أقامت جامعة الخليج العربي حفلاً أعلنت فيه عن اكتشاف جديد في علم الجينات قام به فريق من العلماء والمختصين في الجامعة، حيث كشف لنا الجهد العلمي للجامعة وتسجيل الاكتشاف عالمياً. ورغم أنني لست مختصاً في هذا العلم إلا أنني من المتابعين لنتائجه الاجتماعية والقيمية والفكرية منذ ثمانينات القرن الماضي حيث ظهرت سلسلة من الكتب التي تستعرض الاكتشافات الخطيرة لهندسة الجينات، خاصة عندما تم الإعلان عن خلق ضفادع من تلقيح نواة من أنسجة أمعاء ضفدعة أنثى في البويضة، الأمر الذي أثار ضجة أخلاقية كبيرة حيث انتهى دور الضفدع الذكر في الإنجاب وما يعني ذلك من تداعيات قيمية وأخلاقية ودينية إذا ما تم تطبيق هذه التقنية على الثدييات ومنها الإنسان. ومنذ ذلك التاريخ قفزت هندسة الجينات قفزات هائلة نحو الأمام ليس فقط في قدرتها على اكتشاف معظم شجرة الجينات في الإنسان بل وتمكنها من إدخال ثورة ملموسة في الزراعة والثروة الحيوانية، هذا إضافة إلى الاختبارات التي أثمرت إنتاج حيوانات دون تلقيح كالنعجة »دوللي«، فضلاً عن اختبارات سرية لا يعرف العالم نتائجها لغاية الآن. الدول المتقدمة خصصت الملايين من الدولارات لمختبراتها وتجاربها المتعلقة بهندسة الجينات وذلك من منطلق بأن هذا العلم هو علم المستقبل الذي سيقتحم ليس فقط مجال الخلق وإنتاج السلع الزراعية والحيوانية، بل وحتى في علوم التقنية التي بدأت تمزج بين المادة الجامدة والمواد العضوية الحية لإدخال المشاعر والتفكير فيها. هندسة الجينات وقد تحولت إلى صناعة، وفي قادم السنوات قد تتحول إلى قطاع اقتصادي جديد بسبب تطور البشرية واقتصاد القطاع الصناعي ومن ثم قطاع الخدمات والقطاع المالي والمصرفي بعد ان كانت المجتمعات تعيش فقط على القطاع الزراعي والصيد.
صناعة الجينات تدر حالياً ملايين الدولارات من الأرباح على تلك الدول التي بدأت مبكرة في خلق بنية مختبرية وعلمية ومؤسساتية وقاعدة معلومات وكوادر واجهزة، والأهم حسمت الصراعات القيمية والأخلاقية والفكرية الناتجة عن هذا العلم الجديد وقررت الدخول في هذه الصناعة المستقبلية بصمامات امان وضمانات تشريعية وأخلاقية حتى لا تنفلت هذه الصناعة صوب خلق كائنات جديدة، رغم أن هذه الضمانات لن تقف في وجه طموحات وأحلام العلماء الذين يبحثون عن الجديد دوماً.
المتأمل لحال دولنا العربية من المحيط إلى الخليج في اهتمامها ورعايتها لهذا العلم الجديد والصناعة الجينية يصيب المرء ليس فقط بالاحباط واليأس من أنظمة سياسية وعقول متخلفة، بل بخوف شديد على مستقبل هذه الأمة، فلا جامعاتنا لديها ذلك الاهتمام والدعم لفتح كليات لهذا العلم الجديد وان فتحت أقسام فهي تركز على جزئيات وراثية وزراعية وحيوانية محددة، ولا الحكومات وضعت استراتيجيات واضحة المعالم وخصصت لها الاعتمادات المالية الضخمة لتأسيس البنية والقاعدة الأساسية لهذه الصناعة.
والأهم لم تبادر هذه الحكومات العربية بفتح المجال لحوارات فكرية حول إفرازات هذا العلم الجيني الاجتماعية والقيمية والأخلاقية، حيث غياب تام لثقافة هندسة الجينات وآثارها الإيجابية والسلبية. مئات من العقول العربية المبدعة في هذا الحقل تهاجر وهاجرت صوب الغرب الأوروبي والامريكي، والكيان الصهيوني يعمل ليل نهار لاستقطاب بعض من هؤلاء واغرائهم لتقديم محاضرات أو أوراق عمل في الورش المتخصصة لالتقاط الجديد من الأفكار والإبداعات، وإذا يئِس من ترويض أحد العلماء العرب المهاجرين فإن احتمال تصفيته وارد. فقر شديد في تعزيز ثقافة الجينات وضعف أشد في تمويل مراكز االبحوث والدراسات العلمية وخوف اكثر شدة من اقتحام هذا العلم رعبا من تداعياته ومراضاة للفتاوى الدينية الصادرة عن رجال دين يخشون من كل جديد علمي، ما يلبثون بعد أن يصبح الجديد أمراً واقعاً ومطلباً للناس ومصالحهم وصحتهم ومستقبلهم أن يتراجعوا عن فتاويهم القديمة ليعلنوا عن فتاوى أخرى تضع قيوداً وشروطاً جديدة ما تلبث ان تنهار أيضاً تدريجياً أمام ضرورات الحياة، وخير مثال على ذلك أطفال الأنابيب حيث المتتبع للفتاوى الرافضة التي خرجت منذ بداية اطفال الانابيب إلى أن انتهت بفتوى قبولها ودخول هذا العلم لجميع المستشفيات العربية.
ورغم أن هذه الفتاوى ومن يقف وراءها لم تتعلم من الحياة وأن عليها التأني وترك هذا الحقل العلمي لأصحابه، إلا أن وجود مثل هذا القيد الشرعي المستمر هو أحد أسباب تأخر أمتنا في اقتحام العوالم الجديدة الجريئة والخطيرة أحياناً، وبالطبع الأسباب الرئيسية الأخرى تتمثل في عدم وجود أنظمة عربية مؤمنة بالعلوم والحداثة والتجديد وغير مستعدة أن تقدم جزءا من الثروة الوطنية للاستثمار طويل المدى حيث انها كأي طفيليات تريد الأرباح السريعة والتكاليف القليلة؛ فلا رؤية مستقبلية ولا إيمان بعلم المستقبليات. بيد أن الفرصة ما زالت متوفرة للحكومات التي تؤمن بالتقاط الفرص؛ فمثلما ضيعت هذه الأمة فرصة التصنيع عندما كان في بداياته والتقطته دول شرق آسيا بعد الاستقلالات السياسية، ومثلما ضيعت الأمة فرصة بناء قاعدة لعلم الحاسوب ومدخلاته ومخرجاته والتقطتها الهند والصين، فإن أمام هذه الأمة خيارين الأول الاستمرار في غيبوبتها العلمية واللهاث وراء البورصات والأموال المليارية الطيارة وبناء الأبراج والجزر السياحية والمصارف والعقارات التي تدر المليارات من الأرباح اليومية، ولكنها لن تخلق تراكماً مادياً وصناعياً وعلميا وفكرياً ولا انسانا منتجاً، أو خيار التفكير في بناء قواعد لصناعة الجينات، كعلم مستقبلي سوف يفرض نفسه على الاقتصاد العالمي قريباً، ان لم يكن قد فرض نفسة فعلاً.
صحيفة الأيام
Saturday, June 07, 2008