|
|
|
|
|
|
|
عدد القراءات : ( 137 ) |
|
| محمد الأحمدي -
 |
أحرص على زيارة سوق الخضرة يوم الجمعة لهدفين :- استعادة الذكريات الحلوة والشحن المعنوي! إذ يتسنى لي رؤية ما تبقى من رجالات سوق الخضرة القديمة للسلام عليهم للظفر برحمات لوالدي . والشحن المعنوي يتمثل بكون السوق بمثابة جامعة عريقة أفخر كل الفخر اني انتسبت إليها منذ نعومة أظافري قبل انتظامي في المدرسة مع والدي الخضار حجي عبدالله لحمدي وغرفت من منهلها شتى العلوم والمعرفة وتعلمت منها ما لم تقدمه لي المدرسة ولا الجامعة ولا الحياة العملية وتخرجت منها ، وبلقائي مع هذه الرجالات أخذ شحنة تعينني في مشواري العملي . ولو يعرف الناس كيف كانت الأخلاقيات العالية في السوق القديمة لما ترددت بوضع هذا الخبرة بصدر سيرتي الذاتية CV .
وكان رجالات السوق آنذاك يمارسون البيع والشراء باحترافية عالية وإن لم يعرفوا شيئاً عن الـ bookkeeping إذ كانو يحفظون ما عليهم من ديون ويحرصون على أدائها قبل تحصيل مستحقاتهم ويحسبون ربح كل يوم بيومه ، فكان للمتعاملين ميزانهم الخاص الذي يعتمد على الثقة والصدق . فكانوا يوزنون المتعاملين حسب أخلاقهم وصدقهم قبل وزن البضاعة . وكانت تطبق روح النظريات والمفاهيم الاقتصادية والتجارية وإن كانت بصورة مبسطة وهناك قواعد وأسس غير مكتوبة تسير آلية السوق، أساسها الصدق والثقة.. وكان الناس يحتكمون الى بعض الحكماء في حال الخلاف بين المتعاملين أو الشركاء( منهم والدي رحمه الله ) ويكون الحكم نافذ في حال الصدور لذا لم يكونوا بحاجة إلى حوكمة الشركات corporate governments . أما التعامل فيما بين افراد السوق فكان يتسم بالاحترام الشديد وكان يصنف الناس حسب أخلاقهم ومصداقيتهم وعلى أساسها يتم وضعهم في السلم التقديري لذا لا يستغرب أن يحترم الحمالي الصادق أكثر من التاجر الغير صادق ولم يكن هناك تمييز طائفي أو عرقي سواء فيما بين رجال السوق أو بينهم وبين المتعاملين . كما أن هناك اتحاد غير معلن بين رجالات السوق فكم منهم من تعسر أو تعرض لظرف قاهر أو مرض ووجد أن الكل يقف معه بل بعضهم تم إسقاط ديونهم أو تم تسديدها سراً دون أن يعرفوا من دفعها . وكم من مرة تصدى هؤلاء بحسم لقرار رسمي لم يرضوا به . فرحم الله من رحل من رجال السوق وأسبغ الصحة على البقية الباقية منهم وأطال عمرهم.
صحيفة الأيام Sunday, May 25, 2008
| |
|
|
|
|
|
|
|
|