب مرتبطة قيمتها بالمركزية الأوروبية وليست تصويراً
محايداً.
في دراسة لنوربرت إليس حول الموسيقار »موتسارت« أكدت
على أن الشبكات الاجتماعية المعقدة والمتداخلة للسلطة والتأثير التي كان
الموسيقار مطوقاً بها كان يتعين عليه في الغالب إنتاج موسيقى مبهجة
للأفراد الذين كلفوه بإنتاج الموسيقى وليس إبداع ما كان يريده في
قرارة نفسه. غير أنه من الأهمية التوضيح بأن هذه الرؤية الاجتماعية
للفن لم يقصد بها التعامل الجامد للتقليد الماركسي الذي يرى في
الأعمال الفنية نتاج الحالة المادية للمجتمع في مرحلة زمنية معينة،
أو ما سمي في أدبيات الماركسية بالبناء التحتي الاجتماعي
الاقتصادي للمجتمع الغربي الذي يشكل طبيعة »البناء الفوقي« أي
البنية الثقافية لذلك المجتمع، وهي رؤية تركز على الطبيعة
الإيديولوجية للأعمال الفنية، وبالتالي ترى بأن هذه الايدولوجيا
السائدة والتي هي نتاج تفكير الطبقات الاجتماعية الخالقة لهذه الأعمال
الفنية.
أن مثل هذه الرؤية الماركسية تحمل مشاكلها معها، فلا يمكن
القول بأن العمل الفني هو تعبير تلقائي عن العلاقات الاجتماعية
والاقتصادية، وبالتالي تجاهل أداء المبدع وخصوصية التعامل معه
باعتباره بوقاً لإيديولوجية معينة وتجاهلا لوجود نوع من الاستقلالية
للمبدع عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أو لنقل على الأقل غير خاضع
لها بشكل مباشر.
ولقد تنبه المفكر الماركسي والمحلل الفني الهنغاري
»لوكاتش« لهذه الإشكالية حيث رأى أن القاعدة المادية لا تنتج البنية
الفوقية الثقافية مباشرة بل هناك سلسلة معقدة من العلاقات، بل أن البنية
الاقتصادية والاجتماعية هي بحد ذاتها تتأثر بشكل غير مباشر بطبيعة
»الثقافة« وبدلاً من ربط هذه العلاقات بالسببية المباشرة بين أجزاء
المجتمع استخدام مصطلح »الوسائط« أي العلاقات غير المباشرة.
قدم
كل من الفيلسوف هربرت سبنسر وإيميل دوركايم رؤية مستجدة حيث أعتبر أن تطور
الحداثة قد أدى إلى تطور أنظمة فرعية أكثر تخصصا كل منها مؤسسة تدور حول
نشاط مركزي، وهذا عكس العصور الوسطى التي لم تكن هناك مؤسسة مستقلة
تدعى »الفن« وإنما كان مجال الإنتاج الثقافي مرتبطاً مع بقية
المجالات الثقافية، خصوصاً الدينية، أي أن معظم الأعمال الفنية قد
أنتجت لأغراض دينية، في حين في العصر الحديث أصبح للفن مؤسساته
المستقلة. نختتم مقالنا هذا بأطروحة »بورديو« كأحد العلماء
المرموقين في سوسيولوجيا الفن والذي نفذ مشروع سماه »بحب الفن«
وهو مسح إحصائي لتعدد الإقبال على صالات الفنون الأوروبية والمحددات
الاجتماعية والتاريخية وراء دوافع الطبقات الاجتماعية المختلفة لزيارة هذه
الصالات ومن ثم تقدير الفن والثقافة. ووصل إلى نتيجة خلاصتها بأن
الأعمال الفنية تحمل رسائل تتطلب معرفة مسبقة للشفرة الملائمة لحلها أو
تفسيرها بشكل وافٍ.
وأظهرت الدراسة بأن تردد أفراد الطبقة العاملة أو
المنحدرين من أصول ريفية على قاعات الفنون أقل إحصائياً لأنهم يفتقرون
إلى »الشفرة« المطلوبة والتي يتمكنون بها من تفسير معاني الأعمال
الفنية »التشكيل أو الموسيقى أو غيرها« ويحلل هذه الظاهرة من بعدها
الاجتماعي والاقتصادي حيث يرى بأن سبب ذلك أن هذه الطبقات
الاجتماعية الكادحة لم يتلق أبناؤها سوى قدر ضئيل بل ومنعدم من التعليم
النظامي لمبادئ تذوق الفن، فالمدارس كانت تتخلى عن مسؤولياتها وتفشل
في تزويد كل تلامذتها بالأدوات الضرورية التي تمكنكم جميعاً من فهم
»الفن« أما البرجوازيون أو الارستقراطيون فقد ولدوا في وسط اجتماعي
متعلم ومثقف ولقوا منذ طفولتهم المبكرة تشجيعاً على زيارة المسارح
وقاعات الفنون والمتاحف. وكذلك أوضح كتاب »حب الفن« بأنه حتى لو
أزيلت الحواجز الاقتصادية والجغرافية المثبطة لزيارة الصالات الفنية من
خلال تخفيض سعر التذاكر أو جعله مجانياً وتوفير المواصلات وغيرها فإن
تذوق الفن يظل محصوراً اجتماعياً في نطاق ضيق.
وحتى لا نظلم هذا
العالم الاجتماعي فإننا لابد أن نوضح بأنه قد رفض القراءة الأحادية
للأعمال الفنية، بمعنى رفض القراءة الداخلية للأعمال الفنية التي
تكتسب معناها وقيمتها من أنها تتجاوز الظروف التاريخية التي انتجتها،
كما يرفض القراءة الخارجية التي تختزل نشأة العمل الفني في الأصل
الاجتماعي والطبقي لصانعه، بل يرى بأن العمل الفني هو تعبير
وحيد عن عبقرية فنية وليس فقط انعكاسا للأصل الاجتماعي.
صحيفة الأيام Saturday, June 21, 2008
| |
|
|
|
|
|
|
|
|